Sunday 17th February,200210734العددالأحد 5 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

فلنفتش عن ذاتنا ..(2)فلنفتش عن ذاتنا ..(2)
رضا محمد العراقي

لم تعد إلا هذه الليلة الحالكة الظلمة، الموحشة في هواجسها، والأندلس، البقعة الإسلامية، تخرج من حوزتنا وقيادتنا وأحضاننا، فعند انبلاج الفجر سوف يسلم القائد المسلم عبدالله صغير البلاد، هكذا كان موسى بن أبي غسان كبير الجند في غرناطة يحادث نفسه، فلم يكن مقتنعا بفكرة الاستسلام، رافضاً للشروط التي فرضت عليهم، وطالبهم ألا يصدقونهم، لكن دون جدوى، فما كان منه إلا أن امتطى حصانه، وهام على وجهه يجوب شوارع المدينة، لعله يعثر على أحد من جنود الأعداء «يفش غله» فيه، لكنه لم يعثر على أحد، ومضت ساعات الليلة عليه ثقيلة كأنها دهراً، ذهب إلى شرق المدينة ليجمع المجاهدين للتحضير لمعركة النزال الأخيرة لكنه وجدهم قد سلموا أسلحتهم ويتأهبون للرحيل، ضاق ذرعاً بما آلت إليه أحوال المسلمين، فذهب إلى بيته، وحمل كل أسلحته من سيف ورمح واستعد لمعركة قد تطول. ووقف على حدود المدينة أمام جيش ينتظر استسلام المدينة عند شروق الصباح.
وعندما بدأت تتدلى خيوط الفجر من السماء إلى الأرض، انطلق موسى بحصانه بأقصى سرعته شاهراً سيفه ووقع بين صفوف الاعداء يقاتلهم حتى لقي حتفه.
وأشرقت شمس ذلك اليوم الحزين وسلم عبدالله صغير مفتاح المدينة ووقف على أطلالها يبكي مجداً إسلامياً كان ينتشر هنا.!!
هذا الموقف يجب ألا يغيب عن ذاكرة الأمة وأن يكون محفوراً في الذاكرة الإسلامية.. لأننا ببساطة شديدة نحوم الآن على أحداث مشابهة صحيح أنها ليست متطابقة، لكنها تأخذ رحيقاً وقبساً منها فعندما انطلق موسى بن أبي غسان يعبر وحده عن حالة الرفض لشروط الاستسلام التي وقع عليها قائده عبدالله صغير، ونازل الاعداء وحده حتى استشهد، هي نفس الحالة التي يعبر عنها فصيل من المقاومة الإسلامية لا يملك من أسلحته إلا العمليات الاستشهادية للنيل من العدو الإسرائيلي وإيقاع أشد الضرر به، في حين يتنازل الرئيس الفلسطيني عن الكثير من عناصر قوته، تنازل تلو الآخر، وبضغوط أمريكية وإسرائيلية يعمل على تفكيك كل المنظمات والفصائل الرافضة لحالة السلام المنقوص المفروض عليهم، وتجريدها من كل أسلحتها تماما مثلما فعل عبدالله صغير مع المجاهدين من شعبه في الاندلس.
إنها حالات مشابهة، لكني أدعو الله مخلصاً، ألا يكون مصير القدس، نفس مصير الاندلس.. وان شاء الله لن يكون.
وحتى «لن يكون» ذلك لابد من البحث عن الذات، تلك الذاتية التي ربما قد تكون تاهت من بيننا، وصنعنا بأيدينا شخصية غير التي نعرفها عن أنفسنا، إنها ذات غريبة، دخيلة، لكننا نعمل بكل ما أوتينا من قوة أن نطوعها ونروضها حتى تندس بين صفوفنا عنوة.
فعبر التاريخ الإسلامي الممتد لم نسمع عن مقاومة تسلم كل أسلحتها للعدو، وتجرد قوتها، وتقف الآن بصدور عارية في وجه آلة عسكرية فتاكة.. وللأسف الشديد لم نسلم أسلحتنا فقط، بل سلمنا إليهم الكثير من معتقداتنا، وغيرنا في تفسيراتها لصالح العدو وللقوى المناوئة لنا.. والأمثلة في ذلك كثيرة.
فقد أشرنا في الجزء الأول من هذا المقال إلى حالة «التوسل» التي تنتاب بعض فصيل من ساستنا، وراحت تعبر عن نفسها في قلب أقوى عاصمة «واشنطن» حتى نستقويها علينا أكثر وأكثر، تلك العاصمة التي من آن إلى آخر، تطلق بعض تهديداتها التي تؤثر على مستقبل هذه الأمة، وعلى بعض دولها.. إنها حالة إفراز من رحم اليأس والقنوط التي تعشش في أدمغة هذا الفصيل، وتعبر عن مكنونات نفس لا تريد أن تنهض أو تخرج من دائرة جهنمية أريد لها أن تبقى فيه.
وللأسف هناك من أبناء جلدتنا من يتبنى تلك الأفكار وهذه السياسات التي يراد منها استسلام الأمة بلا شرط أو مقاومة!!
وهناك آخرون خرجوا علينا بتوصيف جديد، وتفسير مغاير لما ألفناه من معاني القرآن، حيث بدأوا في تغيير تفسيرهم للعمليات الاستشهادية، فسحبوا اعترافهم السابق بأنها من أعلى درجات الشهادة في سبيل نصرة دين الله والوطن، إلى أنها عمليات انتحارية، تزهق النفس وتهلكها، وتناسى هؤلاء أن المدنيين الذين يبكون على اغتيالهم هم جنود احتياط يخدمون في الجيش الاسرائيلي كلما نفرت قواتهم.
وذكر تلك الحالة وأحسن وصفها شاعر اسرائيلي وليس شاعراً عربياً اذ يقول:«لكل شعب على وجه الأرض جيش، إلا اسرائيل، فهي جيش له شعب».
إننا بذلك نجرد أنفسنا من أسلحة انبثقت من مكنونات الذات الإسلامية الرافضة للحالة البائسة التي عليها الأمة وترفض سياسات الاستذلال التي تمارس عليها من قوى متعددة.. وبتلك المراجعات لهذه الأراء والحالة الجهادية قد نعطي عدونا دون أن نقصد الذي يمتلك القدرة العسكرية والآلة الإعلامية الجبارة، تفويضاً ومسوغاً لممارسة المزيد من القتل والدمار واغتصاب الأرض والعرض، وتمكينهم من الاغارة على شعوب إسلامية أخرى منزوعة السلاح بفعل هذه الآراء التي بسببها تنزع من أيدينا السلاح المميز الذي تملكه هذه الأمة دون غيرها من الأمم وهي الحالة الاستشهادية بالنفس والتضحية بها من أجل نصرة الدين والوطن.
فمن آسف أن تصدر تلك الأراء في مرحلة يتجاسر فيها العدو علينا بكل قواته وحشوده العسكرية، بل في وقت يعلن فيه رئيس وزراء اسرائيل على الملأ ، وعلى أسماع العالم كله، أنه نادم لأنه لم يتخلص من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إبان حرب 82 بجنوب لبنان.. فهل هناك تبجح أكثر من ذلك.؟. وهل هناك إذلال أكثر من محاصرة عرفات بمقره في مدينة رام الله ويطالبونه بشروط، إن لم ينفذها فلن يخرج من الحصار إلا ميتاً.. فأين هي حمرة الخجل، وأين هي روح المقاومة والشجاعة العربية والإسلامية لمناصرة هذا الرئيس في محنته وحصاره؟
فقد سلبت الأمة أسلحتها من يدها، حتى يتجاسر علينا أبناء القردة والخنازير ويطالبون عرفات بأن يكون سجاناً لشعبه، ويداً لهم تبطش المقاومة التي لم تلق السلاح بعد؟!!
إن البحث عن ذات الأمة هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة والنفق المظلم، ومن أجل أن تقف على قدميها مرة أخرى وتباهي الأمم بأنها أمة تستحق أن تعيش وتستحق أن تحترم.. ولن يحدث ذلك إلا إذا اتبعنا كما ذكرنا في الجزء الأول من هذا المقال اتبعنا سبل من سبقونا من الدول التي وقعت ضحية لمثل هذا العدوان وتعرضت لتلك الابتلاءات، وخرجوا منها دولاً قوية في بنيانها الاقتصادي وأسطورة يشار إليها بالبنان.. وترفع لها القبعات احتراماً وإجلالاً.. لصمودهم وقدرتهم على استنهاض قوتهم الذاتية من جديد.
كما أنه لن يحدث ذلك إلا إذا استمسكنا بالعروة الوثقى ونهضنا إلى الاعمار في الأرض ليس بحرب الفتاوى وتغيير تفاسير الاحكام التي تعمل على تمزيق قوة الأمة في وقت هي أحوج ما تكون لتجميع الطاقات ورص الصفوف لمواجهة عدو لا يرحم، وينتهز كل فرصة تسنح للانقضاض عليها، وخير دليل على ذلك ما حدث للأمة بأسرها بعد أحداث 11 سبتمبر وما يحدث الآن للفلسطينيين بشكل خاص من القتل والتدمير والاحتلال والحصار.
فلا يفيدنا الآن ما قام به كبير جند غرناطة من محاربة العدو وحده وما تقوم به الان فصائل محدودة الامكانيات بالنيابة عن الأمة في صد هذا العدوان ودحره.. ولا كما فعله عبدالله صغير في السابق ولا ما يفعله ياسر عرفات في الحاضر من الاستسلام والاذعان لمطالب العدو بلجم المقاومة الشعبية ضده.
ولا كذلك لمن ذهب إلى واشنطن يتوسل إليهم باسم أمة لم تفوضه أن تعيد للمنطقة مبعوثها الخاص للسلام.
ولا لمن عقد اجتماعا بدون تفويض كذلك من الأمة مع قساوسة الديانة المسيحية، وحاخامات اليهود باسم حوار الاديان ونبذ العنف وإحلال السلام.
اليوم نحن أمام حالة من الوهن يجب ان تحفزنا على استثمار الأجواء الداعية إلى الخروج منها، للبحث في الأسباب التي أدت إليها وكيفية الانعتاق منها بأسرع وقت ممكن، لأن الوقت يمضي في غير صالحنا.
ويجب التفتيش كما أسلفت في عناصر قواتنا على كثرتها وايقاظها من رقدتها للنهوض بالأمة ويكون نصب أعيننا تجارب الآخرين.. فقط يلزمنا الارادة الصادقة العازمة على تحقيق ذلك مهما كلفها من مشاق وتعب وتضحية..
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
فهل نكون حقا من أهل العزم؟!
وللحديث صلة

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved