Sunday 17th February,200210734العددالأحد 5 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

الأديبة سمية رمضان بعد أن فازت بجائزة نجيب محفوظ:الأديبة سمية رمضان بعد أن فازت بجائزة نجيب محفوظ:
للأسف لم نعد نهتم بجوهر الأشياء أو مايجب علينا الاهتمام به

* حوار : شريف صالح
تنتمي سمية رمضان إلى جيل السبعينيات لكنها ظلت في دائرة الصمت. تكتفي بحضورها الأكاديمي وتكتفي بنفسها كقارئة نهمة.. وبعد سنوات طويلة قررت ان تقتحم دنيا الإبداع مع كاتبات التسعينيات فنشرت مجموعتيها «خشب ونحاس» ثم «منازل القمر».
ومؤخراً صدرت روايتها الأولى «أوراق النرجس» وكانت المفاجأة حين حصلت الرواية على جائزة نجيب محفوظ التي تصدرها الجامعة الأمريكية سنويا في عيد ميلاده. فجأة أصبحت الرواية حديث الأوساط الثقافية العربية وشكك البعض في أحقيتها بالجائزة وفي مصداقية الجائزة نفسها.
التقت الجزيرة بالدكتورة سمية رمضان تسألها عن مشوارها مع الكتابة وعالمها الروائي وما أثير من تحفظات بشأن الجائزة التي تمنح للروائيين العرب منذ عدة سنوات.
* هل يمكن ان تتفرغي للإبداع بعد حصولك على جائزة الجامعة الأمريكية؟
أتمنى ذلك. لو وجدت الفرصة لذلك لن أتردد لكن المشكلة أننا ككتاب مضطرين للإنفاق على الإبداع . وهذا يجعلنا في بحث دائم عن مورد رزق.
* وما رأيك فيما أثير حول الجائزة من تحفظات؟
ليس لدي تعليق!
* في رأيك.. هل الرواية العربية حاليا قادرة على التواصل مع القراء مثلما كانت الرواية المحفوظية في القرن الماضي؟
هذا سؤال يستدعي ا لنظر إلى عدد القراء ومدى التشجيع على القراءة ونسبة الأمية في الوطن العربي. أي يستدعي كل مبررات عدم الكتابة وكلها مخيفة! إن كان المقصود التواصل مع المثقفين أو «نخبة النخبة» فإن هذا يتوقف على العمل الأدبي نفسه وتعدد مستوياته وقدرته على الوصول إلى أكبر عدد من القراء. للأسف، التواصل أصبح محدداً بدائرة صغيرة، وهذا أمر موجع.
* بدأت الكتابة متأخراً وهذا يفرض سؤالاً: لماذا تكتبين؟
في وقت ما كنت أعتقد أنه لافرق بين من يكتب ومن لايكتب سوى شغف بعض الناس بالتدوين. وكنت أرى الفن مبثوثا في شتى صور الحياة، فيكفيني أن أعيش كقارئة نهمة مولعة بالمسرح والسينما والفنون المختلفة. حتى هذا الحين لم يخطر ببالي أن أسهم أنا ذاتي كفرد من الأفراد الذين يوقفون حياتهم على الإبداع وإنتاج الفن. من جهة أخرى كنت أدرك ان العالم من حولي مليء بالظلم والبغضاء والتعصبية وأشياء أخرى لا تستقيم بها الحياة. ثمة فجوة رهيبة تحتاج إلى فعل سياسي واجتماعي.. إلى مواجهة وبحث عن حلول حقيقية على أرض الواقع بدلا من حالة اللاجدوى.. إزاء كل هذا لم أملك سوى أن أكتب.. فكتبت.
* وهل هناك طقوس خاصة بالكتابة واختيار اللحظة المناسبة؟
لا.. عادة أكتب بعد مرحلة قراءة مستمرة. وفي الوقت الذي لا أقرأ فيه بشكل مكثف تكون هناك فرصة للكتابة. وهناك أوقات كثيرة أشبه بالموت يكون المرء بعيداً عن هذا العالم تماماً ومازلت أعيش أجمل اللحظات وأنا أقرأ.
* بحكم الدراسة بالخارج والغربة الطويلة كانت الانجليزية اللغة الأولى بالنسبة لك.. ما مدى تأثير ذلك على إبداعك باللغة العربية بعد العودة؟
قرأت مؤخراً كتابا مذهلاً اسمه «غريزة اللغة» يحكي عن ان الإنسان يولد بغريزة اللغة فاللغات تتباين في مفرداتها ولكن البنية الأساسية للغات واحدة، فمثلاً النحو بتراتب المواقع المعروف لايزيد عن عشرة مواقع كالفعل والفاعل. أعتقد ان دراستي للانجليزية ومعايشتي لها خلال عشر سنوات في الغربة، جعلتني أدرك هذه البنية الأساسية وأشعر بغريزة اللغة بشكل حاد.
طالما ان الإنسان يعرف لغة ما بنفس الدرجة التي يعرف بها لغته الأم فهذا يثري معجمه ومفرداته، ولايحدث تناقض لأن بنية اللغة واحدة وكذلك المشتركات اللفظية كثيرة ونلمسها كل يوم، فعلى سبيل المثال ما أكثر الألفاظ الفارسية في اللغة العربية والعكس صحيح أيضاً.
من ناحية أخرى يتجلى التأثير في بعض المصطلحات والتراكيب والأكليشهات، وأحياناً التفكير لأن اللغة تترك بصمة على الذهن ولايوجد فكر بدون لغة ولكن هذا لايمنع سلامة لغتي العربية وقدرتي على التعبير بها وفق المعجم الخاص بي ككاتبة.
* روايتك الفائزة «أوراق النرجس» تحاول البطلة ان تستعيد ذاتها عبر الألم.. وعبر ذاكرة منهارة إلى حد الجنون.. هل هذا صحيح؟
الكتابة ذاتها عملية مؤلمة لأنها تركز على مبدأ قاسٍ لايرحم هو استخلاص الصدق من بين براثن ذاكرة مموهة لكل مالايتفق والصورة التي نود ان نظهر بها أمام الآخرين. وفي محاولة لإعادة صياغة التجربة الحية يصبح الصدق الفني أصعب أنواع الصدق قاطبة. استعادة الصور والذكريات المتباعدة والمتشظية إلى حد الجنون، تمثل نوعا من المجاز يسمح بطرح أسئلة حقيقية ومؤلمة عن واقعنا ووجودنا وقدرة ذواتنا على التغيير. فالخلفية السردية تكشف عن المفارقة بين ماهو كائن ومايجب أن يكون. والبطلة تحاول ان تستبصر ذاتها بمزيد من إلقاء الأسئلة في ظل عدم الاهتمام بها أو الانشغال بالمظاهر الكاذبة والقواعد والمفروض.
ماتعيشه البطلة «كيمي» ليس فوضى في منظومة المجتمع بقدر ماهو حالة من الهيولية وانعدام الحدود بين الصحيح وغير الصحيح، لأننا لم نعد نهتم بجوهر الأشياء أو بما يجب علينا الاهتمام به.
* إزاء افتقاد الخطوط الفاصلة.. هل كان الجنون اختياراً أم استسلاماً؟
هناك جنون الراوية تدخل على إثره مستشفى الأمراض العقلية، وجنون مجتمع بأسره بسبب تشوش القيم واتساع الفجوة بين مايرى نفسه عليه وما يعتقده الآخرون فيه في الحالتين الجنون رد فعل، استسلام وليس اختياراً، فبدلاً من أن تثور البطلة وتعبر عن رفضها استسلمت للصمت والجنون تحت وطأة مجتمع هو نفسه يتجنب المواجهة ويفضل التدليس. مجتمع يخون أطفاله تحت مسمى المفروض والواجب فيسلبهم الثقة بالنفس. أمام كل هذا التبلد واللامبالاة وعسف السلطة والركود والشلل يتوجب ان يكون هناك رد فعل جذري من هنا جنون البطلة نتيجة وعيها الحاد بأن العالم من حولها لايستقيم، على النقيض من جنون المجتمع الناتج عن انحسار أو انعدام الوعي.
* المفارقة الأخرى في الرواية.. عن مرارة الغربة بعداً عن الوطن ومرارة الاغتراب بداخله.. كيف نقارن بين التجربتين؟
في هذه الأزمة ربما أتماهى كمؤلفة مع بطلة الرواية، فالوطن هو طبقات الوعي التي أستمد منها معنى لحياتي. والتحديات التي يفرضها عليّ وجودي في هذا الوطن بالذات هي التي تمدني بطاقة الاستمرار والمثابرة وروح التحدي. ورغم كل الصعوبات أسعى لأن أنحت حيزاً لوجودي في هذا الوطن، وأحلم به وطناً أكثر عدلا وأكثر أمنا.
لكن الوطن في خاتمة المطاف اسم مكان لايرفع يداً ويعترض ولايقيم عدلا من تلقاء نفسه، إنما من يفعل ذلك هم ناسه والبشر الذين يقيمون معي تحت سمائه. وحين أرى استمرار الأوضاع المؤسفة مايزيد على قرن من الزمان رغم تغير القشور والطلاء، فلا يعني ذلك اليأس من الوطن وإنما يعني أن الناس المقيمين معي خذلوني أو انني خذلتهم لافرق.. هذا مفهومي عن الاغتراب. وأقسى أنواع الاغتراب حين يشعر العائد إلى الوطن.. إلى الأم.. بعد غربة طويلة.. ان الوطن لم يعد دافئاً كما كان.. إحباط فظيع سعت البطلة بكل قوتها من أجل ألا تستسلم له.
* تتوازى مفارقات النص وتتنوع إلى ما لا نهاية.. وأخيراً يأتي الحل مفاجئاً للقارئ.. إنه «الخوف».. هل نحتاج فعلا إلى الخوف أحياناً؟
لا أقصد الخوف الجبان الذي يرتعب لأقل تهديد أو الذي يتصور التهديد حيث لايوجد وفي أية لحظة.. الخوف أحياناً يكون أملاً حين يتبع من إيمان المرء بأنه يملك ذاتا تستحق الذود عنها المقصود هو خوف مبني على احترام الذات والثقة في أهمية وجودها وبالتالي التعرف على مايهدد هذا الوجود ومقاومة ذوبان الذات في منظومة مجتمعية فاسدة ومتحللة، بهذا المعنى يصبح الخوف حافزاً خلاقا ونبيلا يدافع عن حق وجودنا ويعد بالأمل.
* الطرح السابق يعني قناعتك ككاتبة بأن الرواية قد تكون أداة تغيير!
بالفعل، من الممكن ان تكون الكتابة مؤثرة. بالطبع الواقع محبط بحكم الأمية، وهذا يقلل من فرص التأثير والتفاعل مع القراء، لكنه لاينفي أهمية دور الكاتب ومسؤولياته تجاه مجتمعه رغم ضيق المساحة المتاحة فعلى الكاتب ان يكشف ويستكشف.. ان يسعى للتغيير.. لأنني ككاتبة لا أكتب لروحي، وإن كنت أرفه عن نفسي وأدفع عنها الملل بالكتابة، فلماذا أتكبد مشقة النشر وأبحث عن التواصل مع الآخرين، لو كان الأمر هكذا فالموت أفضل.. إنني لدي أمل ليس فقط في أن تكون الرواية أداة تأثير بل ان يعاد انتاجها في أشكال فنية أخرى أوسع انتشاراً وأقوى تأثيراً.
* إذا انتقلنا إلى اهتمامك بالترجمة.. على أي أساس تختارين النص المترجم؟
هناك بعض الظروف والملابسات قد تفرض علي ترجمة نص بعينه.. ولكن عندما تكون فرصة الاختيار متاحة أمامي فإنني أبحث عن النصوص التي تحمل قليلاً أو كثيراً من الأسئلة أو الإجابات التي يمكن ان يستفيد منها مجتمعي العربي والتي تعطي دفعة لتغيير واقعنا.
* هل كنت واعية بهذا عندما اخترت ترجمة «غرفة تخص المرء وحده لفرجينيا وولف»؟
كتاب «غرفة تخص المرء وحده» يعتبر «مانفستو» الحركة النقدية النسوية، ويكتسب أهميته من الخلط الحاصل حاليا بين حقوق المرأة القانونية والسياسية وبين نظرة المجتمع ككل إلى المرأة وتنميطها من المهم ان تقوم الحركة النسائية بتفكيك هذه النظرة وليس القيام بالمظاهرات أو المطالبة بحقوق انتخابية. فأحد أوجه الحركة النسوية الكتابة والنقد لتفكيك البنى العميقة التي تسيئ إلى المرأة كإنسان وكشريك للرجل في الحياة. وهذا مايميز الكتاب الذي صدر عام 1928 ولم يترجم إلا في عام 1999م.
* من خلال عشر سنوات غربة.. كيف ترين الواقع الثقافي العربي في ا لمنافي؟
تغربت من وقت كانت الثقافة العربية مستهجنة في الخارج، وكنا نشعر باحتقار الآخر لنا، ونعاني التنميط البشع لكل ماهو عربي في بعض الأحيان تكون هناك رؤية لطيفة لكنها «قشرية». والآن ازداد الموقف سوءاً واتسعت الدائرة لتشمل كل ماهو عربي وكل ماهو إسلامي، أو مايسميه البعض الإسلامو فوبيا، فيسموننا المسلمين مقابل الكروات والصرب مثلا، كما كانوا يقولون في القرن التاسع عشر «مسلم» ويعنون أنه تركي!
الحقيقة أنه ليس كل عربي مسلم وليس كل مسلم تركي، كما أنه ليس كل مسلم إرهابي. فلماذا المغالطة المستمرة ووضعنا في خانة رد الفعل دفاعا عن هويتنا؟ أو جعلنا نعيش ازدواجية غريبة فلا نستطيع ان نفرق بين الإسلام وبين من يسيئ للإسلام ونضطر للدفاع دائما وإلى مالانهاية.. من المهم ان نؤكد هنا على قيمة التنوع في إطار قوميتنا العربية وهويتنا الإسلامية، فهناك دول عربية متعددة مثلما هناك دول أوروبية متعددة، ولايجوز ان أحمل إحداها أوزار أخرى، تماما مثلما لايجوز ان أعاقب على هويتي من جراء تصرفات شخص آخر ينتمي إلى ذات الهوية، هذه حماقة يرتكبها الغرب ضدنا ولايجب أن نساعدها في ارتكاب هذا الخطأ الفادح.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved