أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 7th December,2001 العدد:10662الطبعةالاولـي الجمعة 22 ,رمضان 1422

شرفات

شخصيات قلقة
جورج صاند «1804 ـ 1876م» وهم البحث عن فارس أحلام!
ورثت جورج صاند عن جدتها مزرعة وقصراً، وكعادة أي بنت في السابعة عشرة من عمرها داعبها حلم الزواج من شاب وسيم يشاركها حياتها الناعمة في هذا القصر بقرية نوهان. وعقب وفاة الجدة بعام واحد تعرفت على كازمير فارس الأحلام، فتزوجته وقضت معه عدة سنوات،أنجبت خلالها موريس وسولانج.
كانت تقضي أوقاتها في القراءة وركوب الخيل. وعندما يغيب كازمير في بعض الأسفار كانت لا تمل من كتابة الرسائل العاطفية إليه وتنتظر عودته في لهفة وشوق.. على هذا النحو قرأت مئات الكتب والقصائد والقصص وزادت نضجا وتفتحا، وكانت تبدو مثل طائر بري يعيش حريته في فضاء فسيح وراء حكايات الكتب.. وفجأة شعرت أنها طائر وحيد رغم وجود زوج وطفلين وحياة هادئة، وتساءلت: هل هذه هي السعادة؟ ثمة هوة تتسع شيئا فشيئا بينها وبين زوجها! وفي لحظة كاشفة أيقنت أن فارس الأحلام مجرد رجل عادي مشغول بكسب المال والعمل وحين تحدثه عن قصيدة تعجبها يلومها لأنها تجري وراء الخيال!
حاولت أن تلتقي معه في منتصف المسافة، تهتم قليلاً بالسياسة المحلية وحياته العملية، على أن يهتم هو قليلا بالثقافة والقراءة، وبالفعل أعارته كتاب الأفكار لباسكال لكن يبدو أن أفكار باسكال كانت تجلب النوم سريعاً! ومن جانبها رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فهي أكثر ذكاء من أن تخدع نفسها وتبقى حبيسة قفص الحياة الرتيبة.. وبهدوء وبعد تسع سنوات طلبت الطلاق بإصرار لكنه رفض.. وبعد مناوشات اتفقا على أن تترك له القصر والمزرعة وتغادر إلى باريس بحثا عن حياة أخرى على أن يرسل لها راتبا سنويا.
لم يخطر في بالها أن تحترف الكتابة، وكل سنواتها الماضية لا تؤهلها لشيء بعينه. قضت حياتها زوجة مطيعة ومستسلمة لزوج أناني متسلط، والآن تواجه الوحدة في مدينة مجهولة بالنسبة لها، وتبحث عن الحنان والدفء والعمل والأصدقاء.
كانت البداية حين تعرفت على أديب شاب يصغرها بسبع سنوات يدعى «جول صاندو» الذي أعجب بعينيها السوداوين وحيويتها وقوة شخصيتها، ورأت فيه ما افتقدته في زوجها: الثقافة ورهافة المشاعر، كان الارتباط الوثيق بينهما، فمعا بدءا يكتبان وينشران تحت اسم مستعار «ج.صاندو» ومعا يظهران في المقاهي والمنتديات. إلى أن كتبت روايتها الأولى «أنديانا» ونشرتها تحت اسم مستعار «جورج صاند» في تحريف واضح لاسم حبيبها، «جول صاندو».
تحمس الكثيرون لهذه الكاتبة المتمردة التي ترتدي بملابس الرجال وتحمل اسم رجل وترتاد المقاهي وتصاحب عباقرة العصر: فيكتور هوجو وبلزاك وليست ودى موسيه وفلوبير وشوبان وغيرهم.. ومع النجاح والشهرة والمال راحت الشائعات تطاردها في كل مكان، على حين اكتفت هي بالقول بأنها تعيش حياتها بأمانة وصدق مع نفسها، مطالبة بالمساواة التامة بالرجل، دون خضوع للغة الابتزاز في التعامل.
وأصيب جول صاندو بمرض الغيرة من نجاحها محاولا السيطرة عليها وهو لا يدري أنه بذلك يمس العصب العاري ويفجر شحنة التمرد بداخلها، وبقسوة النمرة رفضت أن تقدم له كشف حساب وطردته من حياتها نهائيا.
وعندما علمت أن الحبيب المسكين لم يتحمل الصدمة وحاول الانتحار لولا إنقاذه في اللحظة الاخيرة، لم تتعاطف مع ضعفه وادركت انه ليس الإنسان المثالي الذي يسد الفراغ الروحي الذي تشعر به وقالت انه خسرها وأنه أحب حبا سيئا ولم يدرك ان كبرياء النساء يحتقر الحبيب قليل الفطنة الذي يضحي بكبريائه من أجل الحب.
امرأة رائعة.. وحشية.. تمضي بقوة ولا تلتفت الى الوراء، لأنها لا تبكي ابدا على الخسارة.. تعمل بنشاط وتغلق على نفسها باب المكتب عشر ساعات يوميا، بمنتهى الدقة والنظام والعمق تواصل الكتابة وتعيش حالة استغناء عن الحب.
في تلك الفترة تعرفت جورج صاند على شاعر شاب يصغرها بست سنوات، هو الفريد دى موسيه، ورغم انها كانت تعيش في فراغ عاطفي كامل إلا انها ترددت كثيرا في الارتباط به. فهو فنان وعبقري لكنه ايضا فوضوي وعابث، وأفسدته النساء مبكرا في حين انها كانت امرأة عركتها الحياة وتبحث عن رجل حقيقي يملأ قلبها وحياتها وتثق به وتطمئن الى شخصيته. وشتان بين هذا الفارس المنتظر وبين هذا الفتى الغارق في الفوضى والذي لا يكف عن مطاردتها بأشعاره ورسائله.
كان مثل قنّاص ينسج شباكه على مهل ويدرك انه أمام امرأة وحيدة في نهاية الامر، وحتما سوف تستسلم لقصائده.. ووجدت نفسها تعيش حالة غير مسبوقة.. حالة حب حقيقي لم تشعر بها من قبل، وتختلط فيها مشاعر الامومة بمشاعر الانثى.. وفكرت انها لو ارتبطت به فربما استطاعت ان تقدم له شيئا يفتقده وقد تنجح في انقاذ حياته من الفوضى والفساد وتدمير الصحة.
على هذا الاساس اصبح (موسيه) الرجل الثالث في حياتها، ورغم انهما يشتركان في الموهبة ورهافة الحس لكن شتان ما بين الشخصيتين، هو ظل على كسله وخموله وإدمان السهر وهي نموذج للارادة والنظام وكتب موسيه عن هذا التباين الحاد بينهما.
تعامت باسم الحب عن اختلاف الطباع وسافرت مع حبيبها الى ايطاليا بحثا عن المتعة والثقافة والعمل، وحين أصيبت فجأة بحمى عنيفة فوجئت بشخصية موسيه الهشة الضعيفة فقد تصرف معها بنزق طفولي وكان يتركها تعاني المرض والوحدة قائلا لها بقسوة: «ان الفن هو التجديد والتغيير ولم يخلق الفنان ليكون عبدا لانسان» وفي نوبة تمرد اعلن لها ما يقره بداخله من مشاعر: (جورج صاند.. لقد خدعتك وخدعت نفسي، فأنا لا اشعر معك بأي نوع من الحب).
ما هذا الجنون؟ الرجل الذي احبته بكل ذرة في كيانها يخبرها وهي مريضة وتوشك على الموت بأنه لا يحبها على الاطلاق! وابتلعت الإهانة الكبرى حتى لا تدمر حياتها، بل اخذت موسيه ـ بعد شفائها ـ وذهبت للاقامة في مدينة البندقية الساحرة. لا تنتظر منه الكثير وانما هي الرغبة في الاستقرار وألا تواجه الحياة مرة اخرى بمفردها. وانغمست في العمل المتواصل وفرض اسلوبها على الحياة بينهما قدر الإمكان.
إنها تقاوم تعاسة دفينة حتى لا تنهار فجأة، وحين أصيب موسيه بالتيفود، كان بإمكانها ان ترد له الصاع صاعين وتتخلى عنه أو تعلن له ان آخر بذرة حب بينهما جفت وماتت، لكنها اختارت الموقف الأنبل ووقفت بجواره وسهرت على راحته كزوجة مخلصة. آنذاك تعرفت على الطبيب الإيطالي «باجللو» الذي أدرك بذكاء أن المرأة التي تجلس أمامه تعيسة ووحيدة وأن كل ما يربطها بهذا المريض مجرد نوع من الشفقة وأداء الواجب. وعلى الفور نصب شباكه حولها وقام بمحاولات لاتفتقر إلى الذكاء حتى يصل إلى قلبها الحزين.. وبالفعل بعد شفاء موسيه أخبرته بأنهما مختلفان تماما وأن الحياة بينهما لايمكن أن تستمر، ثم بدأت التفكير في عروض الطبيب باجللو.
كانت مشهورة وثرية وفي الثلاثين من عمرها حين وافقت على اختيار باجللو ـ الرجل الرابع ـ كي يسكن قلبها ويقاسمها الحياة. وبعد عدة شهور من العمل والاستمتاع بسماء ايطاليا الصافية، عادت جورج صاند إلى مدينة باريس تواجه الأقاويل مع حبيبها الإيطالي باجللو.
وفي باريس انقشعت الغشاوة سريعا عن الطبيب الشاب، وأدرك أن المرأة الغريبة التي تعرف عليها ذات مساء في البندقية تختلف تماما عن الكاتبة المرموقة في باريس. فهو طبيب وشخص عملي ولا علاقة له بتلك المنتديات والسهرات الفنية والثقافية، لذا سرعان ما انفصل عنها مستقلا بحياته في عاصمة النور.
رغم هذا الاضطراب العاطفي استمرت صاند في الكتابة بقوة ودأب وتركت ما يزيد على خمسين رواية، محتمية بالكلمة والإبداع من خطر الانهيار الروحي، ولم تفتح قلبها بعد ذلك إلا مرة واحدة، حين اختارت الموسيقار الشهير فردريك شوبان ـ الرجل الخامس ـ كعاشق أخير والذي كان يصغرها بست سنوات كأغلب عشاقها. وعاشت معه عدة سنوات مليئة بالدموع والألم والنشوة والفرح، ولم تتخل عنه رغم علمها بأنه مصاب بالدرن ورحلت معه إلى ربوع أوروبا. وكان شوبان شابا غريبا عن المجتمع الباريسي ، فهو بولندي يناضل ضد الاحتلال الروسي لوطنه بالموسيقى والألحان، وكان منطويا ورقيقا إلى حد ما على حين كانت صاند كعادتها ممتلئة بالحيوية والنضارة وقوة الشخصية والحضور الطاغي والحس الثوري المتمرد. لذا لم تستمر العلاقة بينهما أكثر من ست سنوات وبعدها قرر الطرفان ان ينفصلا، وما هي إلا سنوات قليلة ورحل شوبان دون الأربعين، وأيقنت جورج صاند أنها وصلت إلى مرحلة اليأس العاطفي الكامل، فعاشت أعوامها الثلاثين المتبقية وحيدة، مخلصة للكتابة ولا شيء آخر. وتخلت تماما عن حلمها القديم في البحث عن فارس أحلامها هنا وهناك.
شريف صالح

أعلـىالصفحةرجوع

















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved