والجمال في حقيقته بالنسبة للنفس البشرية ليس مظهرا براقا ورؤى خلابة. لابد لاكتماله من تنقية الذات من شوائبها الباطنية وتطهيرها بلذع يزيل عنها غشاوة القسوة وخشونة الجفوة ويكسبها براءة الرقة والحنان ودفء العاطفة.
ولا يكون ذلك الا بالانغماس في سعير الواقع المتلظي ومكابدة الهموم والبلايا المتلاحقة على الناس من كل جانب.
ان الاحساس بالألم هو المطهر الفعال في تزكية النفوس وبعث البهاء فيها.
وقد كان هذا هو الهم الشاغل لوجدان الشاعر وضميره الغني فلم تقتصر لوحاته الخماسية على التغني بالجمال والحب لترقية الاحساس والمشاعر وانما نراه بين الحين والحين يعرض لجوانب من التعاسة وظواهر من التشوه في جسم الامة ويسلط الاضواء على ملامح القبح ونواحي الضعف بغية الحث على المسارعة الى اصلاح كل ذلك.
فتراه في احدى اللوحات يبكي التخاذل العربي عن نصرة فلسطين ويدمي الفؤاد بصورة القدس «القدس» وهي تبكي «تحت سوط الدنس» ونحن نتآكل من الألم والاحساس بالضعف:
«اطبق بالضعف وصرنا
في فم المفترس»
وفي لوحة اخرى يحارب ظاهرة ازدراء الإنسان لاخيه الإنسان او تناوله بما ليس فيه من اخطاء وعيوب ويدعو الى الكف عن ايذاء الناس بعضهم بعضا فلا نعيّر مخطئا بخطئه ولا عاثرا بعثرته:
«أليس النهج ان نسدى
جميل النصح للضائع؟»
وفي لوحة اخرى خصصها لسرد حملة من العيوب الاجتماعية حفاة على الشوك ظماء وراء سراب مغرور سادر في الزيف والاباطيل مظلوم خانع خذلان الحق وعدم الغيرة من اجله، أليست كل هذه الآفات مجتمعه تمثل اخطر مرض يصيب المجتمع؟ أليست عيبا وقبحا في جسم الامة؟
كيف نسعى الى الجمال
وفينا كل هذا الوبال
افيقوا يا دعاة الحضارة
وامنعوا تلك القذارة
وفي لوحة اخرى:
شغل الوقت بما لا يفيد واهداره في العبث وإلهاء الناس بوعود كاذبة وعدم الانضباط في تصريف الامور..اقنعة..تتخفى خلفها الشخصيات..ولكنها على العكس تبدي مافي نفوسهم من خبث وتعري ما في بواطنهم من نوايا السوء. وان كانت لهم في كل مكان جعجعة وصخب..بالباطل والبهتان كل هذا عبث وهذر كما يقول الشاعر:
«تجديف بلا ابحار»
لا رصيد عندها لخير
ولا امل فيها لرجاء
وهذا هو الداء العياء
وفي لوحة اخرى صورة مفزعة لعقاب الذات..لتقاعسها عن النهوض والارتقاء الى مستوى الاجداد الذين حققوا من المجد ما يذهل الدنيا على تتابع الاجيال..الشاعر يخجل اذا بحث في التاريخ ورأى آثار مجد آبائه الغابر..ويقتله الاسى والاسف لما نحن غارقون فيه من تفكك وتمزق اشلاء.. عاجزون..تصرخ القدس ونحن قابعون مستكنون..ان مأساة القدس هي الجرح الغائر وصمتنا يزيدها نزفا وقتلا.
البلية كل البلية اننا نعترف بجريمتنا ولا نقدر على التخلص منها..والى متى؟ انها لوحة بكاء فهل من عزم..وهل من مضاء
وفي لوحة اخرى لشاعرنا:
في مطلعها يصيح الشاعر:
«تعال دثرني وتعال اليّ دثرني
بضوئك فالشتا قد طال»
الدثار من القشعريرة التي تنتاب الجسد من شدة البرد او من حالة العرى الذي يفضح سوءات الانسان انه ليس عرى الجسد او قشعريرة البدن التي يعاني منها الشاعر إنه عرى الروح وانخساف القلب الذي يئن ويشكو من تلك الآفات والاوصاب التي مني بها المجتمع..كما بين الشاعر في بقية الخماسية انه يطلب الدثار بالضوء..يعني النصيحة، يعني المنهج الاصلاحي السليم، يعني الرأي السديد والفكر الرشيد، انه يتلهف على من يؤازره في القضاء على تلك الظواهر الغبية المتفشية بين الناس ومنها خمود العزائم وانطفاء الهمم.
لم يعد يجدي ان نحاول اشعال نار لا تريد الاشتعال او تعجز عن التوقد..يضيع الجهد هباء.
«كماء تاه في الرمل» تمثيل واقعي ملموس.
لكن ان يقول الشاعر مردفا بصورة اخرى لضياع الجهد الاصلاحي «كفعل الخير في الانذال» فإنه يضع يدنا على عيب خطير وينبئ عن معاناة سابقة له جرب فيها جسامة الصدع الاخلاقي لدى من لا يقدرون المعروف والاحسان..واولئك هم الانذال.
وكذلك يعبر عن استيائه لرؤية المغرور الذي يختال بالباطل والزور..انها حالات مرضية ندعو الله ان يزيلها عنا
وفي لوحة من لوحات شاعرنا:
يوضح الشاعر ان العلاج لن يكون الا بالاستعانة بالله..يعني بالسلوك الروحي والوازع الديني وبالايمان ثم بالحب..وهو يعني بالحب هنا الطريقة الحضارية والمعاملة الانسانية والعلاقات الطيبة..بالله والحب يمكن ان نحقق اصلاحا.
يقول في مطلع الخماسية:
«ولولا الله ثم الحب
كيف نقاوم الإغراء»
اغراء الملذات ومتع الحياة الدنيا الزائفة نحتاج في مقاومته الى نفس قوية تستمد عونها من بارئها ومن نعمة الحب..عاطفة الحب التي تذيب كل صعب كؤود.
ولولا الله والحب ما نجحت مساعينا في محاربة انهيار النفس وصغارها، اتباع الزور والتمويه، والاهواء الطاغية التي تقود الى الفساد..
ثم لا تضيع منه دمعة يذرفها من اجل القدس وفلسطين..في البيتين الاخيرين ادماجا لها مع الوطن الأم وكأنها وهي كذلك جزء منا، قطعة من ارضنا..انه يقول:
«وكيف نقاوم التضليل
والتجويع والقهرا
ونؤمن ان عرس القدس
يرجع مرة اخرى»
بالحب لله..الذي يقوي عزائمنا ويؤيدنا بنصره، وبالحب بيننا..الذي يملأ قلوبنا شعوبا وحكومات باذن الله سيرجع عرس القدس مرة اخرى.
وفي لوحة اخرى تمثل صورة للتفاؤل والرجاء والمعاملة السوية مع الناس والتصرف العاقل مع تغيرات الحياة وتبدلات الظروف والاحوال.
انه بدلاً من ان يستسلم لليأس ويكتفي ازاء الحوادث بأن يسخط عليها يبذل جهدا ولو صغيرا..كمحاولة للمقاومة لا يلعن الظلمات اذا ألمت به..وانما يبددها ولو بشمعة فكما يقال:
«ان ضوء شمعة يبدد جيشا من الظلام».
انه يرد السوء بالاحسان..دائما قلبه عامر بالرجاء والامل في الخير. ومن اجل نعم الله على عبده ان يرزقه الله حب الناس له فمن احبه الله.. احبه الناس.
وخير الناس من يعطي بلا من وأذى.
«الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا مناً ولا اذى لهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
قرآن كريم.
لقد اتضح لنا الآن ان هناك تحفيصاً متقصداً لتحرير المجتمع من آفاته واصلاح التهتكات الاخلاقية في طباع الناس ونوازعهم، هناك محاولات جادة في معالجة امراض النفوس وانخساءات الروح وكل ذلك يشكل امامنا بابا متكاملا في بناء هذه القصيدة الشاملة..قصيدة اللوحات المتوالية..«وهي الخماسيات كما يطلق عليها شاعرها».
ومن الممكن ان يستقل هذا الباب الذي عدته لوحات تحت عنوان خاص يشير الى المضمون العام لهذه اللوحات مجتمعة وهو كما نرى نحن تحرير الذات.
اما القسم الآخر والخاص بنشر ألوية الجمال وافساح المجال لاشراقاته سواء في الزمان او المكان او الانسان وتصبح القصيدة في مصطلح التقنية الفنية في تجديد الشعر خطوة جديدة في مجال تحديث الشعر.
واعنى بالقصيدة..القصيدة الشاملة التي تضم كل تلك الخماسيات في خيط واحد.
انها قصيدة « اللوحات المتوالية».
نعم ان في الشعر غيرها..قصائد مكونة من لوحات ولكن لوحاتها في غالبها قليلة لا تكفي لاعطاء فكرة عن التوالي المستمر. هذه مجرد محاولة مني ولعلها تنال جزءا من الصواب.
سليمان الأفنس الشراري طبرجل
عضو مؤسس نادي الجوف الأدبي
الحواشي
«1» انظر مقال «بول شاؤول اللبناني» في مجلة فصول المصرية صيف 96 تحت عنوان «لا جدوى الشعر» ص 141 وما بعدها.
«2» ص 149 المرجع نفسه.
«3» المرجع السابق 118 وما بعدها.
«4» المرجع السابق ص 158.
«5» مجلة فصول المصرية خريف 94 ص 291.
«6» سبق التنويه عنه بمجلة فصول صيف 96.
|