أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Thursday 12th April,2001 العدد:10423الطبعةالاولـي الخميس 18 ,محرم 1422

الاخيــرة

الأصدقاء
فوزية أبوخالد
لو لم تنكسر قدمي قبل اسبوعين كعادتها الحرون كل عامين او ثلاثة، لكنت الآن لا ازال منحنية على بحثي بصبر ايوب انحت في صخر الاسئلة على شاشة الكمبيوتر مزيدا مما يقصيني عن حرارة التحيز لمن احب من البشر وما اصطفي من الاشياء.
ولكن وقد انعم الله علي بهذه الاجازة القسرية فقد كان لابد ان اضرب عرض الحائط بوصايا الاطباء.. اتجاسر على آلامي المبرحة بغواية المغامرة. اضع العكازين تحت ذراعيّ كفراشة تتأبط دفاتر جديدة وتخرج عن طاعة الشرنقة. احرك اجنحتي باتجاه الحقول والاحلام المؤجلة وآفاق لم تفتح بعد، قبل ان يلتئم عظم قدمي واعود الى الانصياع لجبروت الجاذبية.
كنت طيلة ما مضى من شهور قد اهملت تماما كعشب غابي يحيق بوحدتي كل ما يصلني بالاصدقاء من المهاتفات الى اللقاءات الى البريد. فقد كان اللصوص الخطرون الاعزاء على اهبة الاستعداد في اي لحظة للهجوم على قلبي الغر ووقتي الضنين بكل ما يملكون من اسلحة الدالة والحب والاهتمام وقواسم الفرح والاحزان.
فما العمل ومناعتي ضعيفة جدا امام حمى الحب بكل انواعه من أعقدها الى ابسطها، فيما وقتي قليل واشواقي كثيرة ولذا لم يكن لي من خيار الا ان اختار عزلتي وبيدي اقفل على يدي الباب دون ان اسمح لصوت تلك الطفلة الصاخبة ان يتسلل من ثقب الباب.. صار كل ما يصلني بالاصدقاء هو آلة التسجيل التي تركتها على الهاتف لاستمع في آخر النهار واحيانا في آخر الاسبوع الى رسائل الاصدقاء الصوتية من اولئك الذين لا يبالون بالابواب الموصدة ولا يسلمون مقاليد قلوبهم أوصداقاتهم الى الطرف الآخر ليقربها او يبعدها متى يشاء. فكانت تلك الرسائل الصوتية العاتبة عتبا رقيقا والغاضبة غضبا حليما تحقن روحي دون ان يدروا او يريدوا بمزيد من مورفين الصبر لاحتمل معه قسوة الانقطاع.. دون ان استطيع بالطبع الرد على المهاتفات.
كنت احيانا عندما تنمل اطراف اصابع يداي على مفاتيح الكمبيوتر من بلادة الرصد البحثي ارشها بماورد الاشواق فأتسلل الى صفحة بريدي الالكتروني.. اقرأ على عجل بعض الرسائل التي تكون قد تزاحمت على اكتظاظ الصفحة وكأنني اخاف لو تباطأت قليلا ان اقع في الشرك الذي نصبه لي الاصدقاء بكلماتهم الحالمة الماكرة.. ودون ان ارد على إحدى الرسائل الا فيما ندر اخرج دون ان التفت الى الوراء لانني اشعر انني فيما لو التفتُّ ستنطبق علي سماء الصفحة فاقضي ما تبقى من عمر قليل تحت رحمة حب الكتروني متموج بما لا ينتهي من شحن الكهرباء بينما عمري قصير ووقتي ضيق ومشحون بتيارات دمي الصاعقة.
كنت قد اقصيت بريدي العادي عني بإصرار وترصد وخاصة ذلك المظروف البني الكبير الذي يحمل عنوان البنك الاهلي التجاري وعلى بعد من العنوان يلتمع اسم الشاعر علي الدميني كمرايا غدير تعاكس يباس الصحراء وخاصة انني عندما سولت لي نفسي للاقتراب من المظروف وقتها اندلعت في وجهي حرائق الغيوم الزرقاء طازجة حارة دافقة من كف عبدالعزيز المشري الى كف علي الى قاع قلبي وهامة البلاد، كان المظروف لا يحمل الجزء الاول من الآثار الكاملة لاعمال عبدالعزيز المشري الابداعية وحسب بل يحمل مرحلة كاملة من عمرنا الشخصي ومن عمرنا الوطني والابداعي معا.
كان المظروف يحمل احلاماً جامحة وبحوراً هائجة وحباً لا يحد ولم يكن لي الا ان اخبؤه بعيدا مني حتى لا يكتب لي عمرا جديدا قبل ان افرغ من التزامات عمري القديم واسوي بعض حساباته المتأخرة.
اما الآن وقد منحني الوقت راحة مني فليس لي مفر من ان ارمي بنفسي في تنور الغيوم وليكن ما يكون فلله الامر من قبل ومن بعد.
يتبع..

أعلـىالصفحةرجوع



















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved