يشهد العالم كله اهتماماً كبيراً بالتعليم وبنيته ومناهجه، فالتعليم دائما بحاجة الى التطوير والتنويع لمواجهة متغيرات وتحديات العصر، واساليب الحياة وقيمها الجديدة التي ستؤدي بالضرورة الى اهداف جديدة وبنى محتويات جديدة للتعليم والتعلم في بلادنا، حيث انه من المتوقع ان يلعب التقدم العلمي والتكنولوجي، وانماط التوظيف الجديدة دورا مهماً في تشكيل مستقبل التعليم، ولهذا يسعى العاملون في ميدان المناهج وطرق التدريس إلى التوصل الى استراتيجيات واساليب حديثة، تساعد المعلم على ادارة الموقف التعليمي بنجاح، فلم يعد نجاح المعلم قاصرا على تحقيق تلاميذه لاهداف المادة الدراسية التي يعلمها لهم، ولكن نجاحه امتد الى نوعية ما يغرسه في تلاميذه، وماينميه لديهم من سلوكيات واتجاهات وقيم، فالتجديد التربوي عبارة عن محاولات للتغيير في نظام تربوي معين، عن قصد بغرض تطوير النظام القائم، وليس من الضروري ان يكون المستحدث شيئاً جديداً، ولكنه افضل، ويمكن ان يثبت عنه ذلك، فالتغييرات في النظام التعليمي او المناهج المدرسية باعتبارهما من صور التحديث والتطوير تغيرات واقعية يتكرر استخدامها في وصف عملية التنويع او التغيير في كل جوانب المنظومة التعليمية.. وقد تميزت الفترة الزمنية التي تقع في الثمانينات واوائل التسعينات من القرن العشرين الميلادي المنصرم بمحاولات جادة لتجديد التعليم وتنويعه، في كثير من دول العالم المتقدم وبعض الدول النامية، والسعي للخروج به عن النمط الاكاديمي المألوف، اذ اخذت كثير من الدول ومن بينها بعض الدول العربية الى تجريب نماذج جديدة من هذا التعليم كالمدرسة الشاملة، والساعات المعتمدة، والتفريغ والتشعيب والمدرسة التكنولوجية وغيرها، وذلك لمحاولة جعل هذا التعليم اكثر ملاءمة وتجاوباً مع حاجات الافراد ومطالب المجتمع وتحقيق اهدافه في مواجهة التطور والاستجابة لحاجات التنمية في جميع نواحي الحياة وتطوير اطرها البشرية، واعدادها لتجاوز الاختناقات التي تعاني منها في مجال توفير الاطر البشرية المؤهلة القادرة على تحمل اعباء التجديد والتطوير وتوطين الخبرة، والاخذ باساليب التخطيط التربوي في التعامل مع هذه الاطر والارتقاء بالكيف في اعدادها.. واخذ علماء المناهج وطرق التدريس يبحثون ويدرسون ويتوصلون الى نتائج.. فبدأ الاهتمام بدراسة التعاون والتفاعل في الموقف التعليمي، وظهرت دراسات تحليل التفاعل في المواقف التعليمية، وتشجيع المناقشة بين التلاميذ والاهتمام بالاسئلة التي يستخدمها المعلم اثناء الشرح، وانواعها ومستويات التفكير التي تنميها انواع الاسئلة المختلفة.. وسلوك المعلم وسلوك التلاميذ. وقد اثبتت الدراسات ان التعلم يتقدم وتزداد كفايته في المواقف الجمعية عنه في المواقف الفردية فالمجموعات التي تتعاون او تتنافس فيما بينها تزيد سرعة التعلم وكفايته، ومن المعروف ان التلاميذ في التنظيم التنافسي، تشغلهم المنافسة، لتحديد من هو الافضل مما يؤدي الى نمط تفاعل متعارض، اما في التنظيم التعاوني فتتألف اهداف الفرد مع اهداف زملائه في الجماعة، وبالتالي فان سعي الفرد لتحقيق هدفه يدعم ويسهل تحرك زملائه نحو تحقيق اهدافهم، ولقد ثبت ان التلميذ يمكن ان يتعلم من زميل له مثلما يمكن ان يتعلم من معلمه، وفي بعض الحالات ممكن ان يتعلم من زميله اكثر مما يتعلم من معلمه، وان كل مجموعة من التلاميذ يمكنهم ان يتعلموا معا، بحيث يكون الواحد منهم مسؤولاً عن مساعدة زملائه في المجموعة على التعليم، بالاضافة الى مسؤوليته في تعلمه المادة الدراسية، فالتعاون هو موقف تكون فيه العلاقة بين اهداف الفرد واهداف الجماعة علاقة ايجابية وبالتالي فإن تحرك الفرد نحو تحقيق هدفه يسهل تحرك الآخرين نحو تحقيق اهدافهم، حيث تكون اهداف الفرد، هي نفسها اهداف الجماعة.
ويعد التعاون اهم الانماط في التفاعلات والعلاقات الاجتماعية وهو عملية اجتماعية يرجع الاساس في تربية الافراد عليه الى الاسرة اولا ثم البيئة الخارجية، ثانيا لان وحدة المصالح والاهداف قد تؤدي بالافراد الى التعاون لتحقيق المصالح المشتركة، ومن هنا برز التعليم التعاوني كاستراتيجية تعليمية من شأنها زيادة فعالية التعليم وتبنت دراسات عديدة هذا النوع من التعليم بالفحص والبحث والتجريب، وتكاد تجمع هذه الدراسات على ايجابية التعليم التعاوني ليس فقط في التحصيل المعرفي بل ايضا في جوانب التعليم الاخرى، فالتعليم التعاوني ينمي القدرة على تطبيق مايتعلمه التلاميذ في مواقف جديدة، وينمي القدرة على حل المشكلات، وينمي القدرة الابداعية لدى التلاميذ، ويؤدي الى تزايد القدرة على تقبل وجهات النظر المختلفة، كما يؤدي الى تزايد حب المادة الدراسية والمعلم الذي يدرسها، ولاشك في ان المعلم هو العامل الرئيس في نجاح العملية التعليمية ومهما توصلنا الى مناهج جيدة او استراتيجيات تدريس فاعلة.. فلن تنجح العملية التعليمية الا اذا توافر المعلم القادر على تطبيق وتنفيذ كل هذه النظريات، وقد يتصور البعض ان مجرد تقسيم التلاميذ الى مجموعات ومطالبتهم بالعمل مع بعضهم البعض في تعاون يكفي لحدوث التعلم التعاوني، وهذا غير صحيح فهناك فرق بين استراتيجية العمل في مجموعات صغيرة واستراتيجية التعلم التعاوني، والمعلم الكفء هو الذي يستطيع ان يدير الموقف التعليمي بحيث يحقق الاهداف المرجوة وفي حالة التعلم التعاوني عليه ان يحقق اهداف الدرس او الوحدة وعليه في الوقت نفسه ان يحقق اهداف التعلم التعاوني ألا وهي تعليم التلاميذ مهارات العمل في جماعة وبذلك نستطيع القول إن التعليم التعاوني حقق هدفين اولهما: أهداف المادة الدراسية، وثانيهما: تنمية مهارات السلوك الاجتماعي.
كلية التربية جامعة الملك سعود |