تحقيق مريم شرف الدين:
مضت اكثر من اربعة اشهر على الهجمات الارهابية التي عصفت بالولايات المتحدة في سبتمبر الماضي 2001م وما زال الاعلام الغربي يشن هجماته الشرسة على الاسلام.. وعلى المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص..
صورة جديدة يحاول بها الاعلام الغربي ان يجرد المسلمين من آدميتهم وتشويه صورة الاسلام ومحاولة تعليق كل المشاهد الاجرامية على شماعة الحقد الدفين الذي تحمله دول الغرب للاسلام والمسلمين.
المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي.. اكد قبل 10 سنوات في حديثه لصحيفة الاهرام المصرية.. «ان التاريخ القديم والمعاصر منذ الحروب الصليبية وخروج المسلمين من اسبانيا.. وحتى الحرب الجزائرية ما زال الغرب يؤكد بأن الاسلام يعتبر شيطاناً يستحق في كل وقت على حد تعبيرهم اللعنة».
والاعلام ما هو الا صورة مكملة حديثة لتاريخ هذا العداء. جميعنا يعي تماماً من يقف وراء الاعلام الغربي خاصة بعد الدراسة الوثائقية التي اعدها رئيس منظمة الحقوق الاوروبية والامريكية (ديفيد ديوك) عن سيطرة الصهيونية على اجهزة الاعلام الامريكي.
وباعتبار ان هجمات الاعلام الغربي.. لم تستهدف المملكة لذاتها وانما لانها تمثل القلب النابض للعالم الاسلامي.. وباعتبار اننا في حاجة إلى توحيد التوجه الاعلامي العربي والاسلامي ونحن نناقش هذه القضية..
نتساءل لماذا لم تكن لاعلامنا العربي والاسلامي المقدرة الاتصالية في مواجهة الافتراءات التي شنت وما زالت تشن على المملكة والاسلام؟!
واذا كانت الاستراتيجية الحالية لاعلامنا العربي او الاسلامي.. فقدت صلاحيتها ولم تعد تساعدنا على تحقيق الهدف المطلوب فما هي المعايير التي تمكننا من اعادة صياغة قدراتنا الاعلامية وتوظيفها والاستناد عليها في هذه المواجهة؟
ماهو دور المؤسسات الصحفية كذلك في هذه المواجهة؟ والابجديات الفعلية التي يمكن للاعلاميين في هذه المؤسسات ان ينطلقوا من خلالها لدعم حملاتنا الاعلامية العربية الاسلامية في توضيح هذه الحقائق؟
يشاركنا في الاجابة على هذه التساؤلات كل من: الدكتور عبدالرحمن بن محمد القحطاني.. استاذ الاعلام المساعد في كلية الملك خالد العسكرية بالحرس الوطني والدكتور عبدالله بن ناصر الحمود عميد كلية الدعوة والاعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية واستاذ الاعلام الدكتور صالح بن محمد المالك المتخصص في التخطيط لحملات التوعية العامة.
والدكتور عبدالحافظ بن عواجي صلوي.. وكيل كلية الدعوة والاعلام لدورات المبتعثين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية:
في مستهل هذه الآراء يتحدث الدكتور عبدالرحمن بن محمد القحطاني فيقول: قبل الاجابة على السؤال من المناسب التوقف عند موقف المملكة.. وخصوصاً بعد ان شدد اصحاب السمو الملكي الأمراء.. وفي مقدمتهم صاحب السمو الملكي ولي العهد على الدور الذي ينبغي ان يكون عليه موقف الاعلام في مواجهة الاحداث بعد 11 سبتمبر 2001م.
واضاف: ان ادانة المملكة العربية السعودية للارهاب بشدة.. باعتباره يتعارض مع جميع القيم الدينية والمفاهيم الحضارية.. والانسانية.. وانطلاقاً ايضاً من دستورها القائم على الكتاب والسنة حيث تنظر له من منظور سماوي ينبذ الارهاب ويمنع الانسان من ايذاء الاخرين وحتى الحيوان باعتبار ان هناك شروطا شرعية وانسانية يتفق عليها العلماء.. ووفق الشروط الشرعية التي اشار اليها المولى عز وجل في كتابه العزيز.
وعند ما تدين المملكة الارهاب فانه لا يوجد ما يملي عليها ماذا يجب ان تقول، أو كيف ينبغي لها أن تقف من القضايا الدولية ومنها الارهاب.. باعتبار ان هذا يعود إلى أن اعمالها واضحة كل الوضوح للمجتمع الدولي حيث يسجل للمملكة المبادرة الاولى الجادة في محاربة الجريمة بانواعها ومنها الارهاب بكافة اشكاله وصوره.
ويكفي ان الاحاديث الاخيرة لولاة الامر في هذه البلاد.. وتتابعها وجدية الرأي فيها قد ساهمت في وضع النقاط (المغيبة) على حروف الارهاب في الوقت الذي يصعب فيه اعطاء مفهوم مقبول عن الارهاب حتى القرار رقم (1373) الذي اقره مجلس الامن الدولي بالاجماع بعد تلك التفجيرات والهجمات المؤسفة.. والذي كما قيل عنه انه يتيح للولايات المتحدة وضع اليد على اي نظام لا يستهويها تحت شعار الارهاب.. غير قادر على وصفه للارهاب.
تفرد متوارث
واضاف د. القحطاني: عندما نتحدث عن وطننا وحكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود يحفظه الله.. لابد لنا من ان نقول ان المملكة كما يعرفها اويعبر عنها الكثير تنفرد منذ تأسيسها على يد المغفور له الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه.. بمميزات كونها القطر الاوحد الذي اختاره الله لخدمة مركز الكون وهو بيت الله الحرام في مكة المكرمة وايصال رسالة القرآن إلى كل فرد مسلم مهتد وخدمة الحرمين الشريفين ومقصد كل حاج في العالم. واعتبارها ايضا الدولة الوحيدة في العالم النامي التي استطاعت ان تنمو في وقت قياسي وهذا بالطبع مما يجعلها صاحبة الكلمة والفكر الديني والقومي والسياسي الرصين وخصوصاً في عالم تتخبط فيه اليوم الاهواء والمصالح وتجرهم فيه الافتراءات الكاذبة.
ونشير هنا إلى التوجه الاعلامي الذي تنتهجه المملكة وهذه الخاصية التي تمتلكها.. وتميزها عن اعلام الدول الاخرى بسبب النهج الاسلامي العظيم وتحكيمها للشريعة الاسلامية ومن هنا.. فان السياسة الاعلامية جزء من السياسة العامة للدولة التي تلتزم بالاسلام في كل ما يصدر عنها وتحافظ على عقيدة سلف هذه الامة وابعاد وسائلها مما يتناقض مع شريعة الله التي شرعها للناس ومن هنا: فان الحفاظ على ميثاق شرف هذه الامة يتمثل في التضحية والفداء في سبيل الله والولاء للدين والمليك والوطن.
وكنتيجة منطقية فهناك تطابق بين الصوت الرسمي والصوت الشعبي الكامل الواثق بقيادته والذي عبرت عنه اللقاءات الاخيرة لولاة الامر وتأكيدها على أهمية وجود الاعلام المتزن والواقعي.
ويرى الدكتور القحطاني ان بلدا تنقص فيه الحرية الخطابية والاعلامية خير من بلد يسوء فيه استخدام الحرية كما هو معمول وملاحظ في الاعلام الغربي والاعلام الامريكي بالرغم من خروج بعض الاصوات الصادقة لكنها تظل نقطة في بحر اسود تحيط به اسماك لا يروقها الا سفك الدماء.
مستقبل الأمة
وينبه هنا إلى المصيبة الكبرى وخروج قنوات فضائية عربية تمجد نفسها هوية الحضارة الغربية بموضوعاتها ومعالجتها التي ليست هي الا المراهنة على مستقبل الامة العربية والاسلامية .. ملونة افكارها.. وحججها.. ومواقفها.. وبإصرار تبعاً لاطماعها وطموحاتها وليس لرسالتها الاعلامية التي يجب ان تكون نظيفة وصادقة ولها اهدافها المؤثرة تجاه مقومات الامة واهمها العقيدة الاسلامية لدحر الضغائن واخماد الفتن والاحقاد والتآلف بين قلوب ابناء هذه الامة الاسلامية.
وليس هذا الا التبعية لانظمة اعلامية غربية وهو نظام غير متكامل وغير شامل للحياة كلها بل وممارسات اعلامية تسير وفق تصورات فكرية وضعية في اغلبها لا تستند على فكر ديني صاف نسميه (بالاعلام الليبرالي) والاعلام الاشتراكي والاعلام التسلطي.
وكل هذا بالطبع لا يوجد في اعلامنا العربي.. واذا عرف القائمون والعاملون عليه ما للاسلام من رؤية تكاملية ومنهج شامل للحياة بأكملها فستكون نتائجه بمشيئة الله فلاحا في الدارين الدنيا والاخرة.
كما يعتقد انها لم تصل إلى ما نصبو إليه.. وانما هناك كانت في المقابل قدرة اتصالية للقيادة السياسية السعودية وتحريك الخطاب السياسي عبر وسائل الاعلام البريطانية ومن خلال سفير خادم الحرمين الشريفين في المملكة المتحدة ومن خلال حديث صاحب السمو الملكي سفير خادم الحرمين الشريفين في امريكا عبر محطة (CNN) اضافة إلى ما يقام من لقاءات رسمية بين الحكومة السعودية والحكومات الاخرى.. الا انها تبقى ذات طابع رسمي ومحدد بزمان ومكان.. وارتباطها احيانا بالوقت الذي ترغبه المحطات الاوروبية الامريكية.
أفكار متقادمة
اما د. عبدالله بن ناصر الحمود عميد كلية الدعوة والاعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعضو هيئة التدريس في قسم الاعلام بالكلية.
فيؤكد على عدم اتفاقه حول ضرورة اهمية المواجهة في العمل الاعلامي المعاصر لان العالم المعاصر قد تجاوز عقوداً من الزمن شهدت الدول العربية والإسلامية خلالها تجارب عديدة في الممارسات الاعلامية المهنية.
وايضاً لتطور وسائط تقديم الخدمة الاعلامية تطوراً كبيراً في المجالين الكمي والكيفي.
وكذلك لتوسع مجالات وازمنة التعرض لوسائل الاعلام المتاحة امام الجمهور العربي والاسلامي وتنوعها تنوعاً كبيراً.
ويوضح د. الحمود ان تلك المتغيرات المهمة في ميدان العمل الاعلامي المعاصر حيث فكرة المواجهة في العمل الاعلامي من الافكار المتقادمة التي لا تتفق بالضرورة مع معطيات العصر الحاضر.
باعتبار أن العمل المعاصر يعتمد.. كبديل لاطروحة المواجهة على أسس مهمة.. ومنها:
المعلومة الدقيقة المفصلة والمصداقية في الطرح والمتابعة الآنية المستمرة للاحداث الساخنة في اي ماكن.
وكما تشير الدراسات المتخصصة إلى أنه بقدر ما يعتقد جمهور وسائل الاعلام بتحقق تلك العناصر في وسيلة ما الا ان تلك الوسيلة ستحظى لديه بقدر مرتفع في التعرض والاستجابة بصرف النظر عن هوية تلك الوسيلة او مصدرها والنتيجة النهائية هي ان يكون هذا العمل الاعلامي فاعلاً ومؤثراً.
وانطلاقاً من هذه القاعدة.. فان الاعلام العربي الإسلامي يختلف من حين إلى آخر في مدى قدرته (ليس على المواجهة) ولكن في تقديم البديل الافضل من الاعلامي الغربي للجمهور العربي والاسلامي.
وباعتبار ان العمل الاعلامي جزء لا ينفصل عن النسيج الاجتماعي الثقافي الشامل لاي امة.. الا ان قدرة الاعلام العربي والاسلامي على تحقيق اهداف موضوعية واسعة تختلف من قطر عربي واسلامي إلى قطر آخر.
ان الاعلام العربي والاسلامي الراهن يعتبر هو الافضل حالاً من عقود خلت رغم استمرار الحاجة لمواصلة المسيرة نحو اعلام اكثر حرصاً على تحري المعلومة الوقتية المفصلة.. والصحيحة والصادقة.
مغالطة للواقع
ويقول الدكتور صالح بن محمد المالك المتخصص في التخطيط لحملات التوعية العامة بأننا نغالط انفسنا اذا ما حاولنا مجرد التفكير حتى بان اعلامنا العربي والاسلامي يرقى إلى مستوى الاعلام الامريكي أو الغربي.. واكبر دليل على ذلك ان اكثر ما ينشر في وسائل اعلامنا العربية والاسلامية منقول من وسائل الاعلام الغربية او وكالات انبائها.
هذا بالاضافة بالطبع إلى ان وسائل اعلامنا العربية والإسلامية.. بقنواتها واذاعاتها.. وصحافتها موجهة إلى العالم العربي والإسلامي إلى جانب الجزء الكبير من المحطات الغربية التي تظهر في محيطنا كذلك وموجهة إلى العالم العربي والإسلامي.
وعلى الرغم من هذه الكثافة والتكتل الاعلامي الذي يحيط بنا من كل جانب. فما زال لا يوجد لدينا محطة تلفزيونية عربية أو اسلامية موجهة إلى الدول الغربية وتتحدث لغتها وترقى إلى مستوى اعلامها.لذا وحتى نتمكن من ايصال رسائلنا إلى الدول الغربية نؤكد بأننا نحتاج إلى استخدام وسائل اعلام قوية تضاهي في مقدرتها وسائل اعلام الطرف الآخر وتتحدث بلغته وفي ذات الوقت الذي يعتقد فيه بأنه لا يوجد ما يمنع من شراء قناة من بعض القنوات الغربية التي لها شعبية كبيرة مثل (CNN) أو (BBC) أو غيرها من القنوات الفضائية المشهورة.
لكن على أن يوجه البث إلى الدول ا لغربية بأسلوب مقنع وشيق.. وتقديم رسائل إلى هذه الدول عن الاسلام والمسلمين والعرب بصفة خاصة مما يساعد على تغير الصورة المغلوطة وغير الحقيقية التي ما زالت مترشحة في نفوس الغربيين عن العرب والمسلمين نتيجة ما تبثه تلك الوسائل الاعلامية التي تعود ملكية معظمها إلى اليهود.
ضعف الإمكانات
اما د. عبدالحافظ بن عواجي صلوي وكيل كلية الدعوة والاعلام لدورات المبتعثين فيقول من جانبه: لاشك أن الاعلام العربي أو الاسلامي.. لم يستطع مواجهة الافتراءات التي توجه للعرب والمسلمين في وسائل الاعلام الغربية.. ونقل الرؤية العربية والاسلامية الصحيحة للآخرين.. ويلخص هذه الاسباب إلى ضعف امكانات وسائل الاعلام العربية والإسلامية المهنية أو المادية أو التنظيمية.
وكذلك تركيز معظم الوسائل الاعلامية والإسلامية جهودها لمخاطبة جمهورها المحدود داخل حدود الدولة التي توجد بها هذه الوسائل.
كذلك هيمنة وسائل الاعلام الغربية على وسائل الاعلام الاخرى في العالم الثالث الذي تصنف من ضمنه دولنا العربية والاسلامية باعتبار ان وسائل الاعلام الغربية هي التي تحدد الاولويات لوسائل الاعلام الاخرى فما تراه تلك الوسائل مهماً وينبغي ان يحتل المرتبة الأولى في لائحة الاهتمام العالمي تبعتها وسائل الاعلام الاخرى والشواهد على ذلك كثيرة.
ويشير إلى ما يحدث في الاراضي الفلسطينية.. وتهميش الاعلام الغربي لهذه القضية فرغم ما يحدث في الاراضي الفلسطينية من احداث تجعلها القضية العالمية الأولى.. الا انها لم تحتل يوماً ما المرتبة الأولى في الاهتمام.. كما احتلته قضايا اخرى اقل اهمية منها بالنسبة لنا نحن المسلمين.
وحتى وان كانت تبرز احيانا قضايا اسلامية حسب توجه الاعلام الغربي مثل قضية الصومال والشيشان وجنوب السودان لكنها سرعان ما تختفي من قائمة اولويات اعلامنا العربي والإسلامي لانها اختفت من قائمة اهتمام وسائل الاعلام الغربية وليس لانها انتهت باعتبارها قضية، وانما باعتبارها لم تعد تشكل اي اهمية للاعلام الغربي.
من الاسباب ايضاً ضعف دور وكالات الانباء العربية والإسلامية خاصة وانه لا توجد هناك وكالة انباء واحدة في العالمين العربي والإسلامي يمكن أن تصنف على أنها عالمية وتستطيع أو بمقدرتها أن تبرز قضايانا العربية والإسلامية ومواجهة الافتراءات الموجهة ضدنا.
نتائج التباين
امام هذا التباين الواضح بين قدرات اعلامنا العربي والإسلامي والاعلام الآخر (الامريكي والغربي) وما خلصنا إليه من آراء.. لابد لنا أن نتساءل عن مدى التشويش الذي من الممكن ان يخلفه هذا التباين في مخيلة وفكر المتلقي العربي والمسلم..
وبالعودة إلى الدكتور عبدالرحمن القحطاني يرى أنه ينبغي علينا عدم الرقص على اوراق الخريف والقول.. بأن هناك اعلاما عربيا موحدا حتى يمكننا المقارنة بين مضمون ما تكتبه.. او تبثه او تعرضه للجمهور العربي مقابل ما تدفع به وسائل الاعلام الغربي. ان التشويش (اللغوي) لدى رجل الشارع العربي قديم قدم الواقع الذي يمر به العالم الإسلامي وخصوصاً بعد سقوط الدولة الإسلامية وتفكك الاسرة الإسلامية الذي اعتراها منذ دخول (نابليون بونبارت) إلى مصر وتسلسل الاحداث منذ الحرب العالمية الثانية بعدها في المنطقة العربية.. وما خلفه الاستعمار من تبعية سياسية وادبية وثقافية بل وازدواجية في الشخصية العربية إلى درجة جعلتها بعيدة كل البعد عن التحليل والاستقرار حتى بالنسبة لاغلب الساسة العرب.
ان كافة هذه الاحداث المتزامنة احدثت شرخاً في عقلية الانسان وفي عقلية المواطن العادي والاخطر من ذلك في تلك النخبة التي ندعوها بالمثقفين والادباء الذين تستقبلهم منتديات التراث والثقافة في مناطق كثيرة من عواصم العالم العربي وعدم الخروج الا بثقافة تراثية قديمة (لا تغني ولا تسمن من جوع).
ويستشهد هنا بحرب تحرير الكويت (عام 1991م) أو كما وصفها صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية انذاك (بكارثة الخليج).
وتأكيده في سياق ذلك ان هذه الحرب كانت هي خير مثال على التشويش عند المتلقي العربي والمسلم والخليجي حيث انشطر العقل العربي آنذاك انشطاراً خطيراً تسبب في طمس معالم القلب والعقل معاً إلى درجة اصبح فيها الرأي العربي (رأياً مخدراً) مريضاً فاقداً للاتجاه وعمق الممارسات الاعلامية العربية منذ عام 1990 وما قبله.
ويرى د. القحطاني بالتالي.. ان واقع الاعلام العربي الحالي ماهو إلا صورة من الواقع المتدهور الذي يعيشه ابناء هذه الامة الذي ما زال يخضع تحت تأثير الابرة المخدرة المصنوعة بالغرب.. ويقوم اعلامنا العربي بحقنها لمواطنيه.
وينبه في ذات الوقت إلى الاشكالية التي نحن امامها حيث تمرر الرسائل أو الخطاب السياسي والعسكري الغربي وكما يرغب الغرب بواسطة القائمين على الاعلام العربي بدون وجود الاعلامي المتفحص والمحلل الذي له المقدرة على كشف ما يكمن بين السطور.
اضافة إلى فقدنا للمعلومات الصحيحة في المرحلة الخاصة بتحرير الكويت على الرغم من اننا نعيش اليوم في عصر المعلومات مما ادى الى التسبب في حدوث (ارباك عقلي) للإعلاميين والمواطنين وجعل المواطن غير واع لمعرفة ما يدور حولنا وما سيقودنا إليه ذلك في حياتنا وسيخلفه في حياة الاجيال القادمة.
ويجزم ان الممارسات الاعلامية المختلفة ساعدت على تعميق الهوية.. أو كما يقول المثل الشعبي على حد تعبيره (الشق اكبر من الرقعة).
وحول القصور الحالي الذي تعاني منه وسائل اعلامنا يؤكد.. باننا احسنا بطرح هذا المحور وربطه بين الواقع والممارسات الفعلية لوسائل الاعلام العربي ويرى.. ان المواطن العربي اليوم يعيش في بيئة المؤامرة الاعلامية.. وهذا ما يعني عدم قدرة الدول العربية على ممارساتها النظامية السياسية بحرية مطلقة دون التدخل الاجنبي وحق المواطن من جانب آخر حيث تنتهج سياسة اعلامية من صلب ممارسة سياسة الدولة ونوعية النظام حيث يفرض على المواطن وجبات صباحية ومسائية دون الاكتراث بالتذوق الخاص لتشكيل قيم اجتماعية واهداف ذاتية وسياسة دولية.
وانما ينبغي عليه الخنوع والاستسلام والتأييد دون اعتراض في كثير من الاوقات واذا كان الصمت في التعليق على أمر ما يعد رأياً مناهضاً وجب تطبيق الحد. كما اننا نعيش مصيبة (سجن العقول) وكيف ان المؤسسات الداخلية التي لها المقدرة على تفكيك المؤامرة هي التي تمثل او تنفذ اليوم ما تأتي به السياسات الخطابية وخصوصاً الخطابات السياسية والاقتصادية.
كما لا ننسى الحقيقة المتمثلة في اعتراف وزراء الاعلام العربي المشاركين في مؤتمر شباط (عام1969م) بعجز وسائل الاعلام العربية عن القيام بدورها وهذا مما جعلنا نلهث وراء الاعلام الغربي وننقل كل ما يمكننا نقله بالشكل الاعلامي (فن الاخراج وغيره) وليس بشكل الموضوع الحواري.
فكيف لنا او بامكاننا امام هذا الاعتراف الصريح.. ونحن الآن في عصر ثورة التكنولوجيا المصدرة لنا ايضا وتدفق المعلومات.. دون وجود قدرة من اروقة المؤسسات الاعلامية للتعامل معها؟ او حتى في حالة لو تم التعامل معها؟ الا ان مساحة الشفافية المتاحة لطرح قضايا الامة دون المساس بمقوماتها ومن اهما العقيدة الإسلامية او ترك الاعلام الغربي والامريكي من جانب آخر يسرح ويمرح ويتغنى ويشدخ كرامة المسلمين (بالارهاب). بعد تعميقه من قبل (أن العرب اغنياء وجهلاء) في ذات الوقت وتحويل هذا المفهوم إلى الارهاب وجعله خاصية العربي وربطه بالإسلام بينما الإسلام بريء من الارهاب (براءة الذئب من دم ابن يعقوب).
إعلامنا الجريح
ويستعرض د. القحطاني واقع الاعلام العربي الجريح المتمثل.. في عدم كفايته من الناحية النوعية وقيامه بالوظائف الاساسية للعملية الاتصالية من شرح وتفسير وتحليل وبجملة واحدة وضع المواطن وفي مستوى الحدث او الاحداث.
كما ان المضمون الاعلامي من ناحية الكتابة والاقوال وصوره تتصف بالمحاباة وبالمجاراة او النقد غير البناء والتهجم على سياسة دولة معينة.
كما أن اجهزة الاعلام العربي لم تستوعب اثر وسائل الاعلام على الرأي الاوروبي والامريكي نتيجة محاربة او ضعف الكوادر الاعلامية وان وجدت فتعاني من ضعف الاخذ بالمنهج العلمي الرصين في دراسة ووضع استراتيجية الرسالة الاعلامية..
مما ينتج عنه عدم الالتقاء بين المؤسسات الاعلامية في القطر الواحد.. وفي الوقت نفسه يبقى الالتقاء مع اعلام الدول المجاورة محدودا باجتماعات وتصورات وتوصيات تستغرق وقتاً كبيراً لتنفيذها بالرغم من الانتاج المشترك وتبادل العناصر البشرية الاعلامية..
اضافة إلى بعض المعوقات التي تحول بين اعلامنا العربي وتكامل المنهجية في ايصال رسالته بالشكل الذي يمكنه ان يلجم ألسنة الاعلام الآخر وهجماته المشحونة بالافتراءات على العرب والمسلمين وعلى المملكة العربية السعودية ومن هذه المعوقات اختلاف النظم العربية ومنهجية السياسة المحلية والدولية مما ينتج عنه اختلاف حاد وفي كثير من الاوقات مغلق لتحديد وجهات النظر في المسائل المصيرية سواء فيما يتعلق بالحدود السياسية او المعاهدات الامنية او الممارسات الاعلامية او التوجه الدولي امام الاقتصاد العالمي وغيره.
كذلك عدم وضع حدود وفواصل بينه وبين القضية والمشكلة ويعمق الامرين اننا ما زلنا نعاني من حصر الاعلام ضمن فئات معينة تتحكم في الاعلام نفسه لا تفرق بين ما هو رسمي وما هو جماعي ومتى ما عرفت فإن هذا لا يجعلها تغضب من قدمها لكرسي القيادة الاعلامية.
اما نواحي القصور فتكمن في النية الاعلامية. والتي نعني بها التوجه الاعلامي هل هو صادق ودقيق ام دعاية من النوع الرمادي الذي يخلط الحقائق الصحيحة بمزاعم وخداع ومعلومة كاذبة؟ بالرغم من نقل التكنولوجيا الاتصالية الا ان البطء في التعامل الاعلامي قد سبب الضعف العام للإعلام والسبب واحد ورئيسي هو عدم الاخذ بالاحتراف الاعلامي والتفرغ الكامل للعملية الاعلامية نظرياً وممارسة.
كما نتلمس ذلك من خلال برامجنا الاعلامية خصوصاً الاخبارية والندوات التلفزيونية والتي تفتقر إلى وجود عدة عناصر منها: اختيار مدير الندوة والمشاركين وعدم اهليتهم أو تحفظهم في الحديث على حساب القضية والجمهور.
وهناك نقطة مهمة اخرى تكمن في عدم التجهيز الكامل للموضوع من قبل اجهزة الاعلام او المتبنية للموضوع الذي يتطلب دراسة علمية والاعتماد فيها على وثائق ثابتة وتجهيزها قبل العرض او الطرح الاعلامي (خصوصاً البرامج التلفزيونية).
ونأخذ مثالاً على ذلك الموقف الذي انتهجته وسائل الاعلام قبل غزو الكويت وكيف تأكد لنا قبل غزو العراق من خلال مشاهدة المحطات التلفزيونية الامريكية (انها مؤسسات تجارية) تمهد للقرار السياسي الامريكي وان هناك حرباً في الخليج وهناك تدخل عسكري سيحدث عن غزو العراق الكويت وعندما حدث الغزو خرجت الندوات التلفزيونية مستضيفة شخصيات متخصصة للتعليق على ما يحدث.. ولماذا حدث.. وكيف حدث غزو العراق..
وعند خروج الشرعية الدولية وقرارات هيئة الأمم المتحدة خرجت مجموعة متخصصة لمناقشة ما حدث من مستجدات وقبل القصف الجوي او الحرب الكلاسيكية ان صح التعبير خرج المتخصصون في الحرب وآخرون اثناء الحرب يتحدثون عن النتائج الايجابية للضربة العسكرية واثرها على مصالح امريكا واوربا وفي مجالات عديدة سياسية واقتصادية وعسكرية وغيرها.
فالاعلام بوسائله لم يعد عاملاً مساهماً فحسب لان هذا يلغي دوره وقوته وتأثيره ونفوذه وسرعة حدوثه بل انه عامل مشارك يسبق القرار السياسي والعسكري انه العالم الجديد الذي ما زال يتقدم ويسبق العالم النائم بكل مقوماته.
معطيات العصر
اما د. عبدالله بن ناصر الحمود.. فأبدى عدم مخاوفه على الجمهور العربي والإسلامي المعاصر من وسائل الاعلام اياً كانت هويتها.. ووصفه لهذا الجمهور بانه جمهور نشط واع فطن يعرف من اين يستقي المعلومة وكيف يزنها ويقيمها في ضوء معطيات العصر وظروفه المتعددة.
ويرى ان تباين ما تتناقله وسائل الاعلام العالمية ينعكس سلباً وايجاباً على الوسائل ذاتها وليس على الجمهور لان الجمهور سوف يبحث عن المعلومة الصحيحة وسيجدها ولن يلتفت في هذه الحالة إلى مصدر الوسيلة التي قدمت المعلومة بقدر ما يهمه مدى احترام تلك الوسيلة لقدراته ومكانته في العملية الاعلامية.
وبالتالي فان الاشكالية التي تثار عند المقارنة بين وسائل الاعلام الغربية والعربية والإسلامية في العصر الحاضر هي اشكالية وسائل وليست اشكالية جمهور.
إساءة لأصدقاء الجوار
اما د. صالح بن محمد المالك.. فأكد ان ما تبثه وتقدمه وسائل الاعلام العربية والإسلامية في معظمه ما هو الا صورة منقولة حرفياً لما تقدمه وسائل الاعلام الغربية.. وهذا مما يدفع الكثير من العرب والمسلمين من خلال اجادتهم للغة الانجليزية إلى تتبع القنوات الغربية مباشرة واستقبال الخبر من مصدره الاصلي. ويبدي اسفه على حال بعض القنوات العربية التي اصبحت تسعى للاساءة إلى جاراتها من الدول العربية عوضاً عن ان تدافع عنها او تقدم المعلومة الصادقة التي تخدم المشاهد العربي ويجب الاستغراب من توجه الجمهور العربي أو المسلم إلى هذه القنوات على الرغم من معرفته لعدائها الواضح للدول العربية والإسلامية.
فهذا التصرف نتيجة حتمية للقصور الواضح في اعلامنا العربي والإسلامي سواء في نقل الصورة أو الحدث في الوقت المناسب أو في التعليق على الحدث.
كثيراً ما تحكم بعض الاعلاميين العرب اهواؤهم الشخصية في ترجمة او نقل بعض الاخبار او التعليق عليها بالاضافة إلى عدم المصداقية في نقل الصورة الحقيقية للاحداث وعدم وجود عامل التشويق في رسائلها لجذب المشاهد العربي والإسلامي.
تباين الطرح وتأثيره
اما الدكتور عبدالحافظ بن عواجي صلوي فيؤكد .. أن التباين الواضح بين ما يطرحه اعلامنا العربي وما تتناقله وسائل الاعلام الغربي سيحدث نوعاً من التشويش لدى المتلقي العربي وخاصة في حالة عدم الوضوح في الاهداف وتضاربها في وسائل اعلامنا العربية وعزوه ذلك لعدم وجود اهداف محددة تسعى وسائل الاعلام العربية والإسلامية مجتمعة لتحقيقها بالاضافة إلى عدم الثقة لدى المتلقي العربي والمسلم فيما تنقله له وسائل الاعلام العربية والإسلامية وعدم اتفاق هذه الوسائل على تبني موقف موحد تجاه ما تبثه وسائل الاعلام الغربية.
ومن هنا قد يتبنى المتلقي العربي والمسلم وجهة نظر مستقاة من وسائل الاعلام الغربية مخالفة وخاصة في حالة غياب وجود استراتيجية واضحة وقوية من قبل وسائل الاعلام العربية لمواجهة الحرب التي تشنها وسائل الاعلام الغربية ضد الإسلام والعرب والمسلمين.
ايضا.. عندما يتوجه المتلقي العربي والمسلم إلى وسائل الاعلام الغربية يعنى بوضوح قصور وسائل الاعلام العربية في تلبية احتياجات هذا المتلقي ومن ثم بذل مساعيها بجدية واشباعها لما تحول عنها جمهورها. فالقصور يكمن في عدة جوانب لكن الابرز منها خاصة في حالة الازمات ويتوقف على حجم الثقة لدى المتلقي العربي في وسائل اعلامه لانه في حالة ما اذا لم تستطع وسائل الاعلام بناء درجة عالية من الثقة لدى المستقبل فيما تقدمه له من معلومات على المدى البعيد فلن تستطيع جذبه اليها في اوقات الازمات وهذا ما تعاني منه وينطبق على وسائل اعلامنا العربية والإسلامية اليوم.
وحتى نكون قاعدة اعلامية مدروسة فينبغي علينا اعادة النظر أولا في علاقة الجمهور بوسائل اعلامنا العربية والإسلامية ورفع درجة ثقته بها.. لانه مهما بذلنا من جهد في التوعية بمخاطر القضايا المطروحة فإنها ستذهب ادراج الرياح خصوصا في حالة ما اذا كان المتلقي لا يثق بما تقدمه له. لكن في حالة ما اذا استطعنا او تمكنا من كسب هذا الجمهور يأتي بعد ذلك التنسيق بين وسائل الاعلام المختلفة سواء على المستوى المحلي أو العربي أو الإسلامي لتحديد الاهداف وترتيب اولويات اهتمام خاصة بها تنطلق من احتياجات مجتمعاتها.. وليست مفروضة عليها من وسائل الاعلام الاخرى..
وتركيز الاهتمامات على قضايا محددة وتوجيه الجهود الاعلامية المختلفة لها في ذات الوقت الذي ينبغي فيه عدم اقتصار هذا التنسيق على وسائل الاعلام فحسب.. وانما تجاوزه إلى اشراك الحكومات والمؤسسات التربوية والاجتماعية.
|