Sunday 17th February,200210734العددالأحد 5 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

الوظيفة التربوية للحج!الوظيفة التربوية للحج!
إبراهيم بن عبد الله السماري

الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام الذي لا يتم إلا بها إذا تحققت شروطه ولأنه ركن من أركان الإسلام فإن وظيفته التربوية لابد أن تكون مشرقة واضحة لكل عابد فمن أهم شواهد هذه الوظيفة:
الشاهد الأول: ان الحج صلة بين العبد وربه يحقق العبد من خلالها عبوديته لله عز وجل، ويقوي صلته به، فهي اتباع نابع من محبة وشعور بالحاجة إلى رضا المعبود المحبوب. وقدوم الحاج للحج بلباس معين يذكره بقدومه على الله عز وجل، فهو رقي روحي، وتأمل وتفكير، وخضوع جسدي، أما الرقي الروحي فلأن فيه شعوراً عميقاً بالصلة بالله وخشيته بدلالة ما في الحج من مناسك تدل على مناجاة المعبود كالوقوف بعرفة والنحر وغيرها وأما التأمل والتفكير فبما فيه من تهليل وتسبيح وتكبير وقراءة وأذكار وحركات موجبة للخضوع الخ.. وأما الخضوع الجسدي ففي الحج أعمال بدنية كثيرة تشعر بالامتثال والتذلل للمولى عز وجل.
الشاهد الثاني: أن الحج يهذب نفس العبد ويزكيها من شوائب المعاصي ويربي روحه على حب الخير والتعاون.
الشاهد الثالث: الحج عبادة تعود على المجتمع المسلم عامة بالخير والنفع؛ لأنه يعوِّد المسلمين التعاون والتعارف ويزيد أواصر التآلف بينهم.
الشاهد الرابع: ان الحج من مكفرات الذنوب ففي الحديث الصحيح «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
إن الحاجة ماسة إلى توعية الناس بأهمية الوظيفة التربوية للحج بشقيها مع النفس ومع الغير أي جانب الإنسان مع نفسه حين يتأمل حكمة الحج وآثارها وخصائصها ثم يحاسب نفسه على عمله فيها ويراقبها ليرتقي سلم الكمال الإيماني بقدر الطاقة، والجانب الثاني: توعية الناس إلى تلك الخصائص والآثار عن طريق تصحيح مفهومها وبيان طبيعتها ووظيفتها وكيفية ممارستها الممارسة الصحيحة ليحققوها في أنفسهم وفيمن سيسألون عنه، والاهتمام بها على مستوى الآباء والمربين والمعلمين في المدارس والمناهج وتنشئة الأجيال على حقيقتها وحبها، واهتمام الدعاة بها، وتنويع طريقة عرض حقائقها وآثارها بما يحقق القبول، لما لها من أثر بالغ في سلوك المسلم.
وإذا كان الاقتصار على جانب الموعظة فحسب للترغيب في العبادة والتخويف من التقصير فيها جانباً مهماً إلا أن المؤكد أنه لا يكفي والمؤمل أن ينهض العلماء والدعاة بتوعية كاملة في هذا المجال المهم.
وفي الحج معان تربوية راقية من المستحسن أن يدلف منها الداعية الحصيف إلى قلوب الناس ليوقظ عواطفهم الدينية ويشعل حماستها فيصل بهم إلى الصلاح والخير والفلاح.
ولعل ما ييسر هذا الهدف أن في الحج رموزا بارزة وأهدافاً نبيلة، تستحق أن يهبها المسلم قدرا كبيرا من التأمل وقدرا أكبر من الاتعاظ لعمق أثرها وتأثيرها.
والإسلام في الأصل هو: الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك.
وهذا المعنى ظاهر في فريضة الحج. فالمسلم يقدُم إلى البيت الحرام من بلاد بعيدة متكبداً مشاق السفر ومتحملاً نفقات مالية كثيرة. وقد لا يكون في سعة من المال ولكنه يستجيب لداعي الله في قوله سبحانه وتعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج:
2728].
فإذا كانت هذه حال الحاج من الرغبة في رضوان الله، والتلبس بالإخبات والتقوى فإن اقتناص فرص الخير في قلبه، وتنشيط نوازع الإقبال على الله في فعله لغسل خطاياه وتنقية دنس روحه، إذا تمت بدعوة حكيمة، بالحسنى فإنها ستكون ميسرة وقريبة من قبول المدعو، بأقل جهد من الداعي لأن الظروف تساعد على نجاحها.
وإن تجسيد الحكمة من أعمال الحج في معان قريبة من فهم المدعو ميدان آخر تتنفس فيه الدعوة الحكيمة نجاحاً إثر نجاح بإذن الله؛ لما في ذلك التجسيد من معرفة بحقائق الدين، وثوابت التوحيد، التي تدني ثمار الموعظة واليقين إلى الأفهام المستقيمة.
فالطواف، والسعي، والوقوف بعرفة والحلق أو التقصير، والرمي، والنحر، والنفرة، وغير ذلك من أعمال الحج. فوق ما فيها من فضيلة استسلام المسلم لأوامر الله سبحانه، دون نقاش فإن لها معاني محسوبة في ميزان الحكمة الربانية؛ فلا بد أن يبين الداعي ما أظهره الله على لسان العلماء من حكمها وأهدافها ومعانيها التربوية.
وفي الحج دليل قاطع لا مرية فيه، ومدخل دعوي بارز للتدليل على واقعية الإسلام وتوازنه وحرصه على الجوانب الإيمانية وتربيتها مع اهتمامه القوي بتلبية حاجات الإنسان المادية ورعايتها. فقد جاء التصريح الكريم بأن في الحج منافع كثيرة دينية ودنيوية، فقال سبحانه وتعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج:27 28].
فالجمع بين اكتساب المنافع للإنسان، والحرص على ذكر الله :« ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله» دليل على هذا التوازن ومبرز له.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المقاصد التربوية في الحج؛ لأنه مؤتمر دعوي كبير يحضره أجناس مختلفة من المسلمين بعضهم ظمأى إلى حقائق التوحيد الصافية ومسلمات العبادة الصحيحة، وواجب المسلم أن يكون داعياً إلى الخير ومتواصياً به كما هو واضح الدلالة من سورة العصر إذا كان الداعي مستوفياً شروط الدعوة من القدرة على الدعوة بالحكمة والحسنى مع تحليه بالعلم والحلم والصبر وغير ذلك.. قال عز وجل: {وّالًعّصًرٌ (1)إنَّ الإنسّانّ لّفٌي خٍسًرُ (2) إلاَّ پَّذٌينّ آمّنٍوا وّعّمٌلٍوا پصَّالٌحّاتٌ وّتّوّاصّوًا بٌالًحّقٌَ وّتّوّاصّوًا بٌالصَّبًرٌ} [العصر: 1 3].
قال الإمام الشافعي رحمه الله: «لو تفكر الناس في سورة العصر لكفتهم» قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة الحسبة: وهو كما قال فقد دلت السورة على أن الناس كلهم في خسران عظيم إلا من تحلى بهذه الصفات الأربع: الإيمان بالله والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
وقد قامت الدولة وفقها الله بجهود جبارة مشكورة تجاه هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، مستشعرة عظم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وهادفة إلى إرضاء ربها بتيسير أمر قصد هذه البقاع للمسلمين جميعاً، مهما كان موقعهم الذي قدموا منه، وبأي لغة كان حديثهم، وبأية وسيلة قدموا بواسطتها.
والحج تربية لحسن الخلق. فأهم مادتين من مواد النظام العام لأداء فريضة الحج؛ الالتزام بالتقوى والتزود منها، والالتزام بحسن الخلق وتجنب الفحش والأذى.
قال المولى عز وجل: {پًحّجٍَ أّشًهٍرِ مَّعًلٍومّاتِ فّمّن فّرّضّ فٌيهٌنَّ پًحّجَّ فّلا رّفّثّ وّلا فٍسٍوقّ وّلا جٌدّالّ فٌي پًحّجٌَ وّمّا تّفًعّلٍوا مٌنً خّيًرُ يّعًلّمًهٍ پلَّهٍ وّتّزّوَّدٍوا فّإنَّ خّيًرّ پزَّادٌ پتَّقًوّى" وّاتَّقٍونٌ يّا أٍوًلٌي الأّلًبّابٌ } [البقرة: 197].
وأكد على هاتين المادتين نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» فالداعي اللبيب يؤكد على أن اللطف بالمؤمنين ورحمتهم والرفق بهم ثمرة حتمية لذلك الالتزام، ولن يتم إلا به، ويحث على أن يستمر هذا الخلق مع المسلم في كل أعماله.
والحج عبادة إيمانية فيها العمل القلبي والعمل الجسمي والبذل من المال الذي تؤثره النفوس وتحب جمعه لا بذله. ثم إن من أهم مقاصدها الإيمانية في المجموع تجمع المسلمين جميعاً في أوقات محددة وأمكنة معينة لإظهار الشكر لله تعالى على نعمته سبحانه بالإيمان التي هي أعلى نعمة، وتيسيره سبل الطاعات لهم، ودلالته إلى تحصيل الأخوة الإيمانية في اجتماع يتساوى فيه من يحضره إلا بحسب العمل المقرب إلى رضوان الله. وعلى هذا فلا يجوز أن تتحول عبادة الحج إلى تنافس إلا في الخير. فلا تصل إلى حد مزاحمة المسلم لإخوانه المسلمين أو إلى حد إيذائهم بأية صورة من صور الإيذاء المادي والمعنوي أو إسماعهم ما لا يحبون من القول السيىء واللغو والرفث والجدال والمراء بغير حق.
وفي الحج تعليم للمسلم خلق البذل وكيف ينفق في سبيل الله دون منِّ ولا مقابل، فلا بد أن يوضح الداعي هذا المعنى الهام والهدف السامي؛ ولذا كان من شروط الحج القدرة على النفقة.
وفي الحج تذكير بفضل خلق التضحية في سبيل العقيدة؛ ذكرى إسماعيل صلى الله عليه وسلم الذي قدم نفسه قرباناً امتثالاً لأمر الله دون أن يسأل حتى عن سببت تخصيصه بالذبح، وذكرى الأب الذي يقدم على ذبح ابنه وفلذة كبده استجابة لأمر ربه دون مناقشة، وذكرى المرأة الصابرة التي تثق بوعد الله وتنتظر فرجه فتسعى بين الصفا والمروة تلمساً لهذا الفرج القريب.وذكرى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليهم رضوان الله الذين عانوا من اضطهاد المشركين لهم كثيرا حتى أنعم الله سبحانه عليهم بالفتح المبين جزاء تضحيتهم وصبرهم الذي كان مضرب المثل ومحل الاقتداء.
والحج دواء لكثير من الأمراض الفكرية التي تصيب أبناء الأمة المسلمة فتذهب أخلاقها ومن أهمها خلق العزة بالله الذي أعلى الله منزلته في قوله تعالى: {وّلٌلَّهٌ پًعٌزَّةٍ وّلٌرّسٍولٌهٌ وّلٌلًمٍؤًمٌنٌينّ وّلّكٌنَّ پًمٍنّافٌقٌينّ لا يّعًلّمٍونّ } [المنافقون:8]
فالدعوات العصبيّة من قومية ووطنية ونحوها داء يفتك بالوحدة الإسلامية التي سعى الإسلام لتأكيدها نظرياً وعملياً وكان موسم الحج فرصة لتنشيط دواعيها، فإذا أصيبت هذه الوحدة بالضعف أو تعرضت للعوائق لأي سبب من الأسباب فإن الحج بما فيه من أعمال الاجتماع والائتلاف والتعاون التي تهيأت لها أسباب النجاح والإثمار ومراعاة الحال يذيب هذه العوائق ويجبر ذلك النقص بفضل الله تعالى.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :« إن من تمام رحمة الله ومن بالغ حكمته أن جعل لفرائضه حدودا وشروطاً؛ لتنضبط الفرائض، وتتحدد المسؤولية. وجعل هذه الحدود والشرائط في غاية المناسبة للفاعل والزمان والمكان، ومن هذه الفرائض: الحج، فله حدود وشروط لا يجب على المسلم إلا بها».
وبالله التوفيق،،،

ص.ب: 30242 الرياض: 11477

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved