قد ينتاب الإنسان الارتباك ولو للحظة عابرة أو كونها مفاجئة أو خاطفة، فيضطرب في إثرها تفكيره ومنهجيته الموضوعية المنطقية الاستدلالية، وينتج عن ذلك أن يزج ببريء في دائرة الاتهام، فيصب عليه جام غضبه، وينفث فيه شرور انفعاله.. في عجلة من حكم لا تدعمه أسانيد ولا ينبني على دلائل أو قرائن.
ومن الواقع ومن نتاج التجربة الحياتية ثبت اعتلال هذا النمط من التفكير اللامعقول، ونأيه عن جادة الصواب.كما وأن التصلب والجمود والإصرار على هذا النمط يرجع لعاملين: أولهما: التشبع باتجاهات سلبية تجاه الآخر المغاير في الحضارة، وثانيهما: الشعور بالعداوة تجاه الضد المقابل ولا يهم ان كان على صواب فغاية الأمر أنه في جانب الضد. وكلا العاملين يبعثان على البحث في إمكانات تدمير الآخر المغاير وذلك وفقاً لتصورات ليست موضوعية، وحسب توجهات تنحو منحىً سلبياً، وبناءً على تأويلات غير منطقية وفي النهاية يصدر عنها تحولات عشوائية أو حتى غوغائية.
ولذا فإن تحليل الواقع من قبل المرتبك وتفسير تداعياته تبيت من قبيل تبرئة الذات الهمجية، والصاق التهمة عنوة بالآخر الذي لم تثبت إدانته بعد، وليس ثمة دليل قاطع يقضي ويدحض أي شبهة وينأى عن الظنون التي بعضها إثم والعياذ بالله فالظنون ما هي الا احتمالات قد تصدق وقد لا تصدق، قد يصدق بعضها والبعض الآخر حسبما يتم جمعه من أدلة وثائقية أو مستندية حسب مجريات الأمور.
ووفقاً لمرجعية علم النفس الاجتماعي، ومعطيات علم الاجتماع التطبيقي واتباعاً لمنهجيته فإن الجمهور (الرأي العام) أثناء نشوب أزمة أو وقوع كارثة أو حلول فاجعة مفاجئة يصاب على التوّ من هول الصدمة بالتجمد في الاستدلال المنطقي ويرتبك تفكيره ويتخبط في مرئيات غير موضوعية ويتحول الى حالة صرع أو هذيان، أو يعتريه نوبة من التوتر ويصبح قابلاً للاستهواء.. وحينئذ يستغل هذه الفرصة المغرضون والانتهازيون وأصحاب الرؤى المريضة في تشكيل الرأي العام وبذل الجهد والحيل في تحويله وفق أغراضهم، وحسب تطلعاتهم ومصالحهم ومخططاتهم، وذلك لتحقيق ما يصبون إليه من أغراض خبيثة.
وإزاء الإلحاح في هذه المحاولات المقيتة يتحول الرأي العام في تفسيرات سقيمة وواهية لوقائع الأزمة وأسباب الكارثة وعوامل الفاجعة مسترشداً في ذلك بتأويلات تنتمي لتوجهات الموالين لأصحاب المصلحة والفرضية ومن أسف أنه يتوحد معهم ظاناً أنه في حوزتهم سيلقى الأمن وينعم بالأمان فيتجنب غضبهم ويتخلص من بطشهم، ولعله يمسك بأسباب الهدوء والاستقرار حتى ولو كان جزئياً والى حد ما وليس شمولياً أو كلياً أو جامعاً مانعاً ممتداً هيهات.. هيهات.
إنه بحكم الأدبيات المتعارف عليها، والقواعد الثابتة، والمبادىء القانونية المستقرة يظل المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته فالسرعة والتسرع في إصدار الحكم تهلكة، والقائم بذلك لا ينعت بالشدة الا إذا تملكته الحكمة وتذرع بالصبر والتؤدة في التثبت من خلال التحقق.
في هذا يمكن تحديد المسؤولية إزاء فعل التفكير وسلوك الأداء فإذ لم يكن ذلك كذلك لاضطربت الأحوال كلها تفكيراً وأداءً وإفراغاً لشحنات الغضب وإسقاطها على الآخر الذي قد يكون بريئاً وفقاً لنظرية الاحتمالات التي لا يقطع بها إلا في ضوء حجم الأسانيد وقيم الدلائل، وهذا يحتاج لمعلومات متزايدة وتفسيرات منهجية وعلمية وعدم خضوعه لنظرية الفعل ورد الفعل الذي قد يشوبه والى حد كبير الاضطراب في نسق التفكير ولا يعدو أنه مجرد تنفيث لشحنات الغضب.
فماذا لنا من رؤى لمعالجة إضطراب التفكير؟
أولاً: وضع موجبات التفكير الموضوعي في إطار من المسؤولية ذات الغايات السامية. ثانيا: تفعيل قيم الحق والواجب وإرساء قواعد الطمأنينة والأمل. ثالثاً: تصويب اللاسواء المعاييري عن طريق تحفيز مسلكيات السواء التحكيمي. رابعاً: اللاتجرئة واللاتفرقة واللاتفريط في تطبيق العدالة وتحويلها الى سلوك إنجاز يمكن قياسه وتقييمه. خامساً: دعم الحق في حرية الممارسة في أسلوب الحياة الاجتماعي والثقافي والتقني والمعلوماتي. سادساً: الاستعانة بمرئيات ذوي الحكمة والفطنة، وتجنب رؤى أصحاب الصلف والتعصب والغوغائية أعداء الكرامة والإنسانية. سابعاً: ترسيخ روح المحبة وإرساء دعائم السلام القائم على العدل. ثامناً: التأني في الحكم على الأشياء، وانتهاج سبل التريث والوعي المدرك لحقائق الأمور. تاسعاً: التخلي عن نظرة الاستعلاء القميئة المضللة والتحلي بالتواضع الحكيم الموثوق في معطياته. عاشراً: إرساء دعائم الحقوق العادلة مما يقضي على صعوبات التواصل في علاقات التفاعل ويقضي على مشكلات الإصرار والتصميم اللامنهجي. وأخيراً الاعتماد على العقلانية والرشد ضمن إدارة واقع الأزمة والنأي عن العاطفة الانفعالية في التفكير ورفض الممارسات اللاإنسانية تجاه الآخر اللامتوافق ونعته باللامنتمي، والاستبداد في توجيه الاتهام غير الموثوق فيه لانعدامية الدلالات المهمة والجازمة الذي من شأنه الإطاحة بالهيبة والقوة واعتباره علامة فارقة في تطور المعدل القائم على الشرعية والمبادىء التي تنهض عليها، وكذلك في مفهوم الأمن وأسانيد الأمان ودعائم الاستقرار.
|