يوم الأربعاء يوم محبب للموظفين يعقدون به آمالهم وتطلعاتهم للراحة من عناء العمل ومتطلباته، وتخطيط لساعات المرح والأنس والسعادة، لهذا كان موعد اللقاءات الاسبوعية أو الشهرية، وموعد الاجتماعات العائلية.
لكن يوم الأربعاء 18/10/1422ه ليس ككل الأربعاءات، فقد انقلب المؤشر رأساً على عقب، لم يأخذ من المميزات سوى «الاجتماع» ولكن لماذا؟ اجتماع مشوب بالحزن، محاط بالأسى والحرقة واللوعة.. غارق بالدموع لاتسمع فيه سوى الاسترجاع والحوقلة لأن في هذا اليوم أطلق الموت سهمه ليشكه في سراج أسرة «اللهاقي» فيكسره ويطفئ الضوء، لقد اختار واسطة العقد، ودرة الغانم وصدق الله العظيم القائل «أينما تكونوا يدرككم الموت».
لقد ذهب خالي «غانم بن عبدالله الغانم» للعلاج في أمريكا بعد أن أنهكه المرض ولكن
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى
لكالطول المرخى وثنياه باليد
نزل علي خبر وفاته رحمه الله فزلزل كياني.. وحطَّم تجلدي.. وفتَّ عضدي فكنت كما قال المتنبي:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
ولم لا أكون كذلك؟ وقد تخطفت يد المنون الكريم المضياف، الطاهر الطيب ذا الخلق الجم والطرفة الحاضرة، صاحب النخوة والفزعة والشهامة ابن بريدة البار.. لقد هاتفني ابن خالي منصور من أمريكا في ذلك اليوم وأعلمني بالخبر فحرت في أمري.. هل أعزي نفسي بفقد خالي الذي كان ظلا نستظل به من أهوال هذه الدنيا؟ أم أعزي جدي عبدالله والده بفقده الذي كان يعتبره الحزام الذي يتحزم به في صراعه في هذه الحياة؟ أم أعزي والدتي التي كانت تشعر بحنانه وعطفه مع أنفاسها التي تتنفسها؟ أم أعزي زوجته التي كانت تنظر إليه الزوج المثالي والأب الحنون على أسرته وأولاده؟ أم أعزي ابنيه خالد ومنصور اللذين بذل قصارى جهده رحمه الله ليقفا على أقدامهما ويشقا طريقهما في هذه الحياة؟ أم أعزي خالي محمد أخاه المتبقي وقد كان شعر بأنه العون له بعد الله في جميع مجالات حياته؟ أم أعزي بناته اللواتي كان يعرف من النظرة ما يردن ويسعى لتحقيق ما يسعدهن؟ أم أعزي أقاربه الذين كان يحرص عليهم في كل مناسبة ويقوم بواجبهم أكمل قيام، فضلا عما يقدمه لهم من خدمات؟ أم أعزي ذوي الحاجات الذين فتح لهم بابه مساء وفي فترة راحته ليقوم على خدمتهم؟ أم أعزي أصدقاءه الذين كان يملأ اجتماعاتهم بالحيوية والنشاط والأحاديث الهادفة؟
أم أعزي بلده الذي نذر نفسه لخدمته والدفاع عنه في جميع المجالات؟
لقد كان الحمل عليّ ثقيلاً جداً ان أشعر وأعزي كل هؤلاء، ولكن نظرت إلى سنّة الله في خلقه، وأن لكل أجل كتاباً، فاستعنت بالله عز وجل وتجلدت لحمل هذه المصيبة، وحث الجميع على الصبر والاحتساب.
لقد كان خالي رحمه الله أباً عطوفاً على أبنائه وأسرته، ومثالاً يقتدى به في ذلك يتحمل الصعاب، ويسعى إلى الألفة والتقارب، ويحرص رحمه الله يحترق ليضيء للآخرين، وأذكر من ذلك قبل سفره بيوم واحد كنا جلوساً عنده في مجلسه، وكان الألم والمرض قد أخذا منه كل مأخذ، وكان رحمه الله يعاني من المرض ومع هذا كله لم ينس من عنده من الأصحاب والأقارب، كان يسامرهم، حيث كان موجوداً آنذاك الدكتور حسن الهويمل والأستاذ رشيد الحصان وبعض الأصدقاء وعدد من الأقارب جاءوا ليطمئنوا عليه ويودعوه فكان يضحك معهم مع صعوبة ذلك عليه ويبادلهم النكتة مع تكلفه بالنطق، وكان حريصاً على ان يدخل الأنس عليهم مع أنه كان يعاني ويصعب عليه النطق والحديث حتى ان بعض العبارات التي تصدر منه لايفهمها الحضور إلا بعد أن يكررها مرة ثانية.
كان مؤمناً بالله عز وجل مساهماً في مجالات الخير والبر والصلة، حريصاً على جيرانه، متسامحاً مع من يخطئ عليه، باذلاً جاهه لكل من يحتاج، له أياد بيضاء على المحتاجين، صاحب نخوة وكرم، لا يخلو منزله من ضيف أو زائر أو صاحب حاجة، جنَّد نفسه منذ نعومة أظفاره لخدمة دينه وبلده، وما كتبه بقلمه قديماً وحديثاً شاهد على ذلك.
وأخيراً أبا خالد.. .لن نفقدك نحن فقط، بل ستفقدك الأسر التي كنت لها العائل بعد الله سبحانه وتعالى، ويفقدك زملاؤك الذين حرصت على لمِّ شملهم وجمع شتاتهم، ويفقدك حيُّك الذي كنت فيه علامة بارزة، وتفقدك بريدة التي كنت لها الابن المخلص بكتاباتك ومطالباتك.
خالي.. ليس لي إلا أن أتعزى بقول الرسول صلى الله عليه وسلم «أنتم شهداء الله في أرضه» وقول الإمام أحمد رحمه الله : «موعدكم يوم الجنائز».
فتلك الجموع الغفيرة التي صلّت عليك بجامع الخليج وهي تلهج بالدعاء لك بالمغفرة، وتلك الأيدي التي تعاقبت على حمل نعشك، وتلك الوجوه التي علاها الحزن في المقبرة تعبيراً عما تحمله القلوب لك من حب كبير وتقدير خالص، كل هؤلاء لم يكونوا ليحضروا لولا أنك تستحق هذا الإجلال.
خالي.. إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنّا على فراقك لمحزنون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا «فحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون» تغمدك الله بواسع رحمته وأسكنك فسيح جناته وتقبّلك في الصالحين، وألهمنا بعدك الصبر والسلوان آمين.
محمد بن ناصر المجحدي
المشرف العام على مدارس أنجال القصيم الأهلية ببريدة