لقد سبق وأن أشرنا إلى أن الإنسان يعد أرقى مخلوقات الله سبحانه وتعالى تطوراً على أرضه.
وذلك بما منحه خالقه من عقل وفكر، وقدرة على النطق والتحدث والتخاطب بلغة مفهومة، وقدرة على بناء حضارته، إلى غير ذلك من الصفات والخصائص الفريدة التي يتميز بها عن المخلوقات الأخرى. إضافة لذلك فقد منح الله جلت قدرته الإنسان تركيباً جسمياً متميزاً وفريداً. والإنسان عبارة عن جسد وروح.قال أبو الطيب المتنبي في قصيدة قالها ارتجالاً يودع بها ابن طغج:
ماذَا الوَداعُ وَداعَ الَوامِقِ الكَمد
هَذَا الوَداعُ وَدَاعُ الرّوح للجَسَدِ
يقول العكبري في شرح هذا البيت: المعنى: يقول: ليس هذا الوداع ودَاع المحب الكمد، بل هو وداع الروح للجسد.
ورد في لسان العرب لابن منظور: الروح: النفس، يذكر ويؤنث، والجمع، الأرواح.
التهذيب: قال أبو بكر الأنباري: الروح والنفس واحد، غير أن الروح مذكر والنفس مؤنثة عند العرب. وقال الفراء: والروح هو الذي يعيش به الإنسان. ويقول الهيثم: الروح إنما هو النفس الذي يتنفسه الإنسان، وهو جار في جميع الجسد، فإذا خرج لم يتنفس بعد خروجه، فإذا تتام خروجه بقي بصره شاخصاً نحوه، حتى يغمض، وهو بالفارسية«جان».
والجسد: جسم الإنسان، ولايقال لغيره من الأجسام المغتذية، ولايقال لغير الإنسان جسد من خلق الأرض. والجسد: البدن.
لقد أشار أبو الطيب في بيته السابق أن الإنسان مكون من روح وجسد، فإذا ذهب الروح بقي الجسد.
ويتركب جسم الإنسان من أجهزة عديدة، كل جهاز منها يقوم بأداء وظيفة معينة به، ونتائج هذه الوظائف العمليات تشترك مع بعضها البعض ليقوم الجسم بعمله على أكمل وجه. فالجهاز الهيكلي أو العظمي عبارة عن شبكة متصلة من العظام تعطي الجسم شكله.
وتغطي أو تكسي هذه العظام بالعضلات اللحم ويقوم الجهاز الهيكلي بحماية ووقاية الأعضاء الداخلية لاسيما الرقيقة والحساسة منها، كالمخ، والقلب.. ويرتبط الجهاز العضلي مع الجهاز العظمي ويعملان سوياً ليتمكن الجسم من الحركة. وقد أشار شاعر العربية الفذ أبو الطيب المتنبي إلى هذا الترابط حيث قال في قصيدة يمدح بها المغيث بن علي العجلي:
قَبيلٌ يَحْمِلون من المعَاني
كَما حَمَلتْ من الجسد العِظامُ
يقول العكبري في شرح هذا البيت: القبيل: الجماعة، تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى. والجمع: قبل، ومنه قوله تعالى«وحشرنا عليهم كلّ شيء قبلا» قال الأخفش: أي قبيلاً قبيلا. والقبيلة: واحدة قبائل الرأس، وبه سميت القبيلة. واحدة قبائل العرب، وهم بنو أب واحد. والمعنى: يقول: إن المعالي المشتملة عليهم اشتمال اللحم والجلد على العظام، وهم للمعالي كالعظام للأجساد.
وقال المتنبي أيضاً في قصيدة يرثي بها جدته لأمه:
وَإني لَمِنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفُوسَنا
بها أنَفٌ أن تَسْكُنَ الَّلحْمَ والعَظما
يقول العكبري عن هذا البيت: الأنف: الاستنكاف من الشيء. والمعنى: يقول: أنا من قوم يأنفون من العار، فكأن نفوسهم تستنكف أن تبقى مجاورة للحمها ودمها، بل يحبون القتال، فيسارعون إلى الحرب، فكأنهم لايحبون نفوسهم، بل يبذلونها طلباً للمجد.
لقد ربط شاعرنا المتنبي في بيته هذا بين العظام واللحم والنفس، فالعظام واللحم هي في مفهومها العام الجسد، أما النفس، أو الروح فهي سر الحياة في هذا الجسد وأمرها عند خالقها.
وهناك أيضاً في جسم الإنسان الجهاز التنفسي، والجهاز الدوري الدموي اللذان يكمل عمل كل منهما عمل الآخر، كما أن هذين الجهازين يقومان معاً بعمل مشترك لتوزيع المواد الغذائية على أنسجة الجسم، وإطلاق الطاقة ليتمكن الجسم من النمو وإعادة بناء أنسجته التالفة، أما الجهاز البولي فيقوم بتخليص الجسم من كثير من المواد الضارة التي تنتج من عمليات التحول الغذائي. أما الجهاز التناسلي فبواسطته يتمكن الإنسان من التناسل وتكرار الذات. وهو يقوم أيضاً في الأنثى بوظيفة حماية الجنين خلال فترة الحمل حتى يتم تخليقه وتكونه بإذن الله ويتهيأ للخروج إلى هذا العالم. أما الجهاز الهضمي فبواسطته يستطيع الإنسان تناول غذائه وطرد فضلاته، وهناك أيضاً الجهاز الغدي المكون من العديد من الغدد الصماء عديمة المجاري، وهذه الغدد تقوم بإفراز مواد كيميائية معينة تسمى الهرمونات إلى الدم. وتتحكم الهرمونات في النمو والنشاطات العامة، ومنها النشاط الجنسي والمساعدة على إفراز الخمائر الأنزيمات الهاضمة وغيرها، والتي تقوم بوظائف أخرى متعددة. أما جهاز الإنسان العصبي فيتحكم في جميع هذه الأجهزة، ويتيح أيضاً للإنسان القدرة على الإحساس بالبيئة المحيطة به والإستجابة لها، كما يعطيه القدرة على التفكير، ويجعله يقرر نوع العمل الذي يقوم به. وتعمل هذه الأجهزة المختلفة جنباً إلى جنب في تناسق تام، ليقوم الجسم بعمله على الوجه المطلوب، وكل جهاز من الأجهزة السابقة يتكون من أعضاء معينة عديدة.
ولقد تطرق شاعرنا أبو الطيب المتنبي إلى جميع أجهزة جسم الإنسان تقريباً، مع إشارته في بعض الأحيان لأهمية بعض الأجهزة بالنسبة للأخرى، كذلك فقد تطرق شاعرنا إلى الشكل الظاهري الخارجي للإنسان، ولم يغفل أي شيء فيه على وجه التقريب.
قال أبو الطيب في قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
1 تَحْمِلُ الرّيحُ بَيْنَهُم شَعَرَ الها
م وَتُذِري عَلَيهمُ الأوْصَالا
2 تُنْذِرُ الجِسْمَ أن يُقيمَ لَدَيْها
وتُريه لِكُلِّ عُضْو مثالا
3 أبْصَروُا الطَّعْنَ في القلُوب دَراكاً
قَبْلَ أنْ يُبصُروا الرّماحَ خَيالا
يقول العكبري في شرح البيت الأول: تذري: تنثر وتفرق. والأوصال: جمع وصل، ويريد به العضو. والمعنى: يريد أنه لم يبعد عهد القتلى بهذا الموضع، فالريح تحمل شعورهم وأوصالهم موجودة هناك، والريح تلقي عليهم أعضاء المقتولين. ويقول العكبري عن البيت الثاني: المعنى: تنذر بالأوصال الجسم، بأن يصير مثلها، ويقيم لديها في مثل حالها، وتريه لكل عضو من أعضائه، مثالاً شاهداً ونظيراً حاضراً. ويقول العكبري عن البيت الثالث: الدراك: التتابع. والخيال: ما يرى على غير حقيقته. والمعنى: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: أبصروا الطعن في قلوبهم، دراكاً خيالاً قبل أن يروا الرماح يريد: لشدة خوفهم يقصد الروم تصوروا ما صنعت بهم قديماً، فرأوا الطعن تخيلاً في قلوبهم، قبل رؤية الرماح حقيقة.
لقد أشار الشاعر في أبياته الثلاثة السابقة إلى بعض أعضاء الجسم، فذكر شعر الهام، وهي جلدة الرأس، والقلوب، والأعضاء الجسمية بصورة عامة.
وقال المتنبي أيضاً في قصيدة يمدح بها علي بن أحمد المري الخرساني:
خَيْرُ أعْضائنا الرّؤُوسُ وَلكِنْ
فَضَلَتْها بِقَصْدِكَ الأقْدَامُ
يقول العكبري في شرح هذا البيت: المعنى: يقول: الرأس خير عضو في الإنسان، لأنه مجمع الحواس، وفيه محل العقل، ولكن صارت الأقدام أفضل منها لقصدها إياك.إن إشارة شاعرنا المتنبي في بيته هذا إلى أهمية الرأس في الإنسان بالنسبة لغيره من أجزاء الجسم الأخرى، هو حقيقة علمية لاجدال فيها، فالرأس هو مستودع المخ الذي هو أهم عضو في جسد الإنسان، وفيه العقل «سنتطرق للعقل لاحقاً». إضافة إلى اشتماله على الحواس المهمة للإنسان وهي النظر والسمع والإحساس والتذوق والشم.
وقال الشاعر أيضاً في قصيدة قالها في صباه:
فَتَركْتَهُم خََلَلَ البُيُوتِ كأنما
غََضبتْ رُؤُوسهُمُ على الأجْسَام
يقول العكبري عن هذا البيت: خلل البيوت: هو حشو، أو فيه التنبيه على غزوهم من خلال دورهم. والمعنى: يقول: لما عصوك عصو الممدوح غزوتهم في دورهم ومواطنهم، وفرقت بين رؤوسهم وأجسامهم.
نلاحظ في بيت شاعرنا هذا أنه ربط بين الرأس والجسد، فإذا انفصل الرأس عن الجسد، فلا يبقى بعد ذلك حياة، فالرأس عبارة عن صندوق عظمي مجوف الجمجمة يحتوي كما ذكرنا على المخ والعيون والآذان، وهي من أهم أعضاء جسد الإنسان، حيث يقوم هذا الصندوق العظمي الصلب بحمايتها حماية تامة، حيث ان الجمجمة مكونة من عدة أنواع من العظام ملتحمة مع بعضها البعض التحاماً وثيقاً. وقد ورد ذكر الجمجمة كثيراً في شعر شاعرنا.
قال أبو الطيب في قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
إذَا ما سرْتَ في آثارِ قوْمٍ
تَخَاَذلَتِ الجَماجِمُ والرّقابُ
يقول العكبري في شرح هذا البيت: المعنى: قال الواحدي: قال ابن جني: التخاذل: التأخر، وإذا تأخرت الجمجمة والرقبة تأخر الإنسان، أي لما سرت وراءهم وراء الأعراب كأن رؤوسهم تأخرت لإدراكك إياهم، وإن كانت في الحقيقة قد أسرعت. وقال أبو الفضل العروضي: ما أبعد ما وقع من الصواب. وتخاذل الجماجم والرقاب: هو ان يضربها بالسيف فيقطعها ويفصل بينهما، فتتساقط، فكأن كل واحد منها خذل صاحبه، وقد رجع أبو الفتح إلى مثل هذا القول، فذكر قريباً من هذا المعنى. وقال الواحدي: والذي عندي في معنى هذا البيت غير ما ذكرناه، وهو أنه يقول: إن الرؤوس تتبرأ من الأعناق، والأعناق منها خوفاً منك، لا يبقى بينهما تعاون، كما قال«أتاكَ يكادُ الرأس يجحَدُ عُنْقَه».
لقد أشار الشاعر في بيته هذا إلى الرأس والعنق، والعنق هو العضو الموصل مابين الرأس وبقية الجسم، إضافة لذلك فقد بيَّن شاعرنا أنه عندما ينفصل الرأس عن العنق فهذا يعني الموت السريع.