أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 6th July,2001 العدد:10508الطبعةالاولـي الجمعة 15 ,ربيع الثاني 1422

الاخيــرة

دوافع النوازع
النفاق عند أبي العلاء المعري
د. محمد بن عبدالرحمن البشر
أبو العلاء المعري شاعر فيلسوف وشاعر فقد بصره منذ صباه لكنه لم يفقد بصيرته، ألزم نفسه بغرائب فلسفية آمن بها، وأفصح عنها، وفعلها وهذا أمر لم يفعله قبله أو بعده أحد حسب علمي، ألزم نفسه بالقعود، في منزله خمسين عاما لا يبارحه، كما حرَّم على نفسه أكل اللحوم والعسل وشرب اللبن، وبقي نباتياً طيلة ثمانين عاماً من عمره، قيَّد نفسه في نثره وشعره بالالتزام بما لا يلزم وعندما زاد عليه المرض عند وفاته وصف له الطبيب لحم الديك، فقال مخاطباً الديك «استضعفوك فقتلوك فأكلوك».
غضب هذا الفيلسوف على الدنيا ورأى في أهل زمانه مجموعة من المنافقين الذين يظهرون ما لا يبطنون فأخذ يصب عليهم غضبه شعرا ونثراً. وخرج به علم المنطق عن المنطق في فترات عديدة، وافترق أهل زمانه في الحكم عليه، فمنهم من رأى ان في آرائه دليل إيمانه، لكنه كان يجاهر بما يحيك في نفسه، بينما رأى الفريق الآخر انه زنديق ضل الطريق. ومهما يكن فقد أبدى امتعاضه من النفاق والمنافقين في أكثر من قصيدة فهو القائل:


ما وقع التقصير في لفظنا
لو صدقت أفعالنا الألسنة
وقال في قصيدة أخرى:
أنافق في الحياة كفعل غيري
وكل الناس شأنهم النفاق

قد يختلف الكثير منا حول هذا البيت، فمن قائل انه قد جانب الصواب في قوله فليس كل الناس شأنهم النفاق، فمن الناس من يكون صادقا غير منافق، يقول الحقيقة ويتحدث بها كما يراها في سويداء قلبه، لكن دماثة خلقه وحسن أدبه يجعله يقدم مكنون نفسه على طبق من اللجين الأبيض حتى يبدو اجمل نضارة، وأصفى بهاء فيحب الناس ويحبونه، يبدع في انتقاء اللفظ ويختار عباراته بعناية، ويحدِّث كل ذي قدر بمقدار ثقافته، لكنه لا يوغل في اللفظ الذي يتجاوز الحد، ولا يحد من اللفظ الذي لم يبلغ الحد، فهو في مرآة الرائي اللبيب لبق لطيف غير منافق متحلٍ بالخلق الرفيع، متبع احلام غيره، وليس مبتدعاً بنفسه.
ومن قائل انه قد أصاب لب الحقيقة وان الناس في مجملهم منافقون، وإن ظهر غير ذلك فإنما هو شذوذ من مجموع، والقاعدة لا تبنى على الشواذ، فهم يرون ما حولهم يلهثون وراء مبتغاهم بكل ما لديهم من وسائل متاحة، ويرون ان ايسر السبل واهونها النفاق، فهو طريق لا يحتاج إلا إلى شيء من البديع، مع سبك في العبارة، وجمال في اخراجها، كما يرون ان المنافق لا يقيد نفسه بحدود في المعنى او اللفظ، بل يترك للسانه او قلمه العنان ليقول كل ما يحقق شأوه سواء قل أو أكثر، أصاب أو أخطأ، بالغ او اختصر، ولهذا قال أبو العلا:


طباع الورى فيها النفاق فأقصهم
وحيداً ولا تصحب خليلاً تنافقه

ولأنه ينظر إلى مجتمعه بمنظار الريبة، ويفسر الأمور على غير علاتها وان كان يصيب في بعضها، فقد آثر ان يبتعد عن الناس ويرى فيهم غير ما فيهم فهو القائل:


اعوذ بالله من قوم إذا سمعوا
خيرا أسروه أو شراً أذاعوه

وقال:


قد ينصف القوم في الأشياء سيدهم
ولو أطاقوا له ريباً أرابوه
لم يقدروا ان يلاقوه بسيئة
من الكلام فلما غاب غابوه
تحدثوا بمخازيه مكتمة
وقابلوه بإجلال وهابوه
وكم أرادوا له كيدا بيوم ردى
من الزمان ولكن ما أصابوه
لبَّى الغنيُّ بني حواء من طمع
ولو دعاهم فقير ما أجابوه

هذا هو أبو العلاء يريد أن يقرأ ما في نفوس أهل زمانه بمنظاره الذي بناه بنفسه عبر كتب الفلاسفة، وذكائه الوقاد وحفظه لكتب غيره وشعرهم، كما انه اراد ان ينقل بعضا مما واجه حقا في مسيرة حياته، فجاءت كلماته في نثره وشعره ممتزجة بعروق سوداء من التشاؤم، ولعل أهل زمانه بسلوكهم هذا قد جعلوه ينحى هذا المنحى.
وما ظن القارئ الكريم بأهل زماننا.. لست أدري؟.

أعلـىالصفحةرجوع

















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved