لا شك ولا جدال أن الحرية الشخصية المسؤولة بالنسبة لبرنامج السائح هي تعتبر له كالهواء النقي الذي ينعش القلب وينقي مسام الرئة ويبعث الحيوية والانشراح في نفسه ويساعده على الانطلاق والحركة فمتى وجد السائح الواعي أنه رقيب نفسه ومسؤول عن اختيار وتحديد برنامجه السياحي المنشود وفق ارادته ورغبته، مع أخذه بعين الاعتبار والأهمية أن هذا البرنامج لا يؤذي الآخرين ولا يشوشر على المحيط الذي يعيش فيه.. من هذا المنطلق نحكم على نجاح السياحة ونتفاءل لها بمزيد النمو والازدهار في أي مكان.. أما اذا وجد السائح أو المصطاف أن العيون ترمقه بنظرة الحذر والشك والترقب وتتطفل على خصوصياته البريئة وتفرمل حركاته وتحصي عليه أنفاسه وتدخل بتحديد مساره، وخاصة اذا كانت عائلته وأطفاله معه، فيجد أن بعض المرافق السياحية والترفيهية لا يستطيع صحبة عائلته داخلها وأنه سيجد نفسه مشتتاً رغم إرادته فأطفاله في مكان وزوجته وخادمته في مكان وليس أمامه سوى أن يهيم على وجهه فيتسرب إلى بعض المقاهي أو يدفن رأسه في كتاب أو جريدة، وتزداد حيرته عندما يجد كل هذه المفارقات الخاطئة في التنظيم تأتي من قبل محيطه السياحي أو الترفيهي القريب مثلاً وقد جاءت لأسباب تافهة ومفارقات عقيمة وتأويلات ساذجة تضللها الشكوك والوساوس وبالتأكيد سيكون ضررها أضعاف أضعاف فوائدها إن وجدت. ومن هنا فإننا ننادي دائماً ونطالب ونؤكد بأن السياحة الناجحة المزدهرة المفيدة هي التي تجمّع ولا تفرّق توحّد ولا تشتّت تعمّق روابط الأسرة مع بعضها كبيرها مع صغيرها. وقد كنا في هذا الوطن المعطاء وحتى وقت ليس بالبعيد نعتب ونتألم عندما نجد هذه الجموع الغفيرة التي تشد الرحال مع أفراد أسرها شرقا وغرباً في أيام الاجازات الطويلة والقصيرة ومناسبات الأعياد بغية السياحة والاصطياف في أقطار الأرض فتريق الأموال الطائلة هناك وتعود خالية الوفاض، وكان عذرهم الوحيد في السياحة الخارجية أن السياحة مع مضاعفاتها وتبعاتها إلا أنها تجمعهم في برنامج موحد يذهبون إلى المنتجعات والمراكز الترفيهية سوياً دون أن يجدوا من يفرزهم ويشتت جمعهم في أماكن مختلفة فيكون الأب محروماً من رفقة أبنائه وبناته والأم لا تجد السعادة وهي ترى أبناءها وهم لم يتجاوزوا الثانية عشرة من أعمارهم لا يسمح لهم بصحبتها في المراكز الترفيهية. وحتى لا نشط بعيداً ونتهم بالمبالغة فقد رأيت بأم عيني وأمام الباب الرئيسي لحديقة الحيوانات في احدى المدن الرئيسة الكبرى رأيت الأب لا يسمح له بالدخول برفقة زوجته وأولاده وحتى الأبناء الصغار ممن يتجاوز طوله متراً بقليل لا يسمح له بالدخول مع والدته حتى ولو لم يصل إلى مرحلة البلوغ المبكر فتجد العائلة بهذه الحالة في موقف لا تحسد عليه الابن الصغير يقفل راجعاً للمنزل لصحبة أفلام الكرتون التي تدمي عينيه وتشوشر على تفكيره والأب يعيش حالة الترقب والمتابعة بين هذا وذاك، وهذا الموقف يتكرر في جميع المراكز الترفيهية حتى لو كتب عليها «للعوائل» فالعوائل يقصد بها الزوجة والخادمة دون الأب والأبناء، ولكن دوام الحال من المحال فالسياحة الداخلية في بلادنا وجدت حقاً من يرعاها حق رعايتها ويقوم ويعدل مسارها من الخارج إلى الداخل شيئاً فشيئاً، وما كان ذلك ليتحقق لولا تلك العقول الحية النابضة بالوطنية التي تملك الارادة القوية وحصافة الرأي وبعد النظر، ففي منطقة عسير ذات الطبيعة الخلابة على سبيل المثال وفقت إلى أمير جليل صاحب نظرة بعيدة فيما يخدم مصلحة الوطن والنهوض بالسياحة الداخلية جاء لهذه المنطقة الجميلة الرائعة وكله عزيمة ووطنية صادقة وبزمن قياسي حقق الكثير من الطموحات مما عدل من كفة السياحة الداخلية، وكانت أبها عند أول زيارة لي حينما ذهبت إليها مشرفاً على الامتحانات النهائية عام 1385 عبارة عن أحياء متفرقة تتخللها الأشجار المثمرة ومجاري السيول والقلاع في حي البحار، ولكن سكانها شيباً وشباناً وشهادة للتاريخ كانوا يتلقفون القادم بالترحيب والكرم الحاتمي الأصيل، وفي سنواتنا الأخيرة فإن السائح والمصطاف يصاب بالدهشة عند زيارته لربوع هذه المنطقة حيث النهضة العارمة في جميع المجالات تضاف إلى الطبيعة الساحرة والجمال الأخاذ والتخطيط البديع،
ولا أغالي إذا قلت انك وأنت تمضي احدى الأمسيات أو ساعات الغروب مع عائلتك في احدى الحدائق الجميلة المرتفعة الواقعة على الحزام الدائري لمدينة أبها أو التي تطل على بحيرة السد فتتخيل نفسك وكأنك في (جنيف) أو في (فيينا) وأمثالها مع الاحتفاظ بخصوصيات بلادنا الطاهرة، وتواصلاً مع حديثنا عن السياحة في بلادنا بين الواقع والمأمول يجب أن نحث الخطى ونزيل العوائق ونوفر الامكانات المادية والمعنوية التي تصب في خدمة السياحة وتطوير مشاريعها حتى نوقف أو نحد على الأقل من التهافت الرهيب المتواصل على السياحة الخارجية على مدار العام الذي يجر معه النزيف المادي المتدفق الذي يستهدف اقتصادنا الوطني اضافة إلى ما تقوم به العمالة الوافدة في الكفة الأخرى من استنزاف اقتصادنا المستهدف ولحديثنا عن السياحة الداخلية اضافات وهوامش سنتطرق لها في حديث قادم والله ولي التوفيق.
|