Friday 25th January,200210711العددالجمعة 11 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

خصخصة التفكير

المملكة العربية السعودية دولة فتية اذا ما قورنت بغيرها من الشعوب، ولقد شهدت النهضة في هذه الدولة الفتية تسارعاً شديداً ومتميزاً خلال عقود معدودة، وهذا التسارع في بداياته استدعى ان تضع الدولة كامل ثقلها التنظيمي والاداري للتفكير والتخطيط بطريقة مركزية أعفت المجتمع من هذه المهمة الشاقة وفرغته وشجعته على الاستفادة القصوى والمواكبة لذلك السبق النهضوي المتسارع عن طريق الاستفادة من الفرص التعليمية اللازمة لبناء البنية التحتية الواعية، ان هذا النمط من التفكير المركزي الذي اقتضته الأحوال في بدايات النهضة يصعب عليه أن يستمر طويلاً لأسباب كثيرة من اهمها زوال تلك الاحوال والارتقاء الفكري الناتج من التعليم وزيادة الثقل التنظيمي والتخطيطي على كاهل المنشآت المختصة، وهذه المتغيرات الحديثة وغيرها تستدعي المشاركة في التفكير او ما يمكن ان نسميه تجاوزاً خصخصة التفكير وانتهاء طور التفكير المركزي ولابد على مناهج التعليم ووسائل الاعلام ان تعتني بهذه القضية للارتقاء بالمجتمع عموما والفئات المثقفة بخاصة من طور الاكتفاء بمجرد التشكي الى الفكر المركزي وإلقاء الحمل والتبعة كاملين على كاهله الى طور أعلى يحث على المشاركة في التفكير ووضع الحلول الواقعية اللازمة لمواجهة التحديات المعاصرة بحكمة وروية وبعد نظر.
ان هذا الموضوع الذي نتحدث عنه ليس بدعاً من القول بل هو أمر مشهود وملموس في جوانب محدودة لابد أن تتعدد جبهاتها واهتماماتها بتسارع أكثر مواكبة للمتغيرات والقضايا المعاصرة، ومن أمثلة هذه الجوانب التي شهدت مشاركة في التفكير مشاريع الخصخصة في الكثير من القطاعات مثل الهاتف والكهرباء وغيرهما واستنفار ما يسمى بالقطاع الخاص لكي يسخر قدراته الكبيرة ووعيه المتنامي للمشاركة في التفكير والتخطيط والانجاز.
إن الأمثلة على المشاركة في التفكير لا تنحصر في جوانب الصناعة بل تتعداها الى بعض الجوانب الاجتماعية متمثلة في الجمعيات الخيرية المهتمة بجمع الصدقات لاعانة الفقراء وتزويج الشباب، ولكن المشاركة في التفكير في الجانب الاجتماعي مع كثرة أمثلتها ما تزال محدودة الجبهات وتظل هنالك جبهات اجتماعية عديدة بحاجة ماسة الى النظر والدراسة والمعالجة بأسلوب المشاركة في التفكير ووضع الحلول الممكنة ، من هذه الجوانب الاجتماعية التي تقصر عن التعامل مع اساليب التفكير المركزية حوادث السيارات المخيفة التي تحصد الآلاف من الارواح وتيتم الاطفال وترمل النساء وتزيدبذلك العبء على الضمان الاجتماعي بمنشآته الرسمية وغير الرسمية، ان هذه المشكلة لتصيح بأعلى صوتها بلغة فصيحة مفرداتها اعداد القتلى والجرحى المتزايدة وحجم الخسائر الناتجة، ولكن صيحاتها لم تلامس بعد آذان من تعلموا واقتنعوا بفوائد خصخصة التفكير، وهنالك جانب اجتماعي آخر لابد ان تستنفر له الجهود المشاركة قبل ان يصل الى مرحلة يستعصي فيها على العلاج ، هذا الجانب يتمثل في المفاسد الاجتماعية الناتجة من الخواء الأخلاقي والانحراف التربوي الذي يعصف ببعض فئات الشباب فيحيد بهم عن الجادة حتى يصبحوا مصدر ألم لمجتمعاتهم بعد أن كانوا أملاً. ان قضية طيش الشباب تجاوزت قصات الشعر العجيبة والملابس الغريبة الى سلوكيات لا تحتمل وانتهاكات لا تعالج أبداً بالصبر والتغاضي. ان هذه القضية الاجتماعية مثال مقنع لوجوب تكامل الجهود عن طريق المشاركة بأسلوب شرعي حكيم في التفكير وتحمل المسؤولية لسد الثقب في السفينة الذي أشار اليه الحديث النبوي المعروف وهنالك أمثلة عديدة على قضايا في الجانب الاجتماعي تتطلب المشاركة في التفكير وتجتمع هذه القضايا حول محور واحد هو الثوابت والمتغيرات الاجتماعية في ميزان الشريعة الالهية الحكيمة.
إن خصخصة التفكير لها اساليب معروفة ومشهورة ولكنها مازالت تفتقر الى التخطيط والتنسيق والفكر الشمولي وهذا يحتم انشاء لجنة عليا تهتم بخصخصة التفكير وهذه اللجنة العليا ذات صلة بكل المنشآت والاجهزة الرسمية وينضوي تحت هذه اللجنة رجال المال والصناعة يؤازرهم العلماء والفقهاء والمصلحون وينبغي في سياق الحديث عن عضوية هذه اللجنة التحذير من أولئك النفر الذين يكثرون من الاشتراك في الجمعيات الخيرية العديدة بطريقة تمنع القادرين المؤهلين والمتفرغين من المشاركة وتحد من نفع هذه الجمعيات التي يثقلها عضوية أمثال هؤلاء الذين لا يعملون ولا ينتجون نظراً لكثرة مشاغلهم واحتكارهم لهذه الثغور، ان المشاركة بالجاه مهمة ولكنها جزئية والمشاركة الحقة لمن شمر عن ساعده وحرث الارض واغبر جبينه وبذر الحب وسقاه ورعاه حتى يأتي زمن الحصاد. وفي هذا السياق ينبغي التحذير من تحول لجان خصخصة التفكير الى مركزية جديدة ولا يتأتى هذا الا بالحد من مدة العضوية والتخلص المبكر من الاعضاء غير النافعين واشتراط الانتاج المتميز لكل عضو وتبسيط الاساليب الادارية والتخلص من البيروقراطية.
وينبغي على هذه اللجنة ان تتحلى بالحكمة والروية والواقعية المنضبطة بضوابط الشريعة، وان تندرج في التعامل مع القضايا وفق خطة طويلة الاجل ومتعددة المراحل تهدف في نهاية المطاف الى تربية جيل يحب وطنه ويحمي انجازاته ويزيد من خيراته عن طريق المشاركة في الفكر والمشاكل في حمل المسؤولية ووضع الحلول الممكنة.
إن أمة تربي هذا الجيل الناضج والمشارك والمتفاعل هي شامة في جبين الزمن وصفحة مشرقة في سجل التاريخ.
اللهم اعنا ان نكون من هذه الامة امة تهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، امة العز، والمجد، والقوة، امة الخير والعطاء.

هشام محمد سعيد قربان
أرامكو السعودية الظهران

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved