لا يتسنى للمرء أحيانا أن يكبح جماح خواطره الجياشة تجاه واقع يعايشه ويتفاعل معه بحكم إقامته في بلاد الحرمين الشريفين مهبط الوحي وطيبة الطيبة وتمتد إقامتي بالمملكة العربية السعودية منذ العام 1983م بصفة شبه متواصلة وتناولت في مقالات سابقة بعضا من خواطري تلك عبر الصحف السعودية والسودانية.
ان السعودية هذه البقعة المباركة التي حباها الله بالخير وأجزل عليها أسباب الرفاهية قد أنعم عليها منذ سخر لها المؤسس الأول والباني الملك عبد العزيز طيب الله ثراه لتوحيدها ثم دأب من بعده أبناؤه الأشاوس على إعلاء راية التوحيد خفاقة على نهجه ووفقا لهدي الشريعة السمحة وبذلك العمل البطولي الجليل خلد الملك عبد العزيز رحمه الله بأحرف من نور في ذاكرة التاريخ ومستودع الشعوب فنام قرير العين هنيئا ثم تواصلت مسيرة الخير لترسيخ دور المملكة القيادي ريادة على كل الأصعدة إسلامية وعربية واقليمية ودولية وفي غمرة هذا التدافع التنموي والحضاري والمهمة الرسالية الجسيمة أطل عليها عهد الفهد الميمون رائد التجديد في عهد الطفرة والبناء والعطاء الحقيقي ذلك العهد الذي ظلل فضاءات المملكة منذ عشرين عاما مضت بالتفاني تميزا في كل مجالات التطور باعتماد سياسة خارجية وعلاقات دولية متوازنة بتبني الروية والتأني والتواضع تعاملا مع الآخرين دون الاقحام في خصوصياتهم إلا إصلاحا لذات بين أو درءاً لخصومة أو مفسدة تمسكا بالحق وبالعقيدة العصماء التي لن يحيدوا عنها قيد أنملة كابرا عن كابر منذ أن تأسست دولة الخير وقادتها على علم ودراية تامة بأن صراع الخير والشر على وجه الأرض أزلي وتمسكهم بسبل الخير ترجمة لموروث أصيل سعيا لبناء مجتمع الفضيلة في عالم أصبحت صحفه طائعة بين أيدي بني البشر عبر الانترنت.
بلغت الطفرة الهائلة غايتها التنموية في عهد خادم الحرمين الشريفين بارساء دعائم الدولة العصرية حيث تم تشييد بنياتها الهامة واكتملت مرافقها في شتى مناحيها التعليمية والصحية والصناعية والتجارية والاجتماعية والرياضية والثقافية والدفاعية والأمنية حتى غمر حفظه الله وحكومته الرشيدة بعطائه الدافق مرافق الخدمة المساندة تأمينا لراحة المواطن اينما وجد على أرض المملكة فقد ظل المواطن هو محور اهتمام خادم الحرمين الشريفين رعاه الله ومحط اهتمامه باعتباره عصب التنمية لبناء دولة حديثة فكانت المراسيم الملكية التي اعتمدت حزمة من القرارات الصائبة التي صبت مباشرة في بوتقة تنمية الموارد البشرية تأهيلا وتدريبا وصقلا ورعاية للمواهب محليا وخارجيا نهوضا بالدولة الموعودة بسواعد وعقول متسلحة بالمعرفة والمؤهلات اللازمة.
عزيزي القارئ الكريم: تنتظم أرجاء المملكة بمدنها وحضرها وبواديها وقراها وهجرها شبكة من الطرق القومية والمحلية تربطها الجسور حتى وصل امتدادها إلى 46 ألف كيلو متر كرقم قياسي عالمي عنوانا لتطور المملكة العربية السعودية، وقد كان مسك ختام انجازات الملك فهد حفظه الله هو تبنيه لأضخم توسعة تشهدها المشاعر المقدسة والحرمان الشريفان على مر التاريخ حتى اختار الملك فهد رعاه الله قناعة وطواعية لقب خادم الحرمين الشريفين تفانيا في خدمة ضيوف الرحمن حجاج البيت العتيق والمعتمرين والزائرين من قاصديها.
ربما يتبادر لذهن القارئ العزيز أن التنمية والحداثة العصرية التي طالت هذه البلاد الطيبة تقتصر على العاصمة والمدن والمراكز والمحافظات ولكني عايشت تجربة شخصية كشاهد عيان عندما حللت فجأة ودون سابق ترتيب ضيفا على منطقة (شظى) بللحمر القروية على بعد مائة كيلو متر جنوب محافظة (أبها) عروس امارة عسير المدللة التي تنعم تحت قيادة صاحب القريحة المتدفقة والشاعر الأديب سمو الأمير خالد الفيصل أدام الله عزه ومنطقة (شظى بللحمر) تشكل آخر نقطة لقبائل بللحمر التي تمتد من (أبها) حتى (بللسمر) في الطريق العام الممتد جنوبا مرورا ب(تنومة والنماص حتى الطائف) تتميز هذه المنطقة بتضاريس صخرية بين تخوم الجبال الشاهقة حيث تنتشر الأحياء التابعة (لشظي بللحمر) مثال (آل مبارك حومان المرائع ذات يومين) وتتواصل أحياء (آل خثيم ذبوب المظفاه الدرس آل مسلم) التابعة لمنطقة (بللسمر).
توارث سكان تلك القرى عن أجدادهم حياة ضربت بجذورها في عمق البساطة والطيبة والعفوية الريفية المحببة للنفس واحترفوا الزراعة التقليدية والرعي منذ قديم الزمان وقد أوجدتهم ظروف الحياة في قمم وسفوح الجبال ومنحدراتها السحيقة تلك الوديان العميقة المحيطة بها وأصبحت حياتهم كفاحا وملاحم تروي قصة صراع الإنسان والطبيعة عندما قهروا الطبيعة بتجميع طاقاتهم وشحذ الهمم بالفزعة (أو النفير) الذي كان متبعا سابقا لانجاز الأعمال اليدوية الشاقة في غياب الآليات الحديثة وصحبتهم آنذاك أهازيج الفزعة الجماعية الحماسية الشهيرة (ساعدني الله يساعدك عاوني الله يعاونك) فأقاموا السدود الصخرية لصنع الأحواض الزراعية في شكل زراعة المدرجات المعروفة حتي أحالوا كل الأراضي المحيطة بالجبال الشاهقة إلى رقعة زراعية فتجسدت أروع صور التكافل الاجتماعي في ربوعهم التي تفيض بخصال الكرم والسخاء وهم يشكلون مثالا لنسيج اجتماعي يزداد ترابطا على مر الأيام بفضل تواصلهم الدائم وهم يعضون بالنواجذ تفاخرا على أراضيهم الزراعية المتواضعة جاهدين لتوسعتها والمحافظة عليها جيلا بعد جيل اعتمادا على الله سبحانه وتعالى في زراعتها موسميا بمياه الأمطار.
ذهلت تماما عندما شهدت شخصيا ما تقدمه حكومة خادم الحرمين الشريفين من تسهيلات زراعية في بقاع نائية كهذه من الريف السعودي الممتد مثالا حيث انحازت هذه الحكومة الرشيدة لهموم المواطن في مسقط رأسه جاهدة في تحقيق راحته واستقراره بتسليف المزارعين لتمويل الآليات الزراعية كالجرارات وملحقاتها بقيمة اسمية وأقساط في متناول الجميع عن طريق البنك الزراعي هذا الصرح الخدمي الذي يضطلع بدور اقتصادي زراعي في غاية الأهمية دعما للزراعة وتطويرها ورعايتها بقروض طويلة الأجل أو قصيرة أو متوسطة تتناسب مع إمكانيات كل شرائح المزارعين لتأمين المدخلات الزراعية والأسمدة والمحسنات والمعينات وخلافها، كما خصصت الحكومة السعودية أعزها الله في بادرة طيبة أراضي زراعية مجانية للقادرين على الانتاج تحفيزا لهذا المجال حتى حققت المملكة الاكتفاء الذاتي من القمح وقهرت بذلك ظروف البلاد الجغرافية المتمثلة في طبيعة المملكة الصحراوية وشح المياه.
قامت حكومة خادم الحرمين الشريفين بشق الطرق الأسفلتية عبر سلاسل جبال (شظى بللحمر) وما جاورها وغطت كل القمم والمنحدرات حتى ربطت بين القرى والأحياء وترتبط جميعها بالطريق العام ثم تفرعت منها مسارات ترابية معبدة لكل مساكن المواطنين حتى غطت المواقع الزراعية والرعوية أيضا وبدت للعيان وكأنها خطوط كنتورية بديعة الأشكال.
ثم تفضلت حكومة خادم الحرمين الشريفين بتسيير شاحنات المياه المحلاة (شريان الحياة) لمساكنهم مجانا هبة منها للمواطن ورغم ما تتكبده الدولة من مشقة التحلية والترحيل إلا أن الشاحنات تجوب مساكن المواطنين في تلك المنطقة لتزويدها بالمياه في خزاناتها (وتنوك) المياه المعدة لأغراض الشرب والغرس وكافة استعمالاتهم كما تكفي المياه حاجة أغنامهم التي يحرصون على تربيتها أيضا. كما بادرت الدولة بتوفير التيار الكهربائي لتلك القرى تبدو كشافاتهم التي تعلو الفلل والأدوار التي يقيمون بها الآن وقد انتقلوا إليها مع عهد الخير من دورهم الشعبية السابقة التي تحكي مجد الأجداد وكأنها حبات لؤلؤ تتوهج ليلا فتبدد ظلمة الجبال وتتوارى خجلا مع إشراقة الشمس صباحا، كما وفرت الدولة لهم الخدمة الهاتفية وخدمة الهاتف الجوال والهواتف العمومية في طريقها إلى كل مسكن قريبا بإذن الله وتتمتع القرى بتلك المناطق بالتعليم الأساسي وتسهم حكومة خادم الحرمين الشريفين ماديا في ترحيل الطلاب والطالبات من مواقع سكنهم إلى مدارسهم تخفيفا على أولياء أمورهم، كما تتوفر وحدة صحية للرعاية الأولية في كل تلك القرى وتتردد سيارات صحة البيئة التابعة للبلدية أسبوعيا على كل مساكنهم لسحب النفايات من الحاويات المخصصة المعدة لهذا الغرض كما أن الارسال التلفزيوني يغطي تلك المناطق والبث عبر القناة الثانية في طريقه ليعم تلك المناطق، وتنتشر دور العبادة في قرى وأحياء (شظى بللحمر) وتعانق مآذنها الأنيقة عنان السماء.
وفي استراتيجية تؤكد بعد نظر حكومة خادم الحرمين الشريفين في أرياف المملكة، سعت الدولة لتوظيف كوادر هذه القرى بمرافق الدولة المجاورة في (بللسمر وتنومة والنماص وأبها وخميس مشيط بالمجمعات القروية وفروع المصالح والدواوين الحكومية والأمن والشرطة وهيئة الأمر بالمعروف. وسياسة توظيف كوادر القرى والأرياف بمراكزها القريبة لسهولة انتقالهم لمواقع عملهم تؤكد بلا شك ان حكومة خادم الحرمين الشريفين أيدها الله قد أوفت المواطن مكتسباته وتسعى لإكمالها حتى لا يضطر للهجرة هربا للمدن التي اكتظت وضاقت بما رحبت وهذا نهج من شأنه حفظ التوازن السكاني والخدمي بين الأرياف والمدن أساسا للتنمية، ويتطلع المواطن السعودي للمزيد من هذه المكرمات الملكية ثقة في حكومته.
إنها تجربة متفردة نعيشها بالمملكة العربية السعودية بينما عواصم عريقة في دول حولنا تقتات المعاناة من شح المياه وانقطاع التيار الكهربائي وانعدام الأمن ونقص مريع في الخدمات الضرورية لحياة المواطن بينما الحكومة السعودية تجوب البراري وتشق الجبال وتحيل المعاناة رفاهية لكل رعاياها متمسكة بعقيدتها ووحدة قادتها وقاعدتها لبسط الأمن والاستقرار والرخاء والازدهار.
فلله درك أيها الفهد المفدى وأنت ترصع جيدها وتزين هامتها بعشرين عقداً من اللؤلؤ المكنون سنوات مشرقة وشموع أضاءت مسارب الحياة الرغدة لكل سعودي ومقيم وهنيئا بمليك، هذا دأبه وذاك ديدنه وبحكومة رشيدة وأسرة مالكة كريمة تلتف من حوله تؤازره وتعينه حتى أصبحت المملكة وستظل بحول الله دوحة وارفة يستظل بها كل المسلمين.
نعم ان معاني الابتهاج التي صاحبت احتفالات المملكة العربية السعودية بمرور عشرين عاما على تتويج الملك فهد لسدة الحكم فيها أكدت على قناعة الشعب السعودي بأكمله وبكل شرائحه بصدق ما حملت تلك السنوات من غايات ومعان سامية ومضامين تعلو ولا يعلى عليها وهي تنداح رفاهية على جنبات هذا الوطن الغالي لتغمر القاصي والداني في وطن شامخ يعانق مجدا مؤثلا يستمد قدسيته من وحي السماء وتجددت البيعة بذات المضامين والمعاني الرفيعة في لقاءات ولي العهد حفظه الله الشورية بفعاليات المجتمع السعودي تلك التي اتسمت بالشفافية والصراحة المطلقة ورحابة الصدر تلاحُماً وتضامنا لمواجهة الحملات الجائرة ودرء الافتراءات وصد الهجوم الإعلامي الغربي الفج الذي مهما علا صوته وازدادت نبراته ضد هذه البلاد التي أسست على التقوى فإنها لن تحيد عن ثوابتها وتلك الشفافية في لقاءات الساعد الأيمن وولي العهد رعاه الله كانت كافية لتحيل الضبابية الى شمس حق مشرقية ساطعة لأن المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها رمز روحي وقائدة وراعية لكل أمة الإسلام أعز الله مليكها، وأسرتها المالكة وأنعم عليها مزيدا من الأمن والرخاء والنماء وأدام خادم الحرمين الشريفين ومتعه بالصحة قائدا لمسيرة الخير المباركة والنهضة الشاملة.وأنتهز هذه الفرصة السانحة لأتقدم بأسمى آيات التقدير لكل سكان آل مبارك من بطون شظى بللحمر بجنوب المملكة أولئك الذين أكرموا وفادتي بطيب المعشر ودماثة الخلق، ولطف التعامل بفيض غامر من كرمهم الدفاق وسخائهم المعهود وسجايا الكرام يتشبع بها سكان تلك القرى حتى النخاع فلهم جميعا الامتنان.مع أن لساني ويراعي يعجزان عن الشكر والتقدير عن صدق أخوتهم التي تؤكد أصالتهم.تلك تجربة ثرة تستحق الوقوف عندها وقد حالفني حسن الطالع لمعايشتها عن كثب ملتمسا تفضل الجهات المعنية بالنظر في إمكانية إقامة حدائق ومتنزهات عامة حتى يجد الأطفال ضالتهم في الاعياد ومراكز وأندية أيضا في تلك القرى والأحياء لتنمية وصقل المواهب الرياضية والأدبية والاجتماعية والثقافية لا سيما وأنها منطقة تمتاز بجو معتدل وبطبيعة خلابة تكسوها حلة خضراء طوال العام وهي مصدر إلهام متجدد إن شاء الله تعالى.
|