أصبحت قضية الحفاظ على نظافة البيئة وحمايتها من مخاطر التلوث البيئي، والمحافظة على الحياة الفطرية الحيوانية والنباتية والمائية قضية تهم الجميع. ولتحقيق هذه الغاية السامية لابد من رفع مستوى الوعي العام بأهمية البيئة، ونتائجها على الإنسان والحياة والثروات الطبيعية. وأي جهود تبذل في هذا المضمار ستبقى قاصرة في غياب ا لوعي والمعرفة. لذا لابد من تضافر مساعي مختلف قطاعات الدولة ومؤسسات القطاع الخاص لغرس هذه المفاهيم البيئية لدى المواطن والمقيم وإرشادهم بكيفية حسن التعامل معها في مختلف مناطق المملكة. ولقد بذلت المملكة جهوداً جبارة لتنمية الوعي البيئي وإيجاد جو عام ومسؤول لدى الجميع بإشعارهم بأن هذه القضية هي مسألة وضرورة وطنية واجتماعية وإنسانية بمختلف أوجهها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتم إنشاء مختلف الهيئات العاملة في هذا المجال بالإضافة إلى جهود عديدة قام بها القطاع الخاص من تنظيم حملات بيئية وندوات ومحاضرات وملصقات ومطويات سيما نادي الصافي لأصدقاء البيئة الذي نظم أربع حملات في مناطق مختلفة في المملكة، ويتم الآن التحضير للحملة الخامسة في جدة في شهر فبراير القادم. ولقد قامت الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها بدور متميز في هذا المجال. حول استراتيجية الهيئة ودورها الوطني في حماية البيئة، وعلاقة البيئة بالسياحة ودور ا لقطاع الخاص المأمول في نشر الوعي البيئي وموضوعات أخرى ذات صلة يدور حوارنا مع سعادة الاستاذ الدكتور عبدالعزيز بن حامد أبو زنادة الأمين العام للهيئة.
* الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها لها دور مميز في مجال العناية والحماية للبيئة، ماذا عن الجديد الذي تقدمونه في هذا السياق من خلال استراتيجية عمل الهيئة؟
كما تعلمون ان البيئة بنظمها المتنوعة في حركة ديناميكية مستمرة تضمن بإذن الله الاستقرار والتوازن البيئي لها من خلال قدرتها على مواجهة الضغوط الطبيعية والبشرية عليها، والهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها تبذل قصارى جهدها من خلال استراتيجية العمل الموضوعة للحفاظ على الاستقرار البيئي في مختلف النظم البيئية ومواجهة القضايا البيئية الملحة ووضع الحلول لها على المدى القصير والبعيد وهذه الاستراتيجية تتلخص في أربعة محاور رئيسية وهي الحفاظ على ماتبقى من نظم بيئية ومكوناتها الفطرية من خلال إنشاء شبكة وطنية من المناطق المحمية والتي حققت حتى الآن حماية نحو 4% من المساحة الكلية للمملكة وهي نصف المساحة المستهدفة حمايتها وفقاً للمعايير الدولية. وأعلنت بذلك 15 منطقة محمية موزعة على أنحاء المملكة وتمثل العديد من النظم البيئية لها ويتبقى من الخطة نحو 88 منطقة أخرى. المحور الثاني وهو إنماء الأنواع الفطرية السعودية النادرة والمهددة بالانقراض تحت الأسر وفي مراكز أبحاث متخصصة، وقد تم إنشاء ثلاثة مراكز لهذا الغرض في كل من الثمامة والطائف والقصيم وساهمت تلك المراكز في إعادة توطين المها العربي بعد انقراضه تماماً من بيئته الطبيعية، كما ساهمت في إعادة توطين النعام وطيور الحبارى وغزال الرمال وغزال الجبال. كما قامت من خلال بنك البذور والمشاتل من استنبات عدد لا بأس به من النباتات والأشجار الهامة في المملكة مثل العرعر والسلم والآثاب واللبخ وأعيدت إلى بيئتها في كثير من مناطق انتشارها الطبيعي. وتقوم مراكز الأبحاث بالعديد من الأبحاث العملية لإيجاد الحلول العلمية والعملية لعدد من القضايا البيئية الملحة مثل التلوث والراجع القمي لأشجار العرعر وإعادة تأهيل غابات الشورة والقندل ومزايد أعداد قردة البابون. كما بدأت الهيئة بتجهيز محميات سجا وأم الرمث والتيسية لاستقبال مجموعة ستطلق طيور الحبارى. أما المحور الثالث فهو التشريعات الداعمة لجهود المحافظة على الموارد الطبيعية المتجددة وترشيد استغلالها وقد حققت المملكة شوطاً كبيراً في هذا الخصوص حيث نص النظام الأساسي على الحكم على حماية البيئة ومكوناتها الإحيائية. وقد صدرت عدة مراسم ملكية في هذا الخصوص نذكر منها نظام الصيد، نظام المناطق المحمية، كما وقعت المملكة على عدد من الاتفاقيات الدولية نذكر منها اتفاقية المحافظة على التنوع الإحيائي «البيولوجي»، واتفاقية بون للمحافظة على الأنواع المتنقلة، واتفاقية سايتس لتنظيم الاتجار في الأنواع الفطرية. ولقد أثمرت هذه الجهود أيضاً عن طرح استراتيجية خليجية للمحافظة على البيئة والحياة الفطرية. وكان ثمرة ذلك ان أقر الاجتماع الأخير لدول مجلس التعاون استراتيجية خليجية للحفاظ على البيئة والحياة الفطرية مما يعد دعماً وتتويجاً للجهود الوطنية في هذا المجال، أما المحور الأخير فهو الإعلام والتوعية البيئية فالهيئة تبذل قصارى جهدها من خلال إنتاج الأفلام التسجيلية والبرامج التلفزيونية والإذاعية إضافة إلى معسكرات التوعية الميدانية وإصدار العديد من المطبوعات آخرها مجلة البيئة والحياة الفطرية العربية «الوضيحي» والتي صدر منها حتى الآن 20 عدداً كما تشارك الهيئة بجناح دائم في المهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية، وهناك مسابقة الأمير سلطان لخدمة البيئة والتي أنهت المرحلة الأولى وتعد للمرحلة الثانية إن شاء الله.
* تتميز المملكة العربية السعودية بشاطئين طويلين على البحر الأحمر والخليج العربي إضافة إلى مساحات واسعة من البراري، ماهو واقع البيئة البحرية والبرية في المملكة، وهل لكم ان تحدثونا عن أهمية العناية بهما وخطورتهما في حالة التلوث على حاضر ومستقبل البلاد؟
من المؤكد أن بيئتنا البحرية والبرية وماتحتويه من تنوع إحيائي فريد وموارد طبيعية متجددة تشكل ثروة وتراثاً طبيعياً للبلاد، كما أنها تعتبر السند الحيوي لاقتصاديات المملكة ونمائها الطبيعي في الحاضر والمستقبل. وإذا تحدثنا عن هذه الأهمية فهي متنوعة تشمل الأهمية الاقتصادية والتي نذكر منها ان البيئة البرية تشكل أساس تنمية الثروة الحيوانية من خلال زيادة إنتاجية المراعي. كما تشكل النباتات البرية مصدراً هاماً لاستخراج واكتشاف الأدوية والعلاجات الطبيعية، كما تشكل لبعض الكائنات الفطرية مصدراً للبروتين الحيواني، ومصادر هامة لإشباع متعة هواة الصيد، وكذلك مصدراً هاماً للسياحة البيئية وسياحة البر والتنزه، خاصة بعد إنشاء الهيئة العليا للسياحة. كما تشكل البيئات البحرية مصدراً للأسماك والروبيان ومن خلال الحفاظ على تلك البيئة ستكون المحصلة ازدهار ونمو الثروة السمكية للبلاد. كما تشكل الحياة الفطرية مصادر كامنة وتراكيب وراثية هامة تعطي فرصة كبيرة لاستغلالها في المستقبل القريب وكثير من الكائنات الفطرية يتم استغلالها حالياً مثل مزارع السمان ومزارع النعام وغيرها من المشروعات الاقتصادية.
والجانب الآخر غير المنظور اقتصادياً هو تجنب مخاطر التلوث والتدهور للبيئات الطبيعية والذي ينعكس على معيشة البشر وصحتهم مما يترتب عليه أعباء اقتصادية جسيمة على المجتمع كله. كما ان هناك أهمية بيئية وعلمية وتعليمية تتلخص في ان المناطق البرية والبحرية تعتبر بمثابة معامل طبيعية مفتوحة للعلم والعلماء والباحثين. كما ان الاستقرار البيئي ضروري لحياة ورفاهية البشر فأي خلل في البيئة سواء بسبب التلوث أو من خلال فقدان التوازن يؤدي في النهاية الى الضرر على البشر وليس أوضح من الأضرار التي حدثت من خلال تلوث البيئات البحرية بالنفط أو بالبلاستيك ونفوق أعداد كبيرة من الأسماك وكذلك تلوث البيئات البرية بزيادة عدد من الأنواع الفطرية نتيجة لخلل بيئي معين مثل تزايد أعداد قردة البابون في المناطق الجنوبية الغربية، وكذلك زيادة أعداد الغراب الهندي حول مدينة جدة وغيرها الكثير والكثير من الأمثلة، ناهيك ان مايحدث من ظواهر طبيعية عالمية مثل ثقب الأوزون وأضراره والأمطار الحمضية وظاهرة الدفيئة والتصحر ومايترتب عليها من مشكلات مناخية واقتصادية واجتماعية وصحية.
* ماهي أبرز الجهود التي قامت بها المملكة لحماية البيئة البحرية والبراري؟
الجهود كثيرة ومتنوعة وقد سبق ان ذكرنا الكثير منها من خلال استراتيجية عمل الهيئة وهي إقامة شبكة وطنية من المناطق المحمية البرية والبحرية وإنشاء مراكز الزوار والتوعية البيئية. ومجابهة حالات التلوث إضافة إلى الجهود التي يقوم بها القطاع الخاص مثل نادي أصدقاء البيئة، وأيضاً ماتقوم به بعض المؤسسات مثل الصافي وشركة أرامكو السعودية وسابك والهيئة الملكية للجبيل وينبع والرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة ووزارة الزراعة والمياه ووزارة الشؤون البلدية والقروية والجامعات السعودية.
* ما هي أهم المعايير والمقاييس البيئية المتبعة؟
بالنسبة إلى المعايير والمقاييس البيئية التي تتبعها الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها فهي المتابعة المستمرة والدقيقة من خلال المسوحات والدراسات البيئية على البيئات الطبيعية ومكوناتها الإحيائية والنباتية وتسجيل مدى ازدهار وانتشار تلك وكثافتها ومقارنتها بالمسوحات والتسجيلات السابقة أما المعايير البيئية الأخرى المتعلقة بالتلوث وغيره من القياسات البيئية والمناخية فتقوم بها الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة.
* ما هو تقييمكم لإسهامات القطاع الخاص في نشر الوعي البيئي في المملكة وخاصة منها الحملات المتعددة التي نظمها نادي الصافي لأصدقاء البيئة في مختلف مناطق المملكة بالإضافة إلى الأنشطة المختلفة في هذا المجال؟
لاشك أن ما نراه هذه الأيام من مساهمات كثيرة ومتعددة من القطاع الخاص في نشر الوعي البيئي في المملكة يعد إنجازاً وقفزة كبيرة في هذا الخصوص. لقد أصبح اليوم القطاع الخاص يسهم في كافة الجهود سواء كان ذلك من خلال المشاركات العلمية في المشروعات البيئية أو من خلال دعمه المادي لعدد من المشروعات والأنشطة ذات العلاقة بالمحافظة على البيئة والحياة الفطرية، فهناك العديد من الإسهامات التي أتاحها إنشاء صندوق دعم الحياة الفطرية للمواطن والقطاع الخاص. كما أن دعم القطاع الخاص لفعاليات الندوات العلمية والمسابقات البيئية وعلى رأسها مسابقة الأمير سلطان لخدمة البيئة وكذلك رعاية إصدار مجلة الوضيحي«مجلة البيئة والحياة الفطرية العربية» لهو خير دليل على ذلك وإن كنا نحن نتطلع للمزيد من الدعم والجهد.
كما أنه لا يفوتني هنا أن أشيد بما يقوم به نادي الصافي لأصدقاء البيئة من جهود حثيثة لتنظيف العديد من المناطق الطبيعية في كافة أنحاء المملكة، وما يقوم به من أنشطة تدعم وتنشر الوعي البيئي بين كافة قطاعات المجتمع ومشاركته الفعالة في فعاليات مسابقة الأمير سلطان لخدمة البيئة وفي دعم إصدار ملف خاص عن جهود وإنجازات المملكة في عهد مولاي خادم الحرمين الشريفين في مجال الحفاظ على البيئة والحياة الفطرية وإنني أشد عليهم في تنظيم المزيد من هذه الأنشطة وتكثيفها حتى يحذو الآخرون حذوهم.
* ما هو الدور المطلوب من القطاع الخاص المساهمة بمجالات نظافة البيئة وحمايتها والتوعية بشأنها؟
في الحقيقة فإن القطاع الخاص لديه مرونة كافية في الإسهام بالعديد من المجالات والأنشطة التي تخدم البيئة، وبإمكان القطاع الخاص أن يدعم صندوق دعم الحياة الفطرية مادياً وبصورة مستمرة ومنتظمة كما يمكن أيضاً للقطاع الخاص تبني عدد من المشروعات التي تحافظ على البيئة ومكوناتها وتنفيذها كما أنه من الضروري للقطاع الخاص أن يضم في برامجه عدداً من البرامج البيئية ويضع في عين الاعتبار المعايير البيئية في كافة مشروعاته، كما يمكن أيضاً أن يرعى القطاع الخاص عدداً من البرامج التلفزيونية والإذاعية ورعاية الإصدارات والمجلات البيئية التي تنتجها الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها.
* هناك علاقة كبيرة بين البيئة والسياحة. كيف تنظرون لهذا الأمر في ظل الاهتمام الكبير الذي توليه المملكة للنهضة السياحية؟
المملكة تتميز بتنوع بيئي وإحيائي كبير لا يتوفر في العديد من الدول الأخرى. هذا التنوع يشكل ثروة وطنية عظيمة تدعم مشروعات السياحة في المملكة وخاصة السياحة البيئة التي أصبحت أحد أهم فروع ومجالات السياحة حول العالم كما يعد تنويعاً هاماً للاقتصاد الوطني. حيث أصبح السائحون يقبلون على السياحة البيئية أكثر من غيرها بعد أن أصبح الاهتمام بصحة البيئة ونظافتها واتزانها يلقى أولوية قصوى عند الدول في عصر النهضة السريعة التي جعلت مثل هذه المناطق الطبيعية تنحسر بشدة في كثير من مناطق العالم.
والمملكة بصحاريها الممتدة وجبالها الشامخة ورياضها وفيافيها وسواحلها الممتدة على البحر الأحمر والخليج العربي وجزرها العذراء تشكل قوة ومصدراً لا يستهان به في دعم مشروعات السياحة البيئية المخطط لها بإتقان لتحقيق التنمية والاستخدام المستدام والمتواصل وهناك تنسيق تام بين الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها والهيئة العليا للسياحة في وضع خطط واستراتيجيات لاستغلال هذه المناطق وسوف يتبلور ذلك إن شاء الله في الندوة الدولية المقبلة عن السياحة البيئية المقبلة والتي ستعقد في الفترة من 10 إلى 14 محرم 1422ه بالتنسيق والتعاون بين الجهتين.
* هل ترون أن الوقت حان لإنشاء وزارة مستقلة تعنى بشؤون البيئة ونظافتها؟
لا شك أن الجهود التي تبذلها الهيئات الحكومية والأهلية المعنية بشؤون البيئة قد حققت الكثير من الإنجازات والمكاسب البيئية العظيمة التي يشهد لها القاصي والداني. ولمواكبة ذلك التقدم والازدهار والإنجازات التي حققتها المملكة وتوحيد هذه الجهود والأنشطة ودفعها لمزيد من التقدم والرقي فإن إنشاء وزارة للبيئة ربما يكون ضرورة تطلبها المرحلة المقبلة.
|