Friday 25th January,200210711العددالجمعة 11 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

دوافع النوازع
قالت العرب
د. محمد البشر

كانت العرب تقول الشعر والنثر، وتسكبه في قوالب من البديع، وتحلّيه بالجناس والطباق والكناية والتشبيه والتمثيل فيتزين بتلك المحسنات البديعية فيبدو للرائي في أجمل حلّة، وأبهى زينة . وكانت العرب تنفث في شعرها ونثرها بعضاً من تجاربها وكثيراً من قيمها وخلالها وحكمها وفي قديم قولها كثيرا من واقع حالها .
قال محمد بن حازم الباهلي:


تشبَّهُ بالأسدِ الثعلبُ
فغادره معنفاً يجنب
وحاول ما ليس في طبعه
فأسلمه الناب والمخلب

إلى أن قال:


ومنتَّك نفسك ما لا يكون
وبعض المنى خُلَّبٌ يكذب

«والخُلَّبُ: السحاب يومض برقه حتى يرجى مطره، ثم يخلف وينقشع».
كم من خُلَّب في هذا الزمان تبدو كجَوْن قد امتلأ ببخار الماء، لا يتوقف بارقه ولا يهدأ رعده فإذا حزم الأمر وأخذ الجد مأخذه انقشع ذلك السحاب وتبدد ذلك الجون وبقي الناس في جدبهم ينتظرون هتاناً لا يرعد ولا يبرق لكنه يمطر الذي يطفئ العطش، ويجعل الأرض تكتسي حلة خضراء.
يقول ذو الإصبع العدواني:


آخ الكرام إن استطعت
الى إخائهم سبلا
إن الكرام إذا تؤاخيهم
وجدت لهم فضولا
ودع الذي يعدُ العشيرة
أن يسيل ولا يسيل

لكن إذا كان المرء قد ضاقت به السبل ولم يجد سوى أن يصانع مرغماً، فلا بد مما ليس منه بد . يقول الشاعر العربي:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
يضرس بأنياب ويوطي بمنسم
لكن الناس في هذا تقودهم شيمهم وأخلاقهم وجبلّتهم الى اختيار هذا الأمر أو ذاك دون النظر الى وجوب المصانعة من عدمه، يقول ذو الاصبع:


كل إمرئ صائر يوماً لشيمته
وإن تخلًَّق أحلاها الى حين

يقول غريض:


فارفع ضعيفك لا يحربك ضعفه
يوماً فتدركه العواقب قد نما
يجزيك أو يثني عليك وإنَّ من
أثنى عليك بما فعلت فقد جزى

إن من يسدي المعروف، لا يجدر به أن ينظر إلا الى الثناء فحسب، بغيه خير الجزاء لمن لم يستطع سواه وحسبه بذلك إشباعاً للذات الكريمة الأبية . وفي الرسالة الهزلية ما يكفي في الرد على أولئك الذين يرون أنفسهم أنهم القادرون وهم العاجزون وأنهم الأدرى وهم الأغبى، وأنهم الأعلم وهم الأجهل. لا ينظرون الى الأمور بواقع الحال بل بما تمليه عليهم الأماني فيندفعون دون هواده . يقول ابن زيدون في مقتطفات من رسالته:
«أما بعد أيها المصاب بعقله، المورط بجهله، البين سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اعتزازه الأعمى في شمس نهاره، فإن العُجْبَ أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب. على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب، حتى ليس فيها عجائب، ونخرت وبسرت، وأبدأت وأعدت، وأبرقت وأرعدت وهممت ولم أفعل وكدت وليتني. كلامك تمتمة، وحديثك غمغمة، وبيانك فهفهة، وضحكك قهقهة».
هكذا كان ابن زيدون يقول في قصيدته الهزلية وهو يرسم حالا لمنافسه الذي أراد أن يغتصبه ما يراه حقا له . وقال في رسالته الجدية التي كتبها لابن جهور وهي تحكي خلال واقع الحال «وهم الهمازون المشاؤون بنميم، والواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا، والغواة الذين لا يتركون أديماً صحيحاً، والسعاة الذين ذكرهم الأحنف بن قيس فقال: ما رأيك بقوم، الصدق محمود إلا منهم . فإن رأيت غواة الرجال لا يتركون أديماً صحيحاً ، ويا سيدي:


لو بغير الماء حلقي شرق
كنت كالظمآن بالماء اعتصاري

«انتهى قول ابن زيدون»
والفطن من يدرك قدره، قبل أن يأمل ويضع النصاب بمقداره، فيواري ويداري حتى تكون العاقبة غير وخيمة . متجنباً غضب القادر المهان، لأنه قد يبطش دون تؤدة، ويفجع دون رويته .
يقول عنترة:


أَثْنِي علي بما علمت فأنني
سمح مخالفتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظملي باسل
مرٌّ مذاقته كطعم العلقم

هكذا قال أجدادنا كما قالوا غير ذلك وفي ثنايا القول يظهر الكثير من واقع الحال والفطن من أدرك.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved