أكل العنب حبة حبة. مثل غير مطابق للحال، فالعنب تختلف أحجامه فمن الممكن أن تأكل أكثر من حبة دفعة واحدة دون أن تغص. وأقترح إما أن نقول «أكل الفصفص حبة حبة» أو أن نقول «أكل التمر حبة حبة» لأن التمر لا يمكن أن تأكله حبتين أو ثلاث حبات دفعة واحدة خصوصا إذا كان «لون» ما زال طازة فسوف ينحشر في فمك وقد يسبب لك غصة لا تحمد عقباها. وكذلك الفصفص لأنه يحتاج إلى معالجة في داخل الفم أي «فصفصة» وفرز وتقليب في داخل الفم. وقد يحتج بعض الاخوة الأكاديميين بأنه يمكن أن يضع كميات كبيرة من الفصفص في الفم تحت اللسان أو على جنب مثل السويكة ثم سحبه باللسان حبة حبة وفصفصتها أي تناولها حبة حبة. فأقول ردا على إخواننا الأكاديميين. من فمك أدينك حتى ولو كان ملئ بالفصفص. أولا علينا أن نحلل كلمة «أكل» لغويا. فالأكل مرتبط بالزرط. أي أن تزرط الشيء وتواريه مطحونا في معدتك مروراً بحلقك. أما أن تضعه في فمك فهذا لا يمكن أن يعد من الأكل. لأنه يمكن أن تضع أشياء كثيرة داخل فمك ولا يعني هذا أبدا أنك تأكلها. فالنجارون على سبيل المثال يستعينون بأفواههم ليقبضوا بها على المسامير. وقد يأتي أكاديمي على قدر من الذكاء ويقول إن الناس تقول فلان يأكل علك وهو لا يأكله بل يمضغه ومثل هذا ليس حجة لأن العلك يؤكل في النهاية والدليل أنه بعد انتهاء المادة اللذيذة فيه نرميه لا نحتفظ به. وفي الوقت نفسه يجب ألا نأخذ رأي العوام في أمور مثل هذه.
وبمناسبة العلك أمنيتي أن أعرف من هو الذي اخترع العلك. وما هي تلك المادة الذكية التي تمضغها ثم تمضغها ولا تنتهي أبدا. ولكن أمنيتي الأكبر أن أعرف ما هي تلك الأشجار العظيمة التي تزودنا بالفصفص.
على فكرة الأجيال الجديدة محظوظة جدا. ففي الماضي كنا لا نعرف إلا نوعاً واحداً من الفصفص مثل القناة الأولى ثم تلاه بعد فترة نوع آخر يعد ثورة في عالم الفصفص بكل المقاييس. لأنه مصمم بطريقة تجعل فصفصته أسهل. بل يمكن أن تحصل على لبه من غير فصفصة نهائيا. وقد ظن كثير من الخبراء في ذلك الحين أن الفصفص الجديد سوف يقضي على الفصفص القديم ولكن هذا لم يحدث أبدا استمر الفصفصان يتعايشان في مجتمعنا جنبا إلى جنب دون أن يصادر أحدهما الآخر كتعايش السينما والمسرح في المجتمعات الأخرى.
جاء الفصفص الجديد «الأبيض» في صالح صغار السن الذين لم يكتسبوا الخبرة الكافية في فصفصة الفصفص. وأيضا في صالح كبار السن ممن فقدوا بعض أسنانهم التي تعينهم على الفصفصة. فمن ميزاته أنك تستطيع أن تفصفصه بأظافرك وتنزع اللب من جوفه وتكومه في يدك وتشكل منه لقمة مثل لقمة الرز وتلتهمها دفعة واحدة. وفي هذه الخاصية ميزة حيوية ورائعة لم ينتبه لها الكثير وهي ما يمكن أن أسميها شوق الانتظار. أي أن تمازح روحك المشتاقة وهي تنتظر حبات الفصفص وفي اللحظة التي سوف تنفجر فيها سعابيلك تكون كومة اللب جاهزة فتسكت روحك الظمأ وهكذا تعيد الكرة مرة أخرى. بخلاف الفصفص التقليدي الذي يقوم على حالة ثبات مستمرة في المتعة أي لا ينطوي على تصاعد الشوق. أعتقد أن الفصفص الأبيض كان الثورة الحقيقية الوحيدة في عالم الفصفص. لأن الفصافص الجديدة أو «الفصفصات» ليست سوى تنويعات على الفصفص التقليدي الذي عرفناه مبكرا. لا أنكر أبدا أن هناك تغيرات نوعية طالت الطعم والرائحة واللون ولكني أتحدث عن التغير النوعي والمتكامل فيما يتصل بالوظيفة. يكفي آلية فصفصته. بذل كثير من التجار جهوداً جبارة لإدخال منافس حقيقي للفصفص مثل الهبيد والقرع كما حشروا اللوز لزحزحة الفصفص من مكانه في قلوبنا ولكن هيهات. كلما ظننت أن الفصفص قربت نهايته تولدت أسباب جديدة تزيد من حاجة الناس له. يكفي تصاعد التهميش والبطالة بين النساء لتعزز دور الفصفص الاجتماعي.
فاكس: 4702164 |