Saturday 19th January,200210705العددالسبت 5 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

مناهجنا التعليمية والإرهاب
د. سليمان بن عبدالرحمن العنقري

الحملة الظالمة التي يشنها الإعلام الأمريكي بصفة خاصة والإعلام الغربي بصفة عامة على المملكة العربية السعودية ليست وليدة الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية يوم الثلاثاء 23/6/1422ه وإن كانت بعد هذه الأحداث أخذت منعطفاً جديداً أكثر حدة وشراسة من ذي قبل، وما ذلك إلا لأن المملكة لها مواقف ثابتة من قضايا المسلمين في كل بقاع المعمورة، وفي مقدمة ذلك مواقفها من قضية فلسطين قضية المسلمين الأولى ومطالبتها الولايات المتحدة الأمريكية بإعطاء الفلسطينيين حقهم، وكذلك مواقفها من مفهوم الإرهاب وعدم انتقائية ذلك الداء وتلبيس المسلمين فقط به وتبرئة الصهاينة ومن شايعهم منه ولذلك جاءت الحملة الشرسة الظالمة على المملكة بصفة عامة وتركيزها على التعليم بصفة خاصة والذي هو موضع حديثنا حيث شن اللوبي اليهودي في «أمريكا» من كتاب وبعض أعضاء الكونجرس الأمريكي حملة منظمة ضد المملكة وعلى مناهجها التعليمية وبالذات المواد الدينية منها.
لقد ذكرتنا الكتابات التي شن من خلالها كتابها تلك الحملة الشعواء على المملكة والتعاليم الإسلامية في كبريات الصحف الأمريكية بما كان طرحه الكاتب الأمريكي (صامويل هنتجتون) بكتابه الذي عرف عند الناس بصراع الحضارات وتأكيده على أن المستقبل سوف يشهد صراعاً بين الإسلام والمسيحية.. ولي ملاحظة هنا على ترجمة اسم هذا الكتاب إذ إن الواقع أن الكلمة الأساس في عنوان الكتاب وفي أطروحته هي كلمة (Clash) وهي لا تعني الصراع، فالصراع هي كلمة (Confict) أما كلمة (Clash) فتعني (صدام) والمقصود هنا صدام الحضارات، ولذلك فإن ما عناه هنتجتون في كتابه هو (الصدام) وليس (الصراع) فهو يستقرئ صداما في القرن 21 بين الحضارات والثقافات العالمية الأساسية المعروفة.
على أي حال نعود إلى موضوعنا الأساسي، وهو تلك الحملة الحاقدة على مناهجنا التعليمية ووصفها من قبل الصحف الأمريكية زوراً وبهتاناً بأنها ولاسيما الدينية منها تنشر العنف والارهاب والتعصب والكره للغرب وعللت ذلك بأنها مناهج ترفض الحضارة الغربية وتحارب المسيحية واليهودية.
إن هذه المقالات في المقابل لا تتحدث عن التوجهات الإعلامية الأمريكية التي تحرض على كراهية ومحاربة الإسلام والمسلمين والمملكة ولا عن المدارس الدينية في اسرائيل التي تحشو أدمغة تلاميذها بكراهية الإسلام والمسلمين، بل إنها أيضاً لم تتحدث ولن تتحدث عمن يرفض الحضارة الغربية والحكومة الفدرالية الأمريكية من داخل أمريكا ويرى أنه يجب التخلص منها بقوة السلاح، وهؤلاء موجودون داخل المجتمع الأمريكي، فالأحزاب اليمينية الأمريكية وآلاف المنظمات التي لديها أسلحة وجيوش منظمة وأعمالها ليست سراً بل يحميها القانون الأمريكي، بل إن هناك منظمات يهودية تعمل ليل نهار على تدمير أمريكا ولا يستطيع أحد أن ينتقدها، ثم إن هناك مثالاً آخر لتجمعات دينية متطرفة تعيش داخل المجتمع الأمريكي نفسه وينتشر أفرادها في بعض الولايات الامريكية يرفضون معطيات العصر مثل الطائرات والقطارات والسيارات، لذلك فهم ينتقلون بواسطة الخيول كما أنهم يرفضون المستشفيات والكهرباء، بل يرفضون التعليم في المدارس الأمريكية وينشئون أبناءهم على نبذ الحضارة الغربية، ومع ذلك لم نسمع من ينتقدهم أو يطالب بتغيير ثقافتهم ومناهج حياتهم ذلك لأن القانون الأمريكي ضمن حقوقهم وكفل لهم حرية التعبير والحياة التي يريدونها وأي نقد لهم يقع تحت طائلة المساءلة لأنه نقد واعتداء على القانون الأمريكي فهل بعد ذلك من ازدواجية والكيل بأكثر من مكيال. إن العلاقة بين الدين والدولة في أمريكا لا تزال قوية ولا يزال المد الديني ينمو ويتأصل، ومن المعلوم أن الإيمان بكتاب أفضل من الإلحاد، وهذا الانعطاف نحو الديانة النصرانية امتد إلى الحياة السياسية لذلك نجد الرؤساء الأمريكان يحثون على التمسك بالدين، فالرئيس الأمريكي الأسبق كارتر يقول: إن الدين يلعب دوراً حاسماً في الحياة السياسية لأمريكا والرئيس الحالي لأمريكا بوش يقول: (لن يدخل الجنة من لم يؤمن بالمسيح) ولذلك أسست كثير من الجامعات الأمريكية على أسس دينية كما نشأت مؤسسات تعليمية دينية كثيرة حتى وصل عدد المدارس الدينية إلى 20 ألف مدرسة.
وفي إسرائيل التعليم يقوم هناك أساسا على التعاليم اليهودية المتعصبة، ومن مدارسهم تخرج غلاة الصهاينة الذين احترفوا الإرهاب بأبشع صوره، فهل يجرؤ أحد أن يدعو إلى تغيير المناهج الدينية في أمريكا أو إسرائيل، أم أن المطلوب فقط من المسلمين فعل ذلك وحدهم وهجر دينهم ومصادرة هويتهم.
إن هذه الحملة المسعورة التي شنت على الإسلام والمسلمين وتعاليم ديننا الحنيف وتعاليمنا الشرعية وإلصاق الإرهاب بالإسلام وتعاليمه الشرعية أمر مردود عليهم، ذلك أن جل الأسماء التي وردت على لائحة منفذي التفجيرات في نيويورك وواشنطن (بغض النظر عن صحة تلك التهم من عدمها) ليسوا خريجي كليات شرعية سواء في المملكة أو أي بلد آخر بل إن رؤساءهم خريجو كليات طب وهندسة فهل يصح القول بوجوب إغلاق كليات الطب والهندسة لأن هؤلاء درسوا فيها وتخرجوا منها.. إن هناك مئات بل آلاف المنصرين الذين يجوبون العالم وبصفة خاصة أفريقيا وآسيا حيث يتواجد المسلمون هناك ويستغلون فقرهم لتنصيرهم وتمدهم أمريكا وبريطانيا وغيرهما من دول الغرب بكافة المساعدات المالية. فماذا يمكن أن يطلق على ذلك؟
إنها حملة ظالمة ليس لها ما يبررها، وهي في الأساس لا تعتمد على أحكام عملية ذلك أن ديننا هو دين التسامح واللطف والرفق (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) كما أن ديننا يدعونا إلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة). إن مسألة إقصاء الدين أمر مرفوض جملة وتفصيلا وليعلم أنه لا يستطيع أحد أن يقصي أحداً عن دينه، كذلك لا يستطيع أحد أن يقصي مناهج الدراسة عن الدين الذي هو السلوك والحياة. ذلك أن الدين الإسلامي دين تسامح وتعايش والخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر للكتابي بزكاة من بيت المال والإسلام أباح للمسلم الزواج من الكتابية حتى ولو أصرت على البقاء على دينها، ولو أن الإسلام يصل في كرهه لأهل الكتاب حسبما نسمعه ونقرؤه الآن لحرم مثل هذا الارتباط الذي هو أساس بناء المجتمع.
لقد أعربت المملكة عن رفضها لما يلصق بها وبالإسلام من اتهامات باطلة تربط بين المناهج التعليمية الدراسية في المملكة وبين الإرهاب، وأبدت أسفها لما تردده بعض الأصوات من أكاذيب بأن التعليم الديني في المملكة سبب في توليد الإرهاب.
لقد مرت عشرات السنين ومئات الآلاف من السعوديين اختاروا الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا لتدريس أبنائهم، فهل هذا دليل كراهية إضافة إلى مئات الآلاف من السياح السعوديين الذين يؤمون أمريكا وأوروبا سنوياً خلال العقود الماضية فهل سمعنا عن أعمال إرهابية ارتكبها هؤلاء. إن ما نسمعه ونقرؤه الآن عن طريق الإعلام قد يكون تمهيداً لعمل أكبر لا نخشاه، ولكننا نفضل دفعه عن بلادنا فنحن نفخر بالإسلام ونؤمن بأن فيه الرحمة للعالمين والله المستعان.

للتواصل:
ص. ب 56165 الرياض 11554

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved