Saturday 19th January,200210705العددالسبت 5 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

تركيا وأوهام البحث عن التراث والتاريخ

أثار قرار هدم الحكومة السعودية للقلعة «أجياد» المجاور للمسجد الحرام الكثير من السخط والاستنكار من قبل المسؤولين الأتراك، حيث بلغ التصعيد التركي حداً بلغ فيه الناطق باسم وزارة الخارجية التركية حسين ديريور استنكاره تدمير القلعة أجياد واعتبر ذلك عملاً يضر «بإرثنا التاريخي والثقافي المشترك»، كما أكد وزير الثقافة التركي اسمحيان تالاي ان هدم القلعة «خطوة لإزالة آثار الحضارة التركية».
لا شك ان موجة السخط والاستنكار التركي لهدم القلعة تثير الاستغراب والكثير من التساؤلات التي يمكن إيجازها بالنقاط التالية:
أولاً: من المعروف ان تركيا الكمالية أدارت ظهرها وما تزال لكل ما هو إسلامي وعثماني في تاريخها منذ عشرات السنوات، وهي تسعى جاهدة للحاق بركب الحضارة الغربية والحصول على كل مكتسباتها وذلك على حساب القيم الإسلامية والتنكر للتاريخ الإسلامي العثماني.
فمنذ بدايات العقد الثالث من القرن العشرين وحتى الآن قامت تركيا بالكثير من الخطوات التي أدت إلى انسلاخها من الأفق الإسلامي اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً وسياسياً، وهي تحاول بكل ما أُوتيت من قوة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتلبي كل ما هو مطلوب منها لأجل تحقيق هذا الهدف، ووصل الأمر بها إلى التحالف مع إسرائيل وتوقيع اتفاقيات عسكرية معها موجهة ضد دول عربية وإسلامية.
وبالرغم من كل ذلك تأتي تركيا اليوم لتعلن تمسكها بقلعة عثمانية موجودة في الجزيرة العربية، فإذا كانت تركيا، كما تعلن، متمسكة بالإرث الثقافي المشترك كما تدعي الخارجية التركية فلماذا لم تفعل أي شيء وخلال عقود خلت لتطوير وتحفيز هذا الإدراك ولماذا حاولت «تطهير» اللغة التركية من المفردات العربية فيها «وصلت المفردات العربية في اللغة التركية إلى نسبة 40% عام 1900» ولماذا ألغت الأحرف العربية التي كانت تكتب بها اللغة التركية واستبدلتها بأحرف غريبة عن المنطقة وليس بين تركيا وبين هذه الأحرف الجديدة أي «إرث مشترك»، ولماذا تجعل تركيا من المياه الموجودة في أراضيها ورقة للضغط على الدول العربية.
وقد وصل الانسلاخ التركي عن التاريخ الإسلامي حداً غيرت فيه تركيا كل المظاهر الإسلامية في الحياة التركية المعاصرة ولجأت إلى تغيير أسماء بعض المدن والأماكن ذات الطابع الإسلامي، ولعل خير مثال على ذلك هو تغيير اسم عاصمتها «استنبول» ونقلها إلى انقرة وذلك للتخلص من كل ما يمت للإسلام بأي صلة.
وما يؤكد كل ذلك ان وزير الثقافة التركي عندما أدان هدم القلعة، قال: «إنها خطوة لإزالة آثار الحضارة التركية»، ولم يقل خطوة لإزالة آثار الحضارة العثمانية الإسلامية فوزير الثقافة لا يرى أي بعد إسلامي عثماني للقلعة.
ثانياً: لم ينتبه المسؤولون الأتراك في انتقاداتهم لهدم القلعة انها بنيت أساساً للحفاظ على أمن المسجد الحرام وحماية الحجاج القادمين إلى المسجد، وان هدم القلعة اليوم هو أيضاً لتوفير مساحات أوسع تخفف من الازدحام أثناء موسم الحج، وإذاً، فالهدم هو لمصلحة الحجاج المسلمين والحفاظ على سلامتهم وأمنهم وليس لأي غايات أخرى سيما وانه سيتم إعادة بناء القلعة بنفس المواصفات في مكان آخر، وبالتالي ليس من حق الأتراك الاستنكار طالما ان الهدم أتى لتحقيق أهداف مماثلة للأهداف التي بنيت من أجلها القلعة وهو الحفاظ على سلامة وأمن الحجاج.
ثالثاً: إن تركيا لم تقم بالدور المطلوب منها لعقود سابقة في الحماية والحفاظ على الآثار العثمانية المتناثرة في بلدان مختلفة إذ بقيت مهمة الحفاظ على التراث العمراني العثماني منوطة بحكومات محلية ومؤسسات علمية لا أكثر، والمطَّلع على المؤتمرات الدولية حول الآثار العثمانية يلاحظ الشكوى من عدم اهتمام الأتراك بهذا الموضوع، وفي هذا الإطار نشير إلى أعمال المؤتمر العالمي الرابع للآثار العثمانية الذي عقد عام 2001م في تونس برعاية مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، حيث اشتكى المؤتمرون من الأوضاع الصعبة غير الجيدة للجهود المبذولة لحماية وترميم الآثار العثمانية، وأشار الحاضرون والباحثون إلى انهم يعملون ضمن ظروف صعبة وان الطرف التركي لم يأخذ أي مبادرة للتعاون من أجل القضاء على الوضع السلبي جداً طوال عقود طويلة.
وإذا كان الوضع بالنسبة للآثار العمرانية العثمانية في تركيا على ما وصفناه فما الذي ذكَّر المسؤولين بقلعة أجياد بعد كل ذلك التاريخ من النسيان والإهمال لمئات الآثار العثمانية المتناثرة في قارات العالم القديم الثلاث.
رابعاً: ليس من حق الأتراك التدخل في الشؤون الداخلية لدولة إسلامية مثل المملكة العربية السعودية بحجة المحافظة على الآثار العثمانية الإسلامية لأن المملكة وخلال عقود خلت كانت الأكثر حرصاً من أي دولة أخرى على الآثار العمرانية الإسلامية، فالمملكة حرصت وبشكل دائم على الآثار والمقدسات الإسلامية لا على أراضيها وحسب، وإنما في كافة أنحاء العالم والشواهد على ذلك كثيرة، والسعودية كدولة يجب ان تُشكر من تركيا والدول الإسلامية الأخرى على ما تفعله من أعمال توسعية وتنظيمية تهدف إلى تسهيل وتيسير تنقل الحجاج حول المسجد الحرام.
أما إقحام الدين الإسلامي في هذه المسائل فهو أمر غير مقبول لأن تركيا ليست حريصة أكثر من السعودية على الآثار الإسلامية التي هي محط رعاية واهتمام دائمين من الأوقاف السعودية.
وفي النهاية، إذا كانت تركيا تريد ان تعيد الاعتبار للآثار العثمانية فذلك أمر لا اعتراض عليه، بل هو مطلوب، ولكن لابد من ان يكون هذا الاهتمام الجديد وفق منهج معين يخدم «إرثنا التاريخي والثقافي المشترك»، لا أن يضر به.

عبدالكريم العفنان دمشق مكتب الجزيرة:
karim@postmaster.co.uk

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved