Saturday 19th January,200210705العددالسبت 5 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

آفاق وأنفاق
على أكوار الجنادرية
د. محمد العيد الخطراوي

الكَوْر: بفتح الكاف، من معانيها الزيادة، قال في المعجم الوسيط، ومن ذلك قولهم: نعوذ بالله من الحَوْز بعد الكَوْر، أي من النقص بعد الزيادة، جمعه: أكوار.
ونحن إنما نتطلع في الجنادرية دوماً إلى الزيادة والاضافة والتنويع، وهو ما يحاول المشرفون عليها أن يحققوه.
والكُور: بضم الكاف، من معانيه الرحل بكل أدواته، وجمعه أيضاً أكوار، فإن أردت الكثرة قلت: كِيران.
ونحن في الجنادرية نشاهد سباق الهجن، ونرى الأقوام يرتحلون الابل كما كان يفعل الأجداد، ونتمنى أن نجرب ركوبها فلا تتوافر لنا، ومن هنا أسارع فأطرح اقتراحي بهذا الشأن، وهو أن توفر أعداد كافية من الابل المروّضة، والعاملين عليها لمواجهة أعداد الزائرين للجنادرية تحقق لهم هذه الرغبة وبخاصة الزائرون غير السعوديين.
ولقد غدت الجنادرية بحمد الله ملتقى اجتماعيا سنويا يُنتظر مقدمُه بشهور، ويودَّع في شهور، وموسما ثقافيا زاخرا بالعطاءات الشعبية والرسمية، فحين نلقاه أو يلقانا، تنفتح أمامنا كل أبواب التاريخ ونوافذ الماضي على مصاريعها، نلتحم بها ونتملاَّها، ونهتز لروعتها ، ونمتلىء بعبقها وشذاها، فلنا مع كل قطعة من التراث وقفة طويلة تعيدنا لماضي الآباء والأجداد، إذ إن كل أداة من تلك الأدوات تمثل وعاءً من أوعية حياتهم، ووسيلة من الوسائل التي كانوا يواجهون بها متطلبات البيئة، ويسدُّون بها حاجة أو يبلغون بها غاية، ويحققون رغبة، إنها بتعبير آخر تمثل وجوداً متميزاً خاصاً بهم، يمكننا أن نستوحي منه علاقتهم بالكون والحياة، ومن خلاله نستطيع أن نستكشف مستوياتهم المعرفية، ومنسوبهم الحضاري، الذي ينمُّ عن تفكير ناضج، وفكر مستنير أصيل، يعطينا نحن الخلَف، الثقة في أنفسنا، ويحفزنا الى أن نكون خير خَلَف لخير سلَف. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نحمد الله أن كنا على موعد مع هذا العهد الزاهر الذي نعيشه، ونتفيأ ظلاله، حيث نحيا في رغد ويسر، وهناء ورخاء، يزيِّن أزمنتنا وأمكنتنا، ويرفع من شأننا بين الأمم، ويربط بين ماضينا المجيد، وحاضرنا العتيد، الزاهي بقادته الغُرّ الميامين من آل سعود، الذين قامت دولتهم أول ما قامت على الفكر والثقافة والدين بجانب القوة الرادعة والصارم المسلول والدرع المصون، فلما قويت شوكتهم، واشتدَّ عودهم، وشبُّوا عن الطوق، لم يتنكروا لأساسٍ قامت دولتهم عليه، ولم يقلبوا له ظهر المجن، على اعتبار أنه كان مجرد وسيلة لمرحلة عبروها، وتاريخ تجاوزوه، بل ظلُّوا أوفياء للدين والثقافة، يرعَون المؤسسات التي ترعاهما، ويشرفون عليها، ويمدُّون لها يد العون، ويقيمون لها المواسم إثر المواسم، بل يتلمسُّون لذلك المناسبات ويختلقونها لها اختلاقاً ليجعلوا البلاد تعيش على مدى العام أعراسا ثقافية دائمة متواصلة، فنحن بحمد الله ننطلق من فجر ثقافي إلى فجر ثقافي آخر، ونمضي من مناسبة دينية الى مناسبة أدبية، إلى لقاءات علمية، وأخرى اجتماعية إنشائية طوال العام، سواء على مستوى الدولة أم في أبهاء الجامعات أم في رحاب الأندية الادبية أم في داخل ردهات المؤسسات الأخرى، وقد لا يكون في ذلك غرابة، إذ من شأن تلك الجهات أن تحتفي بالفكر والعلم والثقافة، لكن الغريب بحق، والمثير للدهشة أن تتم مثل هذه الانجازات تحت عباءة جهة عسكرية كالحرس الوطني، وعبر مؤسساته الضخمة، وصالاته الفارهة، وتحت مظلة ألويته الرفرافة، وبنوده الشامخة، حقاً إنها لسابقة تاريخية رائعة أن يجتمع السيف والقلم، وتلتقي زغاريد البندقية والدبابة والمدفع بقصائد الشعر، وإيقاعات المسرحية، وبيارق القصة، وأن تتعانق مداخن الأسلحة القاذفة، والمدمرات الحاذفة مع مباخر العرضات السعودية، والأهازيج الوطنية، وتختلط بألوان المعارض التشكيلية، وأصداء الفنون الشعبية، والموروثات التراثية. إن قادة قلة في التاريخ هم الذين جمع الله لهم بين السيف والقلم منهم أبو فراس الحمداني في المشرق، وسليمان الباروني في المغرب، وها نحن مع أبي متعب رئيس الحرس الوطني سيدي ولي العهد المعظم. صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله في الجزيرة العربية وقلبها النابض برياض الحب، والرياض الوطن.
قف قف


لا تعجبوا ضربي له مَنْ دونَه
مثلاً شروداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلَّ لنوره
مثلاً من المشكاة والنبراس

فهو بحق رب السيف والقلم، وما أجمل أن أرى اسمه الكريم مقترنا بهذا اللقب الذي لم يكن لينطبق الا على سموه الكريم. إنني إذ أقول هذا، أحب أن أعبر عن مشاعر كثير من الناس، من أبناء هذا الشعب الوفي، الذي يكنُّ لقادته جميعا أسمى مشاعر الود والمحبة، ويحس معي أن من واجبنا عليهم ان يسمحوا لنا بأن نخترق حواجز تواضعهم الذي عودونا عليه، فنعلن عن حبنا لهم، وتعلُّقنا بهم، وتقديرنا للجهود التي يبذلونها من أجل الوطن والمواطنين ولا شك أن خير ما يقدمونه للوطن هو هذه الحركات الثقافية المباشرة وغير المباشرة، في الجنادرية وغيرها من المواطن والمناسبات، غير أن للجنادرية طعما آخر ونسقا مختلفا، وكأني بها تقوم بفهرسة حياتنا الثقافية طوال العام، وتوجهنا الى المسارات الصحيحة الراشدة، فهي تصلنا بالمثقفين من داخل المملكة وخارجها، وهي تصل الأبناء والأحفاد بالآباء والأجداد، وهي تهيىء لنا المحاضرات والندوات الاسلامية، وهي تفتح لنا آفاق الشعر والقصة والمسرحية، وهي تبني بيننا وبين الفنون الشعبية، والفنون التشكيلية والمعمار القديم، جسورا لا تنقطع، وهي تهيئنا لمعالجة القضايا الفكرية بالحوار والجدل الحضاري الهادىء البنَّاء، وهي تضعنا أمام مسؤولياتنا الفكرية والثقافية وجهاً لوجه، وتنظر ما نحن فاعلون. إن بيئتنا الثقافية برغم ازدهارها النسبي، لا تزال في حاجة الى ما يهزها بعنف، ويحرك شجرتها لتعطي ثمراً أفضل ونتاجاً أجمل وأروع، وإذا نظرنا الى الجنادرية كمحراك ثقافي من هذه الزاوية، فسوف نجدها محراكاً حميما لبناء يرتقي بنا، ويقطع بنا أشواطا طويلة طول أشواط سباق الهجن، مترفقاً بنا وودوداً، دون أن يشعرنا بالنقص، ودونما قسوة أو ضيق. إن الجنادرية تحاول في كل عام ان تضيف الجديد، فهل لنا ان نطمع في إنشاء فروع للقاء الجنادرية في المناطق الرئيسة للحرس الوطني، كالمنطقة الغربية والشرقية والشمالية والجنوبية، تنفذ الدرس وتعمق الفكرة، وتسهم في نشر الوعي والثقافة. جنادرية مصغرة في حدود المنطقة، تؤازر مع الجنادرية الأم، وتزودها بالغراس؟

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved