كثيراً ما يتمنى بعض الناس أن تعود الأيام سيرتها الأولى ويتحسرون عليها.. ويتعايشون مع ذكرياتها لأنها كانت قد امتلأت لديهم بمشاعر السعادة والسرور.. غير أن المؤرخين هم الفئة التي تستطيع أن تقف على الحقب التاريخية المتميزة في حياة البشر تبين ايجابياتها وسلبياتها وتترك لغيرهم مشاعر التعبير والاحساس.. وإن اختلف المؤرخون حول بعض الوقائع تفسيراً وتحليلاً إلا أنهم يتفقون على الأمور الواضحة التي تكرر تأكيد أحداثها وتواتر وقائعها.
وإذا طالعنا تاريخ جزيرة العرب قبل الحكم السعودي المجيد الذي بدأه صقر الجزيرة الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه أقول إذا طالعنا ذلك التاريخ وجدنا اجماعاً كاملاً على الحالة المتردية للأمن الذي انعكس بسلبياته على حجاج بيت الله الحرام قبل مجيء الملك المؤسس الذي جعل أمن الحجيج هدفاً أساسياً للدولة التي أقامها على مبادئ الدين الحنيف.
فلقد أسهب المؤرخون في وصف المعاناة الأمنية للحجاج قبل العهد السعودي الميمون فقال بعضهم: «كانت الحياة في الحجاز قبل العهد السعودي صعبة لا تحتمل، مئات الحجاج يُسلبون ويُقتلون كل عام، والجرائم مألوفة، فالحاج يقتل طمعاً في قلنسوته، وكانت السرقة منتشرة كالوباء، فما من طريق آمن، وما من قرية في منجى من السالبين».
إن هذا الوصف المخيف لأمن الحجيج قد جعل المثل يسود بينهم فيقولون كما يسجل بعض المؤرخين: «الحاج مفقود والعائد مولود» وهذا الوصف الموجز للأمن بصفة عامة ولأمن الحجاج بصفة خاصة قبل الملك عبدالعزيز رحمه الله يجعلنا اليوم نقف بكل فخر واعتزاز وقبل ذلك بشكرٍ خالص لله سبحانه وتعالى أن مكَّن للملك عبدالعزيز أن يقيم شرع الله ويبسط مظلة الأمن والأمان في ربوع هذا الوطن.
وما أدراك ما هذا الوطن الذي تتسع مساحته وتترامى أطرافه وتمتد سواحله ويضم بين جنباته العديد من الجنسيات المتنوعة التقاليد والعادات واللهجات والطباع بما يلقى بالأعباء الجسام على رجال الأمن ويزيد من مسؤولياتهم.
.. ورغم كل هذه الظروف توفَّر الأمن على أرض المملكة العربية السعودية بصورة لا يشهد العالم لها مثيلاً أو مرادفاً ومشابهاً.. وصار الحجاج في ظل هذا الأمن الفريد آمنين على أنفسهم وعلى أداء مناسكهم والتفرغ لما جاؤوا من أجله وتركوا في سبيله أوطانهم وأهلهم.
رحمك الله يا مؤسس هذا الكيان.. وأثابك خيراً على ما قدمت فقد صار الحج إلى بيت الله الحرام رحلة سهلة وميسرة.. فهاهم أبناؤك البررة سائرون فجعلوا من خدمة الحجيج شرفاً لا يدانيه شرف.. وجعلوا أمنهم وسلامتهم هدفاً سامياً وغاية نبيلة.. بذلوا من أجلها ما يشهد العالم المنصف بعظمته.. وسهروا طويلاً وكثفوا الجهود لينال كل حاج ما ينشده من أمن واطمئنان.. وجعلوا من خدمة الضيوف الكرام قصة عطاء سيظل التاريخ يسجلها في صفحاته الناصعة البياض ويحكيها على مدى الزمن في قصص الخير والعطاء والوفاء.. ولا يريد قادة هذا الوطن مما يقدمونه في مجال خدمة الحجيج ثناءً أو مديحاً.. أو ينتظرون شكراً أواطناباً فقد كان الملك المؤسس رحمه الله يفخر بأنه خادمٌ للمسلمين.. وهاهو خادم الحرمين حفظه الله يعتز بأنه يحمل لقب خادم الحرمين الشريفين وتقدم حكومته أيدها الله كل ما في وسعها تيسيراً لضيوف بيت الله الحرام، وتسهيلاً لهم لأداء مناسكهم بما يشهد به أولئك الضيوف الكرام.
ويبقى على الضيوف أن يتفرغوا فقط لأداء مناسكهم سائلين المولى أن يتقبل منهم، فلا يشغلهم عن أداء المناسك شاغل دنيوي يباعد بينهم وبين شرف أداء الفريضة فقد صار كل شيء أمامهم مُيسّراً بفضل الله ثم بجهود هذه الدولة الفتية التي تجنِّد كافة طاقاتها لخدمة الحجاج الكرام.
ولذلك يحرص المسؤولون في المملكة كل عام على أن يؤكدوا للحجاج ضرورة تفريغ أنفسهم للعبادة وتخصيص كافة وقتهم لأداء المناسك التي ظلوا في اشتياق لأدائها فلا تشغلهم عنها دنيا زائلة أو أمور مؤقتة أو صراعات دنيوية.. فالتفرغ للنسك في هذه الأيام المباركة حريٌ بأن يجعل المسلم مُتعرضاً لرحمات ربه وغفرانه «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج»، ولذلك ومن أجل أن تستمر مظلة الأمن للحجيج جاءت كلمات صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية واضحة كل الوضوح حيث قال:« نحن على ثقة أن الحكومات الإسلامية تقدر هذه المناسبة.. ولو أراد أحد أن يسيء إلى الأمن وإلى أمن الحج فلن نتردد في مواجهته وبكل قوانا وقدرتنا.. حتى لو قامت مظاهرات تأييد للمملكة فسنمنعها..»
وبهذا الوضوح يكون شرف تحمل هذه المسؤولية العظيمة، مسؤولية أمن الضيوف الكرام في أقدس بقعة على ظهر الأرض.
حفظ الله لنا أمننا وأدام علينا كامل نعمه
إنه نعم المولى ونعم النصير.
|