أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 7th December,2001 العدد:10662الطبعةالاولـي الجمعة 22 ,رمضان 1422

مقـالات

مصالح وفوائد في الصوم (12)
د. محمد بن سعد الشويعر
لئن كان الشاعر الذي أدرك فضل رمضان، وأثره في تهذيب النفس البشرية، وتعويدها عمل الخير، لما في هذا الشهر من المصالح النافعة، والفوائد التي لا تقدَّر بمقاييس الأرباح الدنيوية، عندما قال:


إذا ما المرء صام عن الدنايا
فكل شهوره شهر الصيام

فإنما نما عنده هذا الفكر، من حرصه على تعاليم الإسلام، وما فهمه العلماء من مكانة شهر رمضان، في ترويض النفوس، وقمعها عن التمادي في الأعمال والعادات، التي يأنفها صاحب الفطرة السليمة.. حيث يحث علماء الإسلام، الأمة على أن يستفيدوا من نفحات رمضان، بعد تصرُّم أيامه، بالثبات على ما كانوا تأقلموا معه في رمضان ليلاً بالصلاة والتهجد، قياماً باحتساب، ورغبة في النتيجة التي وعدهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم «ومن قام ليل رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».
ونهاراً بالصوم، وتلاوة القرآن، والرقّة والعطف على الفقراء لمواساة ضعيفهم، ومساعدة محتاجهم، ومشاركة الصائمين في تقديم الإفطار لهم، فيحصل مع التعاطف الاجتماعي، والترابط الأخوي، لأنهم يتشاركون في المشاعر والشعور بالألفة، مع ذلك يحصل الأجر الذي بشّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الصائمين من أمته: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».
والصائم إن تقدم للمسجد منتظراً الصلاة بعد أداء تحية المسجد، فإن جلوسه وانتظاره يعتبر أجراً متواصلا ً كمن هو في الصلاة مواصلاً، لهذا القول الكريم، المرغّب في الصلاة ومكانتها، ناهيك بها في شهر رمضان، شهر الصوم الذي تحيط الصائمين فيه النفحات الربّانية، وتظلُّهم سحابة الجزاء الأوفى من الله، في كل موقف: «لا يزال المسلم في صلاة ما انتظر الصلاة ، فإن الملائكة تدعو له وتستغفر له».
ثم إن النوم الذي هو راحة للبدن، وحاجة ملحّة في حياة المرء اليومية، يخفف التعب، ويميط المشقة من عناء العمل عن البدن، «وجعلنا النوم سباتاً» فيكون بالنية الصادقة، وبالرغبة في التقوى على طاعة الله بالعبادة ليلاً والصيام نهاراً، طاعة الله، واستجابة لما أمر به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ليتحول بذلك الى عبادة متواصلة تزيد في رصيد الأجر من الله، وفضله سبحانه على عباده كثير لا يعدّ ولا يحصى.
ذلك أن حياة المسلم، وبما يمر فيها من مواقف ومناسبات، مواقف للمرء في العمل اليومي، والأسبوعي والشهري، ومناسبات يهيئها الله، تتفاضل فيها الأعمال البدنية، وما يفتح الله فيها من خيرات.. إذ في رمضان منادٍ لا يحسُّ به الإنسان، ولكنه ثابت بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا المنادي يتكرر نداؤه في كل يوم من أيام شهر رمضان يقول: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر».
ويعين على ذلك بتيسير هذا المجال، أمام الراغب في الخير ليرتدع عن الشر ودواعيه، بأن الدعاة إلى الشر، والأعوان عليه، قد حيل بينهم وبين العبد الصائم، بحاجز منيع ، هو حجاب الإيمان، ودرع يغطي البدن، هو أثر الصوم، فالشيطان قد كان ضعيفاً بما يجعله واهناً عن الجريان في الجسم مجرى الدم، لأن الصوم وما تبعه من عطش وظمأ قد ضيق المجاري على عدو الله، وعدو الإنسان. ويعين الله العبد الصائم، ايماناً واحتساباً، بأن مردة الشياطين تصفد، فلا تقدر على إغواء الناس، مما يجعل الجسم والهمة عند الصائم قوياً، يمنع الله بذلك محبة الشرّ إليه بغضاً فيه، وبعداً عنه، فيغالب الصائم شهواته في نهار رمضان: طعاماً وشراباً، ونكاحاً وغيبة ونميمة، امتثالاً لأمر الله، ورغبة فيما وُعد به الصائمون، فيدع ذلك من أجل الله، براحة نفس، وطواعية ضمير، حيث يقول سبحانه «الصوم لي وأنا أجزي به».
وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».فالشباب وما فيه من حيوية والصحة وما أودع الله في الجسم بسببها من قوة وقدرة، والغنى وما يتهيأ للإنسان من قدرات، بما أفاء سبحانه من نعم، والفراغ في حياة الإنسان، وسعة الوقت في هذه الحياة التي تمر بالإنسان قبل أن يتصرم أجله، كل هذه الخمسة لها حالة قوة وقدرات يجب أن تغتنم، قبل أن يأتي نقيضها، فتضعف الهمم ويذبل النشاط، ويهرم الشباب، حيث تخور القوى كلها في هذا الجسم.. وغيرها.
كلها أمور يجب قبل انقلابها إلى الضد، اغتنامها واستغلالها عبادة لله، في المناسبات المتجددة سنوياً، وفي الفرص التي تتاح يومياً أو أسبوعياً أو سنوياً.
فالدعاء وذكر الله فرصة وقتية، وبلا عناء أو مشقة لمن أعانه الله، والصلوات التي هي كفارة للبدن من السيئات، بين وقت ووقت، هي من الفرص اليومية، التي تربط قلب المخلوق بخالقه: عقيدة وعملاً.ويوم الجمعة الذي هو عيد الأسبوع، ويتواصل الناس فيه بصلاة تجمعهم، ما هو إلا فرصة اسبوعية للرجوع إلى الله والتوبة من الذنوب خلال اسبوع، وهو يوم خصَّ الله به أمة محمد، إذ غفلت عنه اليهود، فاتخذوا السبت، وابتعدت عنه النصارى فاتخذوا الأحد، وهدى الله إليه أمة محمد فاتخذوه تجمعاً اسبوعياً للعبادة وذكر الله والاستغفار. ويأتي رمضان موسماً سنوياً، ليكون فرصة لمحاسبة النفس عن أعمال السنة الماضية، وزيادة العمل الصالح في هذا الشهر المفضل، والذي هيأ الله فيه أعمالاً كثيرة، ميسرة على من لديه دافع للعمل، ومحبة للخير..فالأبدان تنشط وتقوى على العبادة وعلى الأعمال: صلاة وقياماً، وتسبيحاً لله وتحميداً، وتلاوة لكتاب الله، والأيدي تلين بالصدقة والقربات، وإطعام الطعام، وبالمودة مصافحة ونسياناً لما قد وقر من شحناء وتباعد، والألسنة رطبة من تلاوة القرآن الكريم، ومن ذكر الله، والدعوة إلى الخير والترغيب فيه.
والأرجل تتسابق إلى المساجد ليلاً ونهاراً، في مشي يكتب حسنات ويحطُّ به عن الماشي سيئات.
فما أكثر المصالح التي تعود على الفرد والجماعة في هذا الشهر، إذا صدق العمل، وخلصت النيَّة، وكان التسابق رغبة لما عند الله، واستجابة لما جاء في هذا الشهر من ترغيب.
ثم ان هذا الشهر يختم بمضاعفة الأجور وتكامل الجزاء من ربٍّ كريم، يهيئ الفرص لعباده فضلاً منه وإحساناً، ويثيبهم أجزل العطاء، إذ في العشر الأواخر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي أن من أدركها، وقام ليلها إيماناً واحتساباً، كان له من الأجر أكثر، وخير من عبادة 83عاماً وأربعة أشهر متواصلة، وهذه الليلة وما فيها من خيرية، قد خص الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي من الفضائل التي امتنَّ الله بها على خير أمة أخرجت للناس، فيجب الشكر واغتنام الفرصة الثمينة.
وفي آخر ليلة من رمضان، يعتق الله جل وعلا من النار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مقدار ما في الشهر كله من العتقاء من النار، وقد جاء في الحديث: إن لله سبحانه في كل ليلة من ليالي رمضان عتقاء من النار. فرمضان شهر الخيرات، وشهر العبادات، ولمكانته وما فيه من فوائد، كان كثير من سلف الأمة، يسألون الله ستة شهور بأن يبلِّغهم رمضان، فإذا أدركوه سألوا الله سبحانه أن يتقبل منهم رمضان، فهو شهر التكافل الاجتماعي وشهر المسابقة في الخيرات، وشهر المسرات والتلذذ بالعبادات.فإذا اشرأبت إليه النفوس قبل مقدمه بشهرين، حرص كل مسلم على أن يدعو بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلِّغنا رمضان».. فرغم أن فيه معاناة جسدية في تحمل الجوع والعطش، والابتعاد عن الشهوات، لكنه شهر يتمكن فيه الايمان من القلوب، والنفوس تهتز، كما تهتز الأرض اذا نزل عليها المطر، لأنه شهر الرحمة، وشهر المودة بين الناس، فتراهم يتعانقون استبشاراً بمقدمه، وشهر لذة العبادة الروحانية والجسدية، مثلما قال فيه الشاعر:


شهر الصيام أطلَّ بعد غياب
فاستقبلته النفس بالتِّرحاب
يُجلى به صدأ النفوس وغيُّها
فتعود للتقوى بحُسْنِ مآب

وقد جاء في صحيح مسلم رحمه الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، اذا اجتنبت الكبائر» فكان من فوائد رمضان أنه يتجدد فيه الإيمان، وهو فرصة لغسل القلوب، مما قد يكون حصل من الآثام بها، خلال السنة كلها، لأن الإنسان سمته الخطأ والتقصير والنسيان.
ذلك أن روحانية العبادة بأنواعها المختلفة من قولية وفعلية وعَقَدية وتفكرية في شهر رمضان من ألذِّ ما يتطعمه المرء، وفيها متعة وراحة نفسية، أكثر من متع الحياة المادية ، بل ان لذة في قيام ليلة من ليالي العشر الأخيرة في رمضان، لا يعدلها لذة من لذائذ الحياة، ومتعها الزائلة.
فهي لذة الإيمان الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيَّاً ورسولاً».. واللذة التي هي من الخصائص البارزة في شهر رمضان، ما هي الا نشوة الحبور، والسعادة التي لا تدرك إلا بانتهاز فرص هذه الحياة، واستغلال مناسباتها في العبادة، ومن أبرزها مناسبات العمل الصالح في شهر رمضان والاستقامة عليها، طمعاً في إدراك منزلة أولئك السبعة، الذين يظلُّهم الله في ظله، يوم لا ظلَّ الا ظله، والثبات بعد رمضان، على المنهج الذي اعتاده المسلم، ورتب وقته وقدراته البدنية عليه في هذا الشهر، حتى يكون قد أخذ من شهر رمضان وقوداً وطاقة، تدفعه للاستمرار بعد رمضان بدون نكوص ولا تكاسل، حيث حذر بعض علماء الإسلام عن عمل اقوام تناقص بعد شهر رمضان، فجاء قولهم، بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان.وفوائد شهر رمضان كثيرة لا تحصى وكل صاحب اختصاص يجد في رمضان فوائد يستحسنها، وتعود على الجسم والمجتمع بمصالح لا يمكن حصرها، فإن الله الذي خلق الإنسان، قد أودع في جسمه غرائب وعجائب، وهيأ له سبحانه بما يحويه وما يديمه، حتى يبلغ الأجل الذي قدَّره الله منتهاه، فيكون صالحاً قوياً، فإن اعتراه ضعف أو مرض، فإن الله يخفف العبادة ومنها الصوم، إلى ما تطيقه النفس، ويقدر عليه الجسم «فعدة من أيام أخر» وهو سبحانه أرحم بعباده من الأم بولدها. وجعل الصيام خيراً للمسلم «وأن تصوموا خير لكم»..فهذه الخيرية التي أرادها الله لنا معاشر المسلمين قد لا ندركها، ومن هنا نستنتج من خيرية رمضان، ومصالح الصيام بعضاً من الفوائد منها:
فوائد بدنيّة: فالجسم عموماً يكون في صحة، لأن وجبات الطعام انتظمت، وانتظم معها الطعام ونوعيته، حيث يرى الأطباء فوائد صحية في الصوم: في معالجة السمنة، والإقلاع عما يضر الجسم، أكلاً أو شرباً، والتخفيف عن المعدة والجهاز الهضمي، وما يطرأ عليهما من أمراض نتيجة تراكم الأطعمة، وادخال بعضها على بعض، كما يروى للحارث بن كلدة طبيب العرب، قوله: إدخال الطعام على الطعام هلاك محقق.. ذلك أن المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، والصيام ما هو إلا حمية تعبديّة يطهر الله به البدن من الأسقام، والقلوب عن الغفلة.. وكما يروى في الأثر: صوموا تصحُّوا.
فبالصوم تظهر آثار الصحة على أجزاء الجسم، وما يرتبط بالصوم من حب في العبادة، وتنشط الأعضاء كلها، حيث تتروض المعدة وأعضاء الجهاز الهضمي، على تقليل الطعام، والتباعد بين وجبة الفطور ووجبة السحور، هاتان الوجبتان الأساسيتان في الصيام، لترتاح المعدة، والأجهزة الهضمية كلها.. مما كان يرهقها في بقية أيام السنة.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله الكريم: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة: فثلث لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه» أخرجه الترمذي عن المقدام بن معدي كرب (جامع الأصول 7:410).
ذلك أنه معروف عند الأطباء، في وصفاتهم وتشخيصهم، أن للصيام أثراً في علاج كثير من الأمراض، سواء عند الأطباء قديماً من عهد الإغريق واليونان، أو عند العرب في وصفاتهم وبحكم تجاربهم.
أو في الطب الحديث، حيث يحدد للمريض نوع من الطعام، أو أوقات محددة شبيهة بمواعيد الفطور والسحور عند الصائمين.. ويحدد له مدة، على هذه الوصفات، بقدر ما يراه الطبيب للحالة التي شخَّصها في الجهاز الهضمي عند المريض.ويتم مثل هذا العلاج في حالات معينة، كالتهاب المريء، وأوجاع المعدة عندما تصاب بعسر في الهضم، أو ما يسمّيه الأطباء تلبُّك الطعام، أو قرحة المعدة، أو عندما تصاب الكبد ببعض الأمراض التي تنوعت مسمياتها، أو في بعض اصابات الاثني عشر.. وغير ذلك من حالات يرى فيها الطبيب أهمية المحافظة على الأجهزة على الجسم البشري عن الطعام، فيكون الصوم هو العلاج، الذي يؤجر عليه المسلم، ويحصل منه النفع الصحي، والمصلحة البدنية، أما غير المسلم فلئن صام، فإنما يطلب علاجاً لأن صحة قبول الصوم منتفية بعدم الدخول في الاسلام، والله لا يقبل من البشر ديناً سواه «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» (آل عمران 85).
ويأتي من فوائد الصوم: أنه يخلِّص المعامل الكبدية من نفايات الأغذية والمدخرات من السكريات، ويخفف الترسبات والكلسترول من الأوردة والشرايين.للحديث صلة
إسلام ثقيف:
ذكر ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، عن موسى بن عقبة قال: إن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلاً، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنزلهم عليه الصلاة والسلام المسجد، ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربَّة «وهي صنم كانوا يعبدونه» ما هو صانع بها، وعن الربا والزنى والخمر، فحرَّم عليهم ذلك كله، والربّة قال: «اهدموها». قالوا: هيهات، لو تعلم الربّة أنك تريد أن تهدمها، قتلت أهلها، قال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد ياليل وهو كبيرهم، ما أجهلك، انما الربّة حجر، فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، ثم قالوا: يا رسول الله تولَّ أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبداً، فقال: «سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها» فكاتبوه على ذلك، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاؤوا قومهم تلقوهم وسألوهم، ما وراءكم؟ فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاؤوا من عند رجل فظ غليظ، قد ظهر بالسيف، يحكم ما يريد، وقد دوَّخ العرب، قد حرّم الربا والزنى والخمر، وأمر بهدم الربّة، فنفرت ثقيف، وقالوا: لا نطيع لهذا أبداً، فتأهبوا للقتال، وأعدُّوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين، أو ثلاثة، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرحبوا وأنابوا وقالوا: ارجعوا إليه، فشارطوه على ذلك، وصالحوه عليه، قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم، وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في فعلنا ذلك، ومسيرنا اليه، وفيما قاضيناه: فافهموا القضية، وأقبلوا عافية الله، وقالوا: فلمَ كتمتمونا هذا أولاً؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم، ومكثوا أياماً، ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمَّر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات وهي الربَّة، وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان، حتى خرج العوائق، وهن الفتيات أول إدراكهن من الجمال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة.فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين يعني المعول وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب الكرزين ثم سقط يركض برجله، فارتجَّ أهل الطائف بصيحة واحدة، وفرحوا وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربّة، وقالوا: لأولئك من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف، انما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله، وأعيدوه ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها، وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجراً حجراً، حتى سووها بالأرض وجعل سادنها يقول: ليغضبنَّ الأساس فليخسفنَّ بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها، فحضره حتى أخرجوا ترابها، وجمعوا ماءها وبناءها، وبُهتت عند ذلك ثقيف ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسم أموالها من يومه، وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه، ونصرة رسوله «البداية والنهاية 5:41».

أعلـىالصفحةرجوع

















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved