سعادة رئيس تحرير صحيفة الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد كانت كلمة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء لقمة مسقط كما شهد الكثيرون كلمة متميزة تنبض بالصدق والصراحة.. ولم تتعود القمم على كلمة بهذا الحجم من الوضوح والصراحة والاعتراف بالتقصير.. لم تتعود قممنا إلا على كلمات المديح والاطراء والتغاضي عن الواقع واغماض العين عن الواقع المرير.. لم نر في القمم إلا كلمات رنانة وبيانات تدبج في اخرها من قبيل الشكر (على كرم الضيافة)، (حسن الوفادة) وكأن هذه القمم لم تعقد إلا للضيافة والوفادة بغض النظر عن آلام الأمة وآمالها العريضة.. لقد كان سموه واضحا كل الوضوح.. حين تحدث عن آلام أمتنا الإسلامية قائلا: (أيها الأخوة الكرام.. إذا ما حولنا أنظارنا صوب أمتنا العربية والإسلامية راعنا ما يحدث لاشقائنا في فلسطين الشقيقة من تدمير ومذابح دامية تتم تحت سمع العالم وبصره.. إن هذه المشاهد الأليمة تحتم على الأمة العربية والإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها أن تواجه مسؤوليتها التاريخية التي تتطلب محاسبة النفس قبل محاسبة الغير ولا يكون ذلك إلا بمواجهة أسئلة ملحة وخطيرة طالما تهربنا من مواجهتها في الماضي، إن هذا منتهى الصراحة والوضوح وبداية العلاج لما تواجهه أمتنا من مآزق ومخاطر جسيمة لأسئلة (طالما تهربنا من مواجهتها في الماضي).. الاجابة عن هذه الأسئلة تقود نحو حل المشكلة.. أي مشكلة على وجه العالم لابد من تحديدها أولا ومم نشأت ثم البحث عن حلول لها.. واختيار أنسب هذه الحلول الناجعة.. ان أمتنا يجب ان لا تكون مثل (النعامة) التي تدفن رأسها في الرمال حتى لا يصطادها الصياد وهي تحسب أن الصياد لا يراها ما دام أنها لا تراه.. إن هناك صيادين كثر يتربصون بأمتنا الدوائر.. ونحن ندفن رؤوسنا في الرمال.. وهؤلاء الصيادون يقتربون شيئا فشيئا ونحن (نتهرب) من مواجهة مشاكلنا ونأبى الاجابة عن أسئلتنا وكان سموه صريحا مرة أخرى في كلمته الشاملة.. حين بدأ يتحدث عن التحديات الاقتصادية التي تواجه أمتنا العربية حين قال: (ماذا فعلنا نحو تحقيق المبادئ السامية التي قامت عليها جامعة الدول العربية ماذا فعلنا لتحقيق معاهدة الدفاع المشترك ماذا فعلنا لتحقيق الوحدة الاقتصادية والسؤال الأهم هل ما يدور الآن في فلسطين من قمع دموي سيحدث لو أن إسرائيل وجدت أمامها امة تتحرك عبر مؤسسات فاعلة وقوية مؤثرة).. إن مثل هذا الكلام لم نسمع مثله منذ زمن طويل ومثل هذه المكاشفة للأخطاء هي الخطوة الأولى من الألف خطوة بدلا من العواطف وعقد القمم لمجرد عقدها فقط..
وكان سموه شجاعا حين قال: (إن وقتنا أثمن من أن نضيعه في استجداء الدول والمنظمات الدولية واستعطافها وقد فعلنا هذا عبر عقود طويلة من الزمن بلا جدوى). إن خير دليل على مقالة سمو ولي العهد هو موقف أمريكا قبل أحداث 11 سبتمبر حيث ناصرت الطاغوت الصهيوني ووقفت إلى جانبه في الأمم المتحدة رافضة بالفيتو ارسال قوة حماية (حماية فقط وليس دفاع او تسليح للفلسطينيين) ليس هناك بعد هذه الاهانة للعرب والمسلمين اهانة في هذه (المؤسسة الدولية).
ويبلغ سموه قمة الصدق مع النفس حين يقول: (وحين ناشدنا العون من الغريب ونسينا القريب وحين فتحنا بيوتنا وأسواقنا لمنتجات الآخرين وسددناها أمام المنتجات العربية والإسلامية).
لقد كانت هذه الكلمة كسراً لحاجز الروتين.. وحاجز الخوف من الصراحة ونقد الذات في عالمنا العربي يجب ان تكون هذه الكلمة أنموذجا لما يجب ان تكون عليه الكلمات في القمم بدلا من الانسياق وراء العواطف واستغفال الآخرين بكلمات استهلاكية.. ان هذه المصارحة تختصر الكثير من الجهد والعناء.. يجب ان تكون كسراً لما تعودنا عليه من قمم تنتهي ببيان خداع.. وبلاغات (العاصمة الفلانية والعلانية) ولقمم (كرم الضيافة) و(حسن الاستقبال).
م. عبدالعزيز بن محمد السحيباني - البدائع |