قرأت منذ زمن بعيد مقابلة مع الكاتب الكولومبي غارسيا ماركيز «الظاهر أني كثرت من اسم هذا الرجل في هذه الزاوية». على فكرة هذا كاتب رائع وأرشحه لكل من يحب قراءة الروايات والقصص.وكذلك لمن يريد أن يتعلم كتابة الجمل الطويلة الجميلة.
يقول في تلك المقابلة: إنه لا يقرأ كتب النقد على الإطلاق، وأكثر قراءته هي المجلات الشعبية والمجلات النسائية التي تحضرها معها زوجته من صالون الحلاقة. لم آخذ كلامه هذا على محمل الجد لأني كنت في عمر ومرحلة ثقافية تقدس الكلمات الفخمة والكتب الصعبة وخصوصا أني من جيل تعلم الثقافة في مدرسة الحداثة التي صدرتها لنا بيروت. راحت الأيام وأنا كل يوم أغث نفسي بقراءة كتب لم ينزل الله بها من سلطان. حتى جاء ذلك اليوم القريب الذي بدأت فيه بالاطلاع على المجلات الشعبية التي تملأ السوق. للأمانة لم أشتر مجلة شعبية واحدة في حياتي ولكنها تصلني بطريقة وأخرى مجاملة من كثير من الناس. كعادة من عاداتي بدأت في تصنيف المجلات في السوق. وأحاول أن أضعها في سياقات ثقافية. فاكتشفت أن هناك أربعة أنواع من المجلات تسيطر على السوق: المجلات الشعبية ومجلات المرأة والجمال والمجلات المهنية مثل مجلات الكمبيوتر، وأخيرا مجلات الدكاكين السياسية اللبنانية. مع ملاحظة قلة المجلات الثقافية. أرجو ألا يطفش القارئ عن تكملة هذا المقال ظانا أني في نيتي أن أتباكى على ضياع الثقافة والفكر أمام هجمة المجلات الهابطة... الخ الخ، وأطالب المسؤولين وأرباب الفكر والثقافة بسرعة التدخل لإنقاذ فلذات أكبادنا. بالعكس فأنا هذه المرة ناوي أمدح المجلات الشعبية ومجلات الجمال والموضة. فما دام كلها مغثة «المجلات الشعبية والمجلات الثقافية» فعلى الأقل مجلات الجمال تقدم لك وجها تتصبح به. بينما المجلات الثقافية تقدم لك صوراً لوجوه عجيبة. فمشكلة كتاب الثقافة أنهم أحرص من عارضات الأزياء على نشر صورهم. والمشكلة الأهم أن كاتب الثقافة لا يكتفي بأفضل صورة من حيث الشكل بل يريد أيضا أن تعكس الصورة عمق التفكير. فتراه إما أن يضع يده تحت ذقنه وهو يتأمل في المجهول أو يقبض على حافة نظارته وكأن فكرة عظيمة تريد أن تنبثق لتنظيم هذا العالم الضارب في الفوضى. أو تراه وأمامه ميكروفون ليمنحك الإحساس بأنه بدأ يتنحنح استعدادا لكلمة ستغير العالم.
ليغفر لي القارئ فقد تزحزحت قليلا عن موضوعي وهو المجلات الشعبية. بعض الناس يحتقرها، ولكني أرى أنها مصدر من مصادر المعرفة. فالتوسع فيها وانتشارها يعطيك بعض المؤشرات على اهتمامات شريحة من شرائح المجتمع. ولكن علينا توخي الحذر من قياس الناس وفقا لهذه المجلات «وكلمة شعبية مظللة هنا». فهناك مؤشرات تقول إن هذه المجلات موجهة للمجتمع المخملي «المخملي يعني الأثرياء المدللين النصف عاطلين». لا أظن أن عائلة في الدخل المحدود أو في الفيصلية «الغالة وليس الفيصلية ناطحة السحاب» يمكن أن تشتري هذه المجلات.
لو كنا في مجتمع على قدر معين من الانفتاح لكان بإمكان أي مؤلف تلفزيوني أن يأخذ من هذه المجلات مواد ويصمم منها مسلسلات على غرار المسلسلات المكسيكية. مسلسلات تقوم عاطفيا على حب لا وجود له تغذيها صراعات وهمية.
فالصور الإغرائية التي تنشرها تلك المجلات تذكي الأطماع المتأججة في المرأة المتخيلة. فهذه المجلات هي التي عززت نشر صور نساء مبرقعات لا يظهر منهن سوى عيونهن مستغلة صورة المرأة المصنوعة من الخيال التي يراها الرجل عندما يطارد امرأة بهذا الشكل. فخيال الرجل الذي صنع المرأة المبرقعة مصدر جيد لقصص حب مكسيكية بمقاييس محلية. المصدر بدقة أكثر هو تلك الأوهام حول شكل هذه المرأة التي يغذ وراءها لحظة المطاردة. لا تهم النتيجة. المهم هو ما يصنعه خياله في لحظات المطاردة. هذه اللحظات تعكس نفسها على صفحات تلك المجلات في شكل قصائد وكلمات رومانسية ورسائل حب، ولك أن تسرد ما تشاء من الأوهام التي تنشرها تلك المجلات. «وش رأيكم خلونا نتقاط ونسوي مسلسل مكسيكي سعودي» المادة جاهزة.
فاكس: 4702164 |