Saturday 9th February,200210726العددالسبت 26 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

المِنْبَر.. والبَنْك
أنور عبدالمجيد الجبرتي

* ألقى الإمام الخطيب خطبة قوية يوم الجمعة عن النظام الاقتصادي العالمي، والأزمات التي يمر بها، وتأثير ذلك على اقتصاديات الدول الإسلامية. ولكن حجر الأساس في خطبته كان عمَّا أسماه بنظام البنوك الربوية، أو ما يُعرف، اصطلاحاً بالبنوك التقليدية، ودورها في هذه الأزمات، وعدم شرعية معاملاتها القائمة على الفوائد.
* كاتب هذه السطور ليس فقيهاً، ولا يدَّعي ذلك، كما أنه لايتصدى للإفتاء في مثل هذه الأمور البالغة الأهمية، أو حتى في أمور أقل أهمية من ذلك. فللفقه والإفتاء، رجالهما المؤهلون والقادرون، والمباركون بعون الله.
* ورغم أنني اطلعت على بعض الآراء الفقهية حول جواز تقاضي الفوائد على ودائع البنوك من فقهاء مسلمين معروفين، كما أن هناك آراء مختلفة عن العمليات البنكية التقليدية على اختلافها إلا أنها ستظل تمثل الأقلية، إذ يبدو أن هناك شبه إجماع فقهي على تصنيف الفوائد البنكية، والإقراض البنكي التقليدي على أنه تعامل ربوي غير شرعي.
* البنوك التقليدية في العالم الإسلامي قائمة ونشطة، وقد تم تأسيسها والسماح لها بممارسة أعمالها بناءً على أنظمة وقوانين وإجراءات رسمية تصدرها وتصادق عليها الجهات المختصة.
* وهذه البنوك أصبحت عنصراً أساسياً من عناصر الاقتصاد الوطني لجميع الدول الإسلامية، يُعتمد عليها في تمويل كثير من أوجه النشاط الاقتصادي بما في ذلك، بالطبع، التجارة الخارجية.
* والأهم من ذلك كله، أن هذه البنوك تستحوذ، تقريباً، على معظم السيولة النقدية، ويمكن لها، وفقاً لضوابط معينة أن تساهم في خلق النقود وتدميرها وبالتالي التأثير على الطلب الإجمالي في الاقتصاد الوطني، بكل ما يعنيه ذلك من نتائج على البطالة، والتضخم، ومستويات النشاط الاقتصادي ومعدلات النمو، وهذا دور قوي له دلالاته الاجتماعية والسياسية، خاصة في زمن يكاد يكون فيه البعد الاقتصادي العنصر الأهم، في الاستقرار السياسي والاجتماعي.
* هذا الدور الإستراتيجي للنظام البنكي يجعلنا نطرح سؤالاً أساسياً حول التناقض بين فكرة البنوك التقليدية، وأنشطتها، وبين نظام القِيَمِ، العام في مجتمعاتنا؟ هذه مؤسسات تحتل موقعاً بارزاً في الاقتصادالوطني، وتضطلع بمسؤوليات جسيمة، وتحكم قبضتها على تلابيب المؤسسات الاقتصادية، وتسيطر على عصب الحياة في المجتمع.
ومع ذلك فهي مؤسسات يتم لَعْنُها على المنابر، وتحذير المجتمع من أخطارها وآثامها، وحث المؤمنين المتقين على تجنب التعامل معها.
* المنبر له مكانته الدينية والأخلاقية الفاضلة، والبارزة، المؤثرة، في مجتمعاتنا. والبنك التقليدي له وضعه الاقتصادي الهام، وحساسيته البالغة في اقتصادياتنا.. وهذا التنافر البالغ بين المنبر، والبنك له آثار سلبية بالغة على الاوضاع الاقتصادية، وعلى قدرة المؤسسات المالية على القيام بدورها الحقيقي المتوقع.
* إنني استطيع القول بأن هذا الوضع المتناقض، يجعل من البنوك، في كثير من الأحيان، عقبة كبيرة من عقبات النمو، وعبئاً ثقيلاً على الاقتصاد والمجتمع وثقباً هائلاً أسود في الكون الاقتصادي الوطني، هذا الوضع الأعرج يجعلها أكثر فعالية في تدمير النقود بدلاً من خلقها، وفي امتصاص الحيوية من الاقتصاد بدلاً من ضخ الحياة في شرايينه، وفي اختلال البنية الاقتصادية بدلاً من انسجامها وانسيابها.
* الظروف الاقتصادية الحرجة التي تمر بها اقتصاديات الدول الاسلامية، وإجراءات الاصلاح الاقتصادي التي تتبناها تلك الاقتصاديات، تتطلب مؤسسات تمويلية فعالة ورشيدة وقادرة.. ومن دون هذه المؤسسات لن يتمكن القطاع الخاص من أداء دوره المتوقع، ولن يتمكن الاقتصاد الوطني من توزيع موارده توزيعاً فعالاً، واستخدامها استخداماً أمثل.
* على سبيل المثال، هناك أعداد هائلة من القدرات الاقتصادية الواعدة، مؤسسات وأفراداً، لديها الأفكار الجيدة، والتنظيم المناسب، والاستعداد لبذل الجهد، تأسيساً وإدارة، ولكنها لاتجد التمويل المنظم، الميسر، وبشروط وتكلفة معقولة لكي تحقق إمكاناتها. وهذا سيُفوت على الاقتصاد الوطني فرص إنتاج وتوظيف هائلة.
* ستُجيب القيادات البنكية في بعض الدول، بأنه في غياب غطاء قانوني وقضائي لن تتمكن من ممارسة دورها التمويلي الفعال، والمساهمة في بناء اقتصاد قوي.
* والنتيجة بالطبع هي «شفط» السيولة المحلية، واستثمارها خارج المجال الاقتصادي في أدوات ووسائل استثمارية أجنبية متنوعة، أو تجميدها، وحرمان الاقتصاد منها.
* هذه ليست فتوى شرعية أو رأياً فقهياً، في موضوع الفوائد والمعاملات البنكية التقليدية، وإنما هي دعوة إلى البحث عن حل لهذه المعضلة المكلفة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.
* يجب أن يتوفر حد أدنى من الانسجام والتوافق بين المنبر، والمؤسسات التمويلية تقليدية وغير تقليدية.
* أو هي دعوة إلى الانسجام والوئام بين المجتمع وبُنوكِه.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved