كثيرا ما تخوننا الذاكرة ونواجه بطئا في استرجاع المعلومات وتذكر الأشياء والمواقف والأشخاص. ونقع أحيانا في حرج من جراء ذلك وانطباعات سيئة من قبل الآخرين من حولنا، فعندما نلتقي شخصا لم نره منذ مدة طويلة قد لا تسعفنا الذاكرة على معرفته من أول وهلة وقد تطول مدة إدراكنا ومعرفتنا لهذا الشخص وهو يبادرنا بالتحية ويسألنا عن أدق الأمور ونحن مشغولون عن ذلك في البحث بين طيات الذاكرة عن اسمه وأين التقيناه أول مرة أو آخر مرة. وقد تسعفنا الذاكرة ونعرفه بعد حين وقد لا تسعفنا ونفترق في ظل حيرتنا حول من هو هذا الشخص. وبعد فترة قد تطول أو تقصر تبدأ عملية ذهنية أقرب إلى عملية نشوء الضوء من البصيص إلى السطوع عندها نعاتب ذاكرتنا التي لم تسعفنا في حينه.
وجه آخر لتمرد الذاكرة يحدث أثناء مناقشتنا لأحدهم حول موضوع ما حيث لا نستطيع مواجهة الحقائق أو شبه الحقائق التي يدلي بها الطرف الآخر فنجد أنفسنا مستسلمين له رغم عدم قناعتنا بها لأننا لا نملك في وقتها مقومات دمغها بالحجج والبراهين، وبعد حين وقد انفض النقاش تبدأ الذاكرة بتزويدنا بتلك المقومات على شكل ردود قوية وحجج دامغة ولكن بعد فوات الأوان.
ولأننا كثيرا ما نقع في مثل هذه المواقف وغيرها ورغم معرفتي العلمية بالفروق الفردية وبمراحل الإدراك الذهني أخذت أبحث عن أسباب تفاوت قدرات البشر الذهنية.. هل هي عوامل نفسية أم عضوية أم اجتماعية؟. وعرضت الأمر أمام بعض من التقي بهم من التربويين والمفكرين ضمن مواضيع النقاش التي تعودنا طرحها لتبادل الأفكار والآراء حولها عندها أهداني أحد الزملاء كتابا يتناول موضوع الذاكرة والتذكر بعنوان «مذاهنتك القصوى» من تأليف الدكتور طبيب «هر برت بنسون».
شمل الكتاب العديد من الحقائق العلمية ولست بصدد تقييم الكتاب فأنا لا أملك في زادي الفكري ما يؤهلني لتقييم كتاب علمي كهذا. ولكني بإيماني المطلق بقدرة الخالق عز وجل لا استبعد حقيقتها فالله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل {وّفٌي أّنفٍسٌكٍمً أّفّلا تٍبًصٌرٍونّ} [الذاريات: 21]
ذكر مؤلف الكتاب في موضوع الذاكرة وتفاوت القدرة على استرجاع المعلومات والتذكر ما نصه «تعتبر الخلية المخية أساس بنية الدماغ وعلى المستوى الوظيفي يمكن ان ينظر إلى هذه الخلايا كمصانع حية تستخدم كوقود الأكسجين والسكر الذي ينقله الدم. وينتج هذا الوقود الطاقة التي تمكن الجسم من إنجاز عدد واسع من المهام البيولوجية المطلوبة للحفاظ على حياة الخلية. وعلى سبيل المثال، تتفاعل كل خلية مع خلايا أخرى وتلعب أدوارا حيوية مساعدة في شبكات تولد الفكر والفعل.
من بين أشياء أخرى تقوم خلايا الدماغ السليم بتخزين المعلومات التي تغدو في نهاية المطاف ما ندعوه بالأفكار، كما تقوم ببثها. ويصعب جدا أن نصف بدقة ماذا يحدث في هذه العملية لان فعل التفكير بكامله معقد جدا لما تتداخل فيه من إعداد هائلة من خلايا الدماغ. تصور والحديث للمؤلف أن ثمة 100 مليار خلية عصبية تقريبا في الدماغ. عندما تمعن النظر في بنية كل من هذه الخلايا تضحى المسألة برمتها أكثر تعقيدا مما لا يوصف فلكل خلية عصبية مجسمات أو محاور وتشعبات عصبية عديدة وخلال نشاط الدماغ تتصل هذه المجسمات أو المحاور بمثيلاتها في الخلايا الأخرى عبر ما يعرف بنقاط الاشتباك العصبي، وبذلك تتفاعل خلايا الدماغ وتقوم بعملها وتتصل أيضا بأجزاء أخرى من خليتها ذاتها حيث لكل من الخلايا العصبية 1000 و500000 نقطة اشتباك عصبي. وتستطيع كل من هذه النقاط أن تتصل بأي نقطة أخرى من نقاط الاتصال في الدماغ. وهذا يعني أن العدد الممكن للاتصالات العصبية في الدماغ مذهل بشكل لا يمكن إدراكه.. مع هذا التعقيد الذي لا يصدق يمكن إدراك عجزنا عن فهم المدى الكامل للإمكانات المتأصلة في أدمغتنا. وفي الواقع، كلما توغلنا في البحث تبينا كم أن عملية التفكير رهيبة. والله المستعان.
shaer@anetnetsa |