Saturday 16th February,200210733العددالسبت 4 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

آفاق وأنفاقآفاق وأنفاق
لقاء شعري بين الشاعر أحمد شوقي والشاعر السعودي فؤاد إسماعيل شاكر(3 3)
د. محمد العيد الخطراوي

يظل العنوان الذي يشمل هذه الحلقة والحلقتين السابقتين هو: (الحجاز في الشوقيات)، ولقد أشرت في الحلقة رقم (2) إلى عكاظية شوقي، وتصدي الشاعر فؤاد شاكر لها، ووعدت بأن نعود لتناول الموضوع بشكل منفرد. قال شوقي في حفل تكريمه ومبايعته بإمارة الشعر، وقد أشار إلى غياب (الحجاز) بلد العروبة والشعر عن حضور هذا الحفل:


(يا عكاظاً) تألق الشرقُ فيه
من فلسطينه إلى بغدانه
افتقدنا (الحجاز) فيه، فلم نَعّ
ثُرْ على (قسِّه) ولا (سحْبانه)
حملت (مصر) دونه هيكل الدي
ن، وروحَ البيان من فُرقانه

ويبدو أنه لم يكن حفلاً واحداً، بل حفلات، كما أن اللجنة المنظمة نسيت أو تناست دعوة الشعراء الحجازيين، بينما لم تنس الآخرين. يقول فؤاد شاكر: (في عام 1927م) أقيمت بمصر حفلات لتكريم أحمد شوقي بك أمير الشعراء رحمه الله، اشترك فيها العالمان: العربي والإسلامي، ولم يشترك (الحجاز في هذه الحفلات) الديوان ص207/ وبعد أن أورد أبيات شوقي قال: (وعقب الاحتفال مباشرة قدمت له هذه القصيدة التي نالت تقديره واعجابه)، وفيما يلي سنرتحل مع جلّ هذه القصيدة، بلغ عدد أبياتها اثنين وأربعين بيتاً، مقسمة إلى خمسة مقاطع، خاطبه في القطع الأول بأمير النهى، وفي الثاني يشيخ القريض، وفي الثالث بأمير النهى، وفي الرابع بفتى القريض، وفي الخامس بأمير القريض، يقول فؤاد شاكر (1323 1392ه):


يا أمير النُّهى، وربَّ بيانه
هذه روضة وأغصان بانه
أنت رب البيان لا فخرَ ياشو
قي، وربُّ السباق يوم رهانه
من يباريك يا أمير القوافي
أو يباري النُّهى وإعلاءَ شانه.؟
رُبَّ شعر أتيت بالسحر فيه
رُقيةً أو تميمةً من بيانه
صغتَ فيه (اليتيم) سمطاً نضيداً
نسقتْ بينه دراري جمانه

(النُّهى: جمع نُهية، قال تعالى: {إنَّ فٌي ذّلٌكّ لآيّاتُ لأٍوًلٌي النٍَهّى"} [طه: 128] فهي تعني: العقول، ولكنه كغيره من شعراء أكثر هذا العصر يستعملون الجمع مكان المفرد، ويصنعون ذلك أيضاً في الدجى مكان الدُّجيَة.
فهكذا تعامل مع المفردتين حمزة شحاتة، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، ولكن شاعراً مثقفاً ثقافة لغوية رصينة كمحمود حسن إسماعيل، لا يقع في مثل هذه الهنات، ولتهالُكِ شاعرنا على شوقي لم يكتف بتلقيبه بلقب واحد، بل أهالها عليه من غير حساب، وفي كل صوب، فهو أمير النهى، وهورب البيان، ورب السباق الأدبي، وأمير القوافي، وشيخ القريض.. إلى غير ذلك، وهو ضرب من التفاهة في التعبير، كما أن فكرة تنصيب أمير للشعراء في حد ذاتها فكرة سخيفة، نابعة من ثقافة العهد التركي الذي كانت تعيشه البلاد العربية، والذي كان يجعل شيخاً للكنّاسين، وآخر للفراشين، وآخر للسراجين، وهكذا... ويُحكى في هذا الصدد أن أحدهم بعد أن أحيل إلى التقاعد، وانتهت علاقته بالدولة، لم يستطع أن يقاوم إحساسه بالفراغ، كما لم يدْر كيف يشبع رغبته في التسلط على رقاب الناس، فابتكر طريقة ظاهرها حب الخير للناس، وباطنها شرّ يشبع به غرائزه الشريرة في اخضاع الناس لأوامره، أقام سبيلاً للوضوء في طريق المارة بقرب أحد المساجد وجمع لأجل ذلك اباريق ملونة ملأها بالماء فإذا أخذ المتوضئ الابريق الأزرق سحبه منه وأمره بأخذ الأصفر، وإذا أخذ أحدهم الأحمر، أمره بأخذ الأخضر، وهكذا.. حتى قال الناس المثل المشهور: (إمارة أباريقية). إن الشعر شيء آخر، لا يقبل التأمير ولا المؤامرة، فكل شاعر أمير نفسه، وأمير شعره، ولا أدري بأي عقلية انعقد لواء الإمارة بالشعر لشوقي، ولا كيف قبل هو هذه المهزلة؟ وليحمد الحجازُ الله ان لم يوجد من مثله فيها، إما ما يقوله شاعرنا فؤاد شاكر هنا فمجرد مجاملات تتم عادة في الجلسات الخاصة وفي الكواليس، وكأني ببعضهم تحمرَّ عيناه حماسة لشوقي رفقاً أعزائي، فشوقي شاعر كبير، توّج نفسه في قصره (كرمة ابن هانئ)، وليس في حاجة إلى تتويج أو تأمير، فالاعتراض ليس على شخص شوقي، وإنما على فكرة البحث عن أمير للشعر. ويواصل الشاعر بنا رحلة الإعجاب بشوقي وشعره فيقول:


إيه شيخ القريض.. عذراً، وعفواً..
جئتنا بالبيان عن عنفوانه
قد شجاني ما قلتَ أمسِ من الدّرِّ
الذي جلَّ روعةَ في افتنانه:
(يا عكاظا تألق الشرق فيه
من فلسطينه إلى بغدانه
افتقدنا الحجاز فيه فلم نع
ثرُ على قسّه ولا سحبانه)
انت حمّلتَ دونه هيكل الفُصْ
حَى، وشدْتَ الأساس من بنيانه
إنما العلم في رياضك كرْمٌ
طاب عصراً، وأنت ربُّ دنانه

ثم ينطلق شاعرنا في تدفق عاطفي رائع، باكياً أمجاد العروبة، مؤكداً أن سبب التخلف الأدبي مرتبط بالتخلف العلمي العام الذي كانت تعاني منه الأمة العربية آنذاك، سواء الحجاز أم غيره، على درجات مختلفات:


قد بكينا فقدَ العروبة مما
غالها الجهلُ من ضروب زمانه
ووقفنا على أُرومتها نَْز
رف دمعاً يسحّ في تهتانه
أين منها وهمُّها كل همّ
زمن المجد وهو في ريعانه؟
وطني مسّه الأذى في صميم ال
علم، فانبتّ منه عقدُ أمانه
مسّه الضرُّ في بنيه فأضحى
تتنذّى الليوث في قضبانه

هكذا يواصل فؤاد شاكر بحس عربي وطني حجازي، نثر مشاعره، والبكاء على حاضر أمته، مذكراً بماضيها المجيد، حاصراً أسباب الكبوة في الجمل، وأسباب النهضة في العلم:


أين ما كان فيه من يانع الع
م، ومن روضه، ومن عقيانه
وارف الظما، يا سعد الدوح، تجري
فيه أمواجه على كثبانه

إلى أن يقول:


يا أمير النهى ورب القوافي
قم، فواس (الحجاز) عن أشجانه
ان تحتك (الحمراء) مما عداها
ورماها العتوّ من أعنانه
أفلا تنظر (الحجاز) وقد دا
لت أزاهيره وشمُّ رعانه؟
فابك يا فتى القريض قليلا
بفؤاد القريض، لا أجفانه

وعفوك أيها القارئ الكريم فإن ضيق المكان يضطرنا إلى الاختزال، وأحياناً يحملنا على تقطيم الموضوع وقصقصة أجنحته، على طريقة بيدي لا بيد عمرو، ولعل لنا عودة إلى الموضوع بشكل موسع في مناسبة أخرى إن شاء الله.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved