أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Sunday 2nd December,2001 العدد:10657الطبعةالاولـي الأحد 17 ,رمضان 1422

مقـالات

الضمير الغائب والمنهج الشرعي في دعوته؟!
إبراهيم بن عبدالله السماري
النية في الإسلام لها مكانة عالية ومنزلة رفيعة وهي جواز سفر العمل الذي يتوقف عليه قبوله ورفضه، إلا ان هذا الجواز لا يحتاج إلى تأشير أو ختم من بشر، فالنية صلة بين العبد وربه. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء مانوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
وسلامة النية هي مرآة الضمير وعنوان نصيبه من الصحة أو من المرض والشبهات، لأن كل عمل يعمله الإنسان نبات يبذره في بستان العطاء والنية هي الماء الذي يسقي هذا النبات! فليحرص الإنسان على تنقية هذا الماء ليحسن نتاج النبات.
والضمير دافع قوي يسيّر حركة الإنسان وفق ما يسره الله له. قال صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
وإذا كان الضمير متصفاً بالخير وحب الحق والإصلاح بين الناس فسيكون بارزاً في كل فعل خير، فكل ضمير حي لابد ان يدفع صاحبه إلى مساعدة إخوانه وتحصيل النفع للمجموع لأنه حسن النية، ولأن حياة الضمير قوة نبض تحفزه على الفعل الخيِّر والاستقامة، في حين أن الضمير المريض أو الميت يدفع صاحبه إلى أن يتلبس بمنكرات الأفعال والأقوال قاصداً ضرر ذلك وناوياً الايقاع بينه وبين ذاك، لأنه سيئ النية. فالضمير مستتر خلف تلك الأفعال السيئة لا يجرؤ على البروز ولكن هذه الافعال تفضح عواره وسوء نيته.
وبامكاننا الاستدلال على هذا الضمير وقياس نبضه ومعرفة توجهاته من خلال محكات وشواهد نعرضها تحت مجهر التحليل ولتفسير فتظهر سلامة المخبوء أو عواره من صلاح أو سوء النية. فالرغبة في الخير والسعي اليه دلالة على حياة الضمير وصلاحه، وأعمال الشر دليل فساد الضمير ومثال لذلك فالسعي بالنميمة والغيبة علامة سوء ضمير الساعي بهما وهما محك يفضح النية وشاهد على فساد ضمير فاعلهما. وسرقة العامل من مال من يستخدمه أو غشه في عمله أو انتقاصه منه شيئاً دليل على فساد ضمير هذا العامل وسوء نيته، وقد فسد ضميره فما استقام على الطريق الصحيح. والذي يستخدم العامل ثم لا يعطيه أجره أو يسيء معاملته أو يهين كرامته فاسد الضمير دون ريب . يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فوالله فما قال لي أف ولا: لِمَ صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟)
والشاهد الذي توقف الحكم في الدعوى على شهادته فكذب فيها أو غيرت شهادته مجرى الحكم عن الصواب قد فسد ضميره فساء فعله. وذلك الذي اؤتمن على المال العام فاحتبس نصيباً منه لنفسه بأي طريق هو خبيث الطوية سيىء الضمير وإن لبس أحسن الثياب وحاز أعلى الدرجات. وهكذا المعلم الذي اؤتمن على فلذات الأكباد ومستقبل الأمة ثم هو يتقاعس في أداء واجبه ويستنكف عن توصيل الرسالة التربوية والتعليمية الصحيحة إلى الطلاب لأن ذلك يستدعي بذل زيادة جهد هو يستكثره أو يتكاسل عنه فضميره أصيب بدرجة من الفساد. وهكذا الطبيب الذي جعل هذه المهنة الانسانية وسيلة كسب مادي فجانب أصول المهنة وجاوز القدر المعقول ليجعل المريض يصب النقود في جيبه صباً فهو أسود الضمير وإن تحلى بلباس الأطباء الأبيض. وهكذا المسؤول الذي جعله ولي الأمر حارساً لمصالح الدولة ثم هو يستجيب لإغراء المال فيضرب بتلك المصالح العامة عرض الحائط مقبلا على الراشي والرائش طمعاً في ما في ايديهما فهو فاسد الضمير والخلق.
وأسباب فساد الضمير أو غيابه عن الاحساس بالحق والخير كثيرة ومن أهمها. أولاً: ضعف الايمان بالله ووعده ووعيده فلا يتطلع القلب إلى خير الموعود ولا يخاف من شر الوعيد. ثانيا: ضعف السند التربوي الذي يربي الوازع الذاتي. فاذا ضعف هذا السند ضعفت التحصينات الدينية والخلقية والنفسية. والمسلم به ان قلة العلم سبب من أسباب غيبة الضمير ولكن هاهنا يثار إشكال فحواه أن العاقل يلحظ اصابة ضمائر بعض الذين حازوا أعلى الدرجات العلمية بهذه الغيبة والمرض والموت فما السر إذن؟ وعند البحث والتأمل سيجد السر في أن السند التربوي لم يكن موجوداً لدى هؤلاء الحائزين على كثير من العلم في الظاهر لأن أغراضهم من تحصيل العلم لا تتجاوز الأهداف النفعية الدنيا. بينما وظيفة السند التربوي تزكية النفوس وتهذيب تطلعاتها والارتقاء بها إلى مدارج السمو الخلقي والغايات العليا وهذه مفقودة لديهم مما تسبب في انحراف ضمائرهم.
ثم بعد هذا قد يسأل سائل فيقول: هل لفساد الضمير من علاج؟
والجواب: نعم. فما يصيب الضمير قد يكون مجرد غبش يسير نتيجة تغلب شهوة النفس أو شبهاتها فيحب الخطأ لتزيينه من الشيطان. ويكره الحق لما فيه من تكليف لا يرى لضعف سنده التربوي وربما العلمي أن هناك ضرورة تدفعه إلى القيام به.
فهذا الغبش يحجب الرؤية الصحيحة عن القلب والعين وعلاج الضمير المتلبس بهذا الغبش يكون بالموعظة الحسنة والبيان الراشد دون عنف او تعيير أو تشنيع. وكثير من الضمائر التي عليها مثل هذا الغبش تستجيب لداعي الخير وتستقيم على المنهج الصحيح إذا أحسن الداعي دعوته ولزم المنهج السديد.
وقد يكون ما يصيب الضمير انبهاراً وافتتانا وهو أقوى من الغبش، لأن الانبهار والافتتان دليل تمكن التسويل والتزيين في القلب والضمير فيحتاج الأمر إلى تقوية الموعظة ترغيبا وترهيباً بصورة متوازنة يراعى فيها حال المدعو دون أن تصل هذه الموعظة إلى قطع الجسور مع المخالف فان الترهيب الموغل في الشدة قد يقطع ظهر المدعو. ومن المؤسف أن بعض الدعاة يلجأ إلى الترهيب القوي المستمر لمن يكفيه الترغيب والترهيب بصورة أقل فيؤدي هذا الفعل إلى درجة القنوط واليأس فيعود إلى المعصية أو المخالفة أشد من حالته التي كان عليها. بينما المفترض أن يكون الترغيب والترهيب متوازنا فلا يطغى هذا على ذاك ولا ذاك على هذا.
وقد يكون ما يصيب الضمير مرضاً أي أن تقع في الضمير نكتة سوداء من فيروس المعصية حتى تباشر القلب وتخترقه. فهذا المرض أشد من الانبهار والافتتان وعلاجه قد يطول وهو يحتاج إلى قدرة متفوقة من الداعي يستطيع بها استجلاب مشاعر المدعو وتطلعاته ورغباته وجمعها في وعاء الانتباه وترويضها وصقلها. وفي الغالب مع صدق نية الداعي واخلاص عمله وملازمته الدعوة بالحسنى واستمرارها تثمر الشفاءباذن الله إلا من بلغ المرض به المرحلة الأخيرة من مراحل شقاء الضمير وهي موته لا غيبته فحسب. وقد قال الشاعر:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
ومن أن موت الضمير هو خاتمة ما يصيبه من شقاء وهو أشد خطراً من مرضه وأشد امتناعاً على العلاج إلا انه لا يجوز التسرع في الحكم عليه بالشقاء لأن الحكم على النيات لله وليس حقاً على البشر كائناً من كان ولأن الأعمال بخواتيمها، ولا أحد يمنع هداية الله من أن تصل إلى أي قلب أو ضمير. يقول صلى الله عليه وسلم: : (إن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان. وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان. إني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك) ويقول صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلَكَهم أو أهلَكُهُم. قال أبو اسحاق: لا أدري أهلكَهم بالنصب أو اهلَكُهُم بالرفع) ومعنى اهلَكَهم بالنصب: أي تسبب في هلاكهم بتيئيسه وتقنيطه. ومعنى أهلكُهم بالرفع أي أكثرهم وأشدهم هلاكاً لسوء قوله وصنيعه. وقال صلى الله عليه وسلم: (فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار. ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة).
وخلاصة القول إن على الداعي الانتباه والحذر في موضوع الضمائر والقلوب والغيبيات عموماً فلا يتسرع في إصدار الأحكام ولا ينكل عن الاقدام بدعوى فساد الضمائر ولكن عليه الوعي بالفقه الشرعي لذلك. وقبل ولوجه اللجة عليه أن ينتبه إلى أمور على رأسها تجنب التسرع في الحكم على نيات الناس وتصنيفهم إلى مؤمن وكافرأو صالح وفاسق أو سيىء النية وحسنها من دون دليل شرعي واضح عليه من الله برهان. وهو ما يفعله كثير من صغار الدعاة المتحمسين دون إلزام أنفسهم بالضوابط الشرعية المطلوبة، فإن القول سهل الصدور ولكن عواقبه عظيمة. سأل معاذ بن جبل رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدله على عمل يدخله الجنة ويباعده من النار فأرشده صلى الله عليه وسلم إلى عدة أمور حتى قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يانبي الله. فأخذ بلسانه. قال: كف عليك هذا. فقلت: يانبي الله. وإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم).
وليكن هدف الداعي علاج الفعل الخاطىء بعد الثتبت من وجوده بطرق التثبت المشروعة، وأن يصرف هذا العلاج من صيدلية الحكمة التي أمرنا الله بها في كتابه العزيز (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو وأعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) النحل 125.وقد عرفنا شواهد هذه الحكمة في كثير من المواقف النبوية الخالدة. وتأملناها في كثير من سير الصالحين. فالداعي الحكيم يبتعد عن التشنيع بالمدعو أو التشهير به أو تيئيسه ويبذل كل وسعه لتجنب المفاسد التي تضر بدعوته أو بوحدة الأمة، ولذا فهو يأخذ بيد من يدعوه بإخلاص الناصح الأمين وبسلامة المنهج الدعوي الصحيح والغالب أن يحالفه التوفيق في تنشيط الضمير الكسول. وصحوة الضمير النائم، وعلاج الضمير المنحرف لأن الدواء الذي أعطاه للمريض مستمد من تعليمات من أنزل الداء وجعل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله.
هذا وبالله التوفيق .
alsmariibrahim@hotmail.com

أعلـىالصفحةرجوع


















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved