لا يستطيع أحد في الدنيا أن يأكل فولاً دون أن يكون الشاي جنبه. فمنذ أن عرفنا الفول وهو ملازم للشاي حتى أن الخيال الإنساني يستطيع أن يولد أطيافاً من المعاني الجميلة من طبعة البراطم المليئة بالزيت على حافة البيالة. (لا فول بدون شاي) هذا شعار كل الفوالين في الرياض وغيرها من المدن الكبرى. شيء لا يمكن تفاديه. ولا يعني هذا تجاهل خبز التميس ودوره البناء، ولكن خبز التميس له بدائل متعددة مثل الخبز العادي أو البر أو حتى الصامولي. لكن الشاي لا بديل عنه رغم أنك تشاهد في حالة نادرة وشاذة بعض أدعياء الحداثة يأكلون الفول مع الببسي أو السفن أب. وهؤلاء قلة في مجتمعنا ولله الحمد.
لا يمكن أن تأكل هامبورجر سواء في المملكة أو في اليابان أو في نيكاراغوا دون أن تتناول معه احد الأسمرين الببسي أو الكاكولا. كما لا يمكن أن تتناول شاورما أو فلافل دون أن تدفها بكأس من العصير الطازج.
في عالم مليء بالتحديات حافظ الأكل اللبناني على تلازم مساراته. فالفلافل مازالت مقترنة بالعصير. كما حافظ الهامبورجر الأمريكي على توأمه الببسي. والفول قاوم كل الإغراءات ليبقى وفياً للشاي. وفي خضم صراع التداخلات هذا نلاحظ بكل أسف أن الكبسة فقدت (اللبن) ساعدها الأيمن التقليدي. وأخذت تتقافز من شقيق إلى آخر حسب البيوت. أكثر من مرة أدعى فيها إلى غداء أو عشاء على كبسة ألاحظ أن المصاحب للكبسة شيء آخر غير اللبن. شيء مثير للحزن، أليس كذلك؟. نحن أكثر شعوب العالم تحدثا عن التقاليد والحفاظ على التقاليد. هل هناك تقاليد أعظم من تلازم الكبسة مع اللبن في أي بيت سعودي؟ قد يرى البعض أن الجح ملازم أساسي للكبسة أيضاً وغيابه فترة طويلة يخل بمثلث الإبداع الوطني (الرز، اللبن، الجح) مما يبرر تغييب اللبن وترك الكبسة تشق طريقها إلى البطون بمعاونة المشروبات المستوردة. ولكن هذا فيه كثير من التسامح لأن الجح موسمي وجزء من الصيف، وفي نفس الوقت هل يبرر غياب الجح فترة طويلة فك الارتباط بين الكبسة واللبن؟ مسؤولية من هذا الإخلال؟ هل هو مسؤولية الآباء أم مسؤولية الأمهات أم مسؤولية رجال الأعمال؟ القضية خطيرة ويجب عدم إهمالها بل تستحق أن تناقش على أعلى المستويات كما فعلنا مع قضية غلاء المهور العظيمة.
هناك شيء ربما غاب عن بالنا فترة طويلة، ويفترض فينا أن نأتي به إلى دائرة الضوء طالما أننا فتحنا باب النقاش على مصراعيه في مسألة الكبسة واللبن وقبلها غلاء المهور وغيرهما من قضايا أمتنا الخطيرة. دعوني ألخص القضية في السؤال التالي:
لماذا لا تقدم القهوة العربية في المقاهي العامة كما تقدم القهوة التركية والقهوة الأمريكية بمختلف أنواعهما أو كما يقدم الشاي؟ هناك كثير من المواطنين يحاول أن يتجاهل القهوة لأنها مرتبطة في ذهنه بالشياب (كبار السن) وبالماضي. من باب المساهمة في طرح هذه القضية أستطيع أن أقول إن أسلوب تقديمها والتضييف بها هو الذي يعيق حركتها. فمن التقاليد العريقة أن القهوة العربية تحتاج إلى ضيافة معينة. أولاً يجب أن تكون ساخنة جداً عند تقديمها. والثاني أن يصب قطرة في قاع الفنجان لا تكفي حتى لبلة الريق. وهذا يستوجب أن يكون هناك رجل مخصص يباشر الضيوف. وهذه الخاصية تعطيها رفعة وأرستقراطية لا تسمح بانتشارها بين الشباب، كما يصعب من تقديمها في أكواب فردية ويفرض تقديمها في دلة أو في زمزمية. والأهم من هذا هو ارتباطها بالتمر. فقد اعتادت الناس أن تشربها مع التمر مما يعقد التعاطي معها ويرفع كلفتها في المقاهي. وعلاقة القهوة بالتمر تعيدنا مرة أخرى إلى مناقشة قضية تلازم المسارات. وهذه قضية كبيرة تحتاج إلى ندوة يدعى لها خمسون مثقفا.
فاكس: 4702164 |