أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Tuesday 24th April,2001 العدد:10435الطبعةالاولـي الثلاثاء 30 ,محرم 1422

مقـالات

شدو
ذهنية التصنع وذهان الواقع!
د. فارس محمد الغزي
على غفلة من المرأة أنقذ الإسلام المرأة: أنقذها من براثن جهلها، ومن همجية جاهليتها، ومن الوأد غير الرحيم، فحررها من الاستعباد، وأحياها بالكرامة أما وزوجا وأختا للرجال حسبا ونسبا وعقيدة. حقا لقد كانت عملية انقاذ تاريخية فريدة من نوعها، يزيدها تميزا وتفردا حقيقة أنها حدثت في وقت لم تكن المرأة الجاهلية على وعي بأبعاد مأساتها.. لم يكن بحوزتها الوعي اللازم بالذات، وأنّى لها الوعي لتحقق ذاتا مفقودة لولا ان الله سبحانه قد صاغ لها بالسماء حقوقا وواجبات انسانية على الارض حملا لأمانة «المسؤولية الذاتية» عن الذات وانقاذا لها من مغبات ومتاهات الصراع على حقوق هي من حقها مع نظيرها الرجل الجاهلي المتوحش زمانا ومكانا، بل ان الإسلام قد كرمها بعد ان انقذها، وذلك بأن جعل منها للرجل في حال أحسن اليها مصدراً من مصادر الثواب والأجر. باختصار، حسب المرأة المسلمة فخرا وحسبها كرامة انها مخلوق ارضي تم تكريمه على الارض بحقوق من السماء على عكس نظريتها في الديانات الأخرى، كالمرأة الغربية على سبيل المثال، التي لا تزال تكابد عبء ومعاناة الكفاح ضد الرجل سعيا لانتزاع حقوقها التي لم تبدأ بالتجسد فانونيا إلا قُبيل منتصف القرن العشرين الميلادي.
ومع ذلك فإن المتمعن في التاريخ العربي منذ قيام الدولة الأموية حتى عصرنا هذا، سيلحظ كيف أن العرب لم يترددوا في احقاق الجوانب الحسية من حقوق المرأة ابتداء من نبذ عادة وأدها، مرورا بحفظ حقوقها «القرابية» والمالية.. وخلافها، وذلك على النقيض مما فعلوا - ويفعلون - مع حقوقها المعنوية حيث لم يمنحوا المرأة ما لها من حقوق معنوية مقدار ما منحوها من الحقوق الحسية، رغم الحقيقة الماثلة في ان الحقوق المعنوية جزء لا يتجزأ من الحقوق الحسية. انه من الثابت ان العقلية العربية قد عانت تاريخيا ولا تزال من الانشطار نتيجة لصراعها المزمن بين ما يجب احقاقه للمرأة دينيا وماتفرضه العقلية القبلية من تأطير وأساطير ومحاذير اُسْتنبتت في جوهر دوائر التكوين الأولى من حياة الفرد العربي، واعني بذلك طرائق وآليات تنشئته الاجتماعية.إن العقلية القبلية العربية لم تجابه او تعارض ما تم احقاقه من حقوق حسية للمرأة، حيث انتهجت هذه العقلية استراتيجية اذعان ومسايرة بيد انها لجأت الى التعويض عن طريق الاحتفاظ بما احتفظت به من عادات وتقاليد تم استدماجها وتوريثها تاريخيا الأمر الذي تخلَّق على اثره ما للمرأة من مكانة مزدوجة في الثقافة العربية. إنها عقلية.. أو ذهنية، والعقلية او الذهنية «موقف» والموقف «استعداد.. قابلية، بل دافع» لترجمة وتطبيق ما في الذهن الى واقع.بدهيّ القول ان أدب وادبيات وحيثيات أي عصر سابق كفيلة بالإبانة للاحق حقائق ما ساد في هذا العصر من حقائق، والتراث العربي - خصوصاً الشعر منه منذ المرحلة الأموية - مليء «بمواقف شعرية ذهانية!» تؤكد ما أشير اليه آنفا من ذهنية ثقافة وذهان أفراد. إنها ذهنية القبلية حين تم استدماجها ازدواجا وتأصيلها ممارسة على ايقاعات الصدمة الحضارية المدوية الناجمة من امتزاج حضارتي الصحراء والنهر. ان الشاعر العربي حين وجد نفسه يرعوي «مكرها!» عن الغاء ابنته جسدياً، لم يتوان عن الافصاح تنفيسا عن رغبته الدفينة هذه وبما انها لم تتحقق، وجد في الإلغاء المعنوي بديلا وعوضا.
ان تمنِّيَ موت البنت جهرا باسم الابداع الشعري ليس سوى تنفيس لأمراض ذهانية اعتلجت في الثقافة فاستدمجت من قبل الافراد مشاعر تُرجمت شعرا.. آلية تعايش مع الواقع.. وسيلة تبرير لما لا يُبرر.. تنفيس.. او فلنقل «بنج» قاتل لألم الانشطار بين المُستدمج قَبليا والواجب عقديا. خذوه على سبيل المثال يفلسف بدهية موت البنت «قبلياً!» رغم انف حقيقة ان الموت هو الموت الذي هو طلسم حياة الطلسم الأزلي:


القبر ستر للبنات
ودفنها يروى من المكرمات!

بل اليكم به مجاديفه أفعال التفضيل ابحارا في غبب امواج بحور شعر «كوامن المشاعر» تجاه المرأة: «... والموت أكرم نزّال على الحرم»..
بل ها هو في مجلس حداد وعزاء ابتهاجا «وشكراً على نعمة الموت!» في موقف يستدعي - على الأقل - تصنع الحزن مجاملة لصديق يصارع حزن موت فلذة كبده: ابنته!:


ومن نعم الله لا شك فيه
بقاء البنين وموت البنات!

«نوغل!!» في صلب الموضوع في «شدو» يوم الخميس القادم إن شاء الله.
ص.ب 454 رمز 11351 الرياض

أعلـىالصفحةرجوع


















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved