دأبت «السياسة» الحكيمة في نظام إدارة المجتمعات، وإدارة الأفراد على اتخاذ «أيسر وأبلغ» الطرق، والوسائل كي تصل إلى «قناعة الآخر»، والوصول إلى قناعة الآخر هو التوطيد الفعلي لأسس النجاح في بناء الأساس للعلاقات ومن ثمَّ لنجاح المقاصد في مدِّ جسور التعامل على أي شيء يكون، بما فيه التبادل بأنواعه المختلفة... سواء التبادل الاقتصادي، أو الفكري، أو العلمي... أو أيَّ نوع منه...
وكان لذلك ما عرف عن العرب من بُعْد النظر، في الوسائل التي يقيمون عليها وبها علاقاتهم مع بعضهم منذ أن كان النظام القبلي يسود جزيرة العرب، إذ يتبادلون «الحوار» عن طريق «الوفود»، بدءاً بالشخص المحاوِر الذي ينقل الرأي للآخر، ويفاوِض في وجهات النظر، ويملك القرار، لأنَّ المسافات كانت شاسعة، وليس هناك وسائل اتصال لنقل التفاصيل، فيتولى «الموفود» قدرة اتخاذ القرار...، من هنا كان العرب يختارون من يوفِدُونه اختياراً دقيقاً بحيث يكون لديه بُعد النظر، والحصافة، وسرعة البديهة، وقوة الحجة في المنطق، وحسن التعبير، والقدرة على التعبير، والفِطنة، والسياسة... والحكمة... إلى جانب الفروسية في التعامل مع وسيلة النقل، وحسن التخلص في الوقت المناسب، و...
بناء على ذلك أطلق العرب حكمتهم: «أَرسل حكيماً ولا تُوصِه» لأنَّ اختيار الممثِّل لقومه إن تمَّ على بيِّنة فلا يستدعي الأمر أن يوصى لأنَّه سوف يكون قادراً على اتخاذ القرار حسب الموقف، والتصرف بما يمليه الموقف...
ومن حكمة العرب أن نهجهوا على الفطرة فلقد كان الرسل والأنبياء كذلك يفعلون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثرهم حكمة، وأبعدهم نظراً، وأشدهم عزيمة، وأبلغهم حجمة وأعمقهم وعياً، فلقد نهج في سياسته على إيفاد الوفود، وحُسن اختيار الأفراد لهذه المسؤولية، حتى انتشر الإسلام، وعمَّ أرجاء الأرض...، وبلَّغ فأحسن التبْليغ، وهدى فأنجز الوعد...
ومضت سياسة هذه البلاد على حكمة الحوار...
وبهدوئها المعهود...، وبحكمتها الصامتة...
وفي الأيام الأخيرة نهجت نهجاً سياسياً يعزِّز إيمانها بأهمية الحوار، وبأهمية حكمته في تبادل الوفود لتصويب الموقف، ولايضاح الحقائق، وللمجادلة في وعي، بلغة القوم دون وسائط ترجمة، ودون حواجز... فأوفدت الوفود، وعزَّزت النِّية لهذه الأمة أن تكون على نهج رسولها المبين...
والجميل في ضوء هذه الأحداث أن يكون ضمن الوفود عناصر نسائية شُهد لها بالوعي وقدرة الحوار، وحجة المنطق...
ولعلّها أن تكون بادرة جيدة أن تختار من النساء أقدرهن على ايصال رسالة الدعوة المحمدية لنساء الأرض حين يكون في وفود التوعية، ونشر الدين، والدعوة بين نساء العالم عناصر جيدة من الداعيات في وفود رابطة العالم الإسلامي، وندوة الشباب، وكافّة الجهات التي تعمل على نشر الحق والعلم ورسالة الحق...
إنَّ الأَوْلى أن تقوم هذه الدولة الحكيمة بهذه الرسالة وقد هيأ الله لها من العناصر البشرية من يمكنه أن تسند إليه ثقة الحوار، وقدرة المنطق، وسلامة الموقف، حيث هو هذا النهج السليم... لما للحوار المباشر من الأثر الفعَّال في ضوءِ ما يتطلَّبه منا ديننا الحنيف وفق امكاناته الناصعة، وبلاغته القوية، ومحجته البيضاء.
فاللَّهم ألهم كلَّ لسانٍ صدقَ القول...
وكلَّ محاورٍ حجَّة المنطق...
والثَّبات على ما تحب وترضى...
|