* حوار: عبدالحفيظ الشمري
صالح سعيد باعامر كاتب قصة وروائي يمني صدرت له العديد من الأعمال القصصية والروائية، وأسهم في كتابة المقال في العديد من الصحف المحلية في اليمن والعالم العربي..
وإضافة الى كونه أديبا وكاتبا يشغل الاستاذ باعامر منصب مدير عام مكتب وزارة الثقافة باليمن «حضرموت» كما انه منتسب الى العديد من الاتحادات، والعضويات الثقافية في اليمن.. وحول جملة من القضايا الثقافية والادبية، وهموم الادب في العالم العربي كان لنا معه هذا الحوار الذي جاء على هذا النحو:
* كيف كانت اولى التجارب في مجال الكتابة الأدبية.. بمعنى هل كانت البداية شاقة؟
كل البدايات تكون شاقة، فمنذ ان كنت صغيراً وانا مولع بالتلقي الثقافي سيما السرد الحكائي الشعبي في حضرموت ثم الاتجاه نحو القراءة، كنت اتوق الى المعرفة معرفة كل شيء قرأت قصصاً كثيرة وحكايات واطلعت على العديد من المجلات الادبية والدوريات لكن البداية التي اسست معرفتي بالحكاية هي تلك الحكايات التي كانت تقصها لي جدتي والتي كان يرويها ابي آناء الليل ثم خالي الذي جلب لي كتاب الف ليلة وليلة من الحجاز التي اجتذبت اليها كثيراً.
هذا التلقي وهذه القراءات اوجدت لدي معرفة والماماً بفن السرد الشعبي في حضرموت والذي بالطبع لن يختلف كثيراً عن فن السرد في اليمن والجزيرة والخليج والوطن العربي.
هذه كانت البدايات التي دفعتني الى القراءة الاعمق ومن ثم الكتابة بدءاً بالمقالة الصحفية ومروراً بكتابة الخاطرة والحكاية واخيراً القصة والرواية.
وقد افادتني الصحافة بعد نيلي دبلوما في الصحافة من مصر والاشتغال بها بعد ان عملت في مجلة الطليعة الكويتية الاسبوعية التي من خلالها صارت الكتابة والقصة القصيرة هاجسي والرواية مؤخراً ملاذي بعد ذلك لتترا تجربتي وحيادتي الصحفية والثقافية الى قراءة الروايات والمجموعات القصصية بدءاً برواية «الحرب والسلام» لتولستوي وقصص يوسف ادريس ويحيى حقي ومحمد محمود تيمور وغيرهم.
وبعد عودتي من الكويت 1966م اطلعت على القصة في حضرموت واليمن عموماً لمحمد عبدالولي واحمد محفوظ عمر وعبدالله سالم باوزير، ثم الاطلاع على روايات وقصص الطيب صالح وحنا مينه والكاتب اليوناني كزنتراكي ومكسيم جوركي وتشيكوف وآخرون.
كل هذه القراءات شكلت لي نقلة «ثقافية» وادركت معرفة اللغة التي تكتب بها القصة وبعض التقنيات والبناءات مثل البناء القصصي الذي كان يعتمد على:
* المقدمة.
* العقد.
* الحل.
من هنا كانت البداية التي اوصلتني الى كتابة القصة القصيرة ونشر اول قصة رضيت عنها الا وهي «انتظار» التي ضممتها في مجموعتي القصصية الاولى «حلم الأم يمنى» التي كانت انطلاقتي نحو هذا العالم الفني الجميل والمدهش وشيئاً فشيئاً الى ان اهتديت الى النقد الادبي والدراسات بمختلف مدارسها وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بنقد القصة والرواية وابرز النقاد: الدكتور عبدالحميد ابراهيم، محمود امين العالم، جابر العصفور، الدكتور عبدالعزيز المقالح، والدكتور عبدالله حسين البار، والاستاذ سعيد السبتي والدكتور محمد ابو بكر حميد والاستاذ طه حسين الحضرمي والاستاذ هشام علي والاستاذ عبدالكريم قاسم وآخرون.
بذلك حاولت الاقتراب من اخبار واسرار هذا الفن لكني ظللت اهجس بمعرفة المزيد عن طريق القراءة الدائبة لأن هذا النوع من الادب يحتاج الى صبر وتضحية سيما الذي يود ان يكون له حضور طيب لذا فلا بد ان يحاول ان يتميز وان يضيف كل شيء جديد الى تجربته الابداعية والا تأرجح في مكانه والاضافة هنا ليست في الموضوعات بل في الفن والشكل والاسلوب والمعالجة الفنية لابد ان يترى لغته ومفرداته بالقراءة والتأمل والابتكار وان يلم بتقنيات فن القصة والرواية التي انجزتها التجارب في العالم وان يضيف جديده ليكون إبداعياً غير مألوف لما هو سائد بل لابد ان يتجاوز ذاته في كل جديد يبدعه بل والدخول في المحظورات شريطة الا يخدش ثوابت الامن والذوق العام.
بالطبع ثمة مشاق عديدة لان لكل عمل متاعبه ومعاناته وهمومه سيما الابداع والا لكان كل واحد سيكتب ويبدع وحينئذ لن نميز بين المبدع وغير المبدع.
فالكاتب لابد ان يكون له حضور للوصول الى ما هو عملي.
* ماهي اول اعمالك القصصية ومتى كانت وماذا تلاه؟
اصدرت المجموعة الأولى «حلم الأم يمنى» 1983م عن وزارة الثقافة عدن طبعت بسوريا وكان البحر والمرأة والبحث عن الحرية طاغيا عليها، المجموعة الثانية هي «دهوم المشقاصي» صدرت في اوائل 1993م عن وزارة الثقافة صنعاء طبعت بدار 14 اكتوبر للطباعة عن عدن واعتبرها النقاد متقدمة على سابقتها وبانها اكثر نضجاً وأعدها أنا منجزاً ادبياً وخطوة متطورة لان فيها التركيز والتكثيف وعدم التزيد في الكلام وهي ايضاً احتفت بالبحر والمرأة الى جانب توظيف الاسطورة واللجوء الى الرمز الفني وان كانت في بعض قصصها ظهرت فيها المرأة منكسرة بخلاف حلم الام يمنى التي كانت فيها المرأة قوية.
رواية «الصمصام» صدرت في عمان بالأردن 1993م تتمحور احداثها حول استعداد البحارة للابحار بسفنهم الى شرق افريقيا ويمكننا ان نتحدث عنها لاحقاً.
وتحت الطبع «احتمالات المغايرة» ستصدر عن نادي القصة اليمني وستلاحظ هنا ان البحر والمرأة هما اكثر الفضاءات التي تعاطيت معها والسبب ان البحر هو الفضاء الواقعي الذي تتعاطاه البيئة التي اعيش فيها والمرأة التي افتقدها واقعيا واعيشها فنياً.
* كيف تنظر الى تجربة الرواية في الجزيرة العربية.. وماهي الاعمال التي تقوم بانجازها في هذا المجال؟
رواية الصمصام هي المحاولة الاولى التي قمت بانجازها وهي جزء من عمل روائي يبتدىء على اليابسة ثم ينتقل الى البحر ثم يعود الى اليابسة من جديد هذا العمل ثلاثية بدايتها الصمصام.
واشتغل الآن برواية جديدة يمكن ان اطلق عليها اسم «المكلا» وهي محاولة لتسجيل الاوضاع في اليمن وحضرموت قبل الاستقلال وبعده وبعد قيام الوحدة اما عن التجارب الروائية الاخرى في الجزيرة العربية اعتقد ان بعضها واكبت حركة تطور المجتمع وعبرت عما يعتمل به سلباً وايجاباً بل وبعضها استشرقت المستقبل كما حال روايات الكاتب الكبير عبدالرحمن منيف وهناك تجارب جديرة بالاهتمام لكننا لم نقرأها بل شاهدناها في التلفزة كشقة الحرية للقصيبي وبعض روايا ت ليلى العثمان.
ان كتابات عبدالرحمن منيف ارتقت الى مستوى النضج الفني اذ ان كل كتاباته تعد مشروعاً حضارياً متكاملا فمدن الملح تعد من استراتيجيات الكتابة الروائية العربية واجدها فرصة لاقول ان هناك هوة لابد ان تردم بين كتّاب الجزيرة العربية ليكتمل المشروع الحضاري.
الرواية اليمنية بدأت تشكل حضوراً طيباً في الفترة التي اعقبت السبعينيات والثمانينيات وان كانت الرواية الحضرمية المهاجرة بدأت منذ الثلاثينيات مثل «فتاة قاروت» وضحية التساهل للسيد احمد عبدالله السقاف وغيرها من الاعمال الادبية التي نشرت للمهاجرين الحضارم في الشرق الاقصى خاصة اندونيسيا وسنغافورا فقد اصدر الحضارم في مهجرهم اكثر من 20 صحيفة ومجلة لكن هناك روايات صدرت لمحمد عبدالولي «صنعاء مدينة مفتوحة» «يموتون غرباء» و«الرهينة» لزيد مطيع دماج وروايات حسين سالم باصديق ومحمد متنى وسعيد عولقي وآخرون.
ان كتاب الجزيرة يقع عليهم واجب تاريخي ولعمل شعلة الابداع لتوحيد الجزيرة من خلال التقارب من الكتاب وكافة المبدعين لان الجزيرة هي اساساً شعب واحد ولم تفرقه الا القوى الاجنبية، واليوم لابد ان يهتم الادباء والكتاب لهذه المنطقة لما لها من ريادة قيادة العالم فهي مهبط الرسالة الاسلامية وفيها الاراضي المقدسة وهي التي علمت العالم معنى الحياة والحب والجمال والسلام والعدالة وهي اليوم تمتلك الثروة البشرية والثروات المعدنية والموقع الاستراتيجي الهام وفيها من العقول المفكرة والمبدعة وما على الكاتب والاديب الا ان يتقدم الركب.
* من لفت انتباهكم في مجال الرواية والنقد الادبي؟
اهتممت في السنوات الاخيرة بروايات ومسرحيات الكاتب الكبير علي احمد باكثير الذي كتب عدة روايات رائدة مثل واسلاماه وسميرة شجاع والثائر الاحمد. ان كتاباته تعد ابداعاً ناضجاً يحلل الماضي والحاضر ويستشرق المستقبل ويتنبأ بمجتمع اسلامي يكون امتداداً للاسلام في عصورنا الذهبية قبل ان يحدث الانحطاط.
والكاتب الكبير نجيب محفوظ الذي كتب روايات ناضجة ادت بالرواية الى العالمية ويوسف ادريس الذي اعطى القصة القصيرة بعداً عالمياً والطيب صالح وحنا مينة وادوارد الخراط وكزتنزا كي صاحب الاخوه الاعداء وزورباء وتشيكوف وصاحب مائة عام من العزلة غابريل جارسيا وعبدالرحمن منيف رمز الرواية العربية في الجزيرة العربية.
وتعجبني في النقد الادبي كتابات د. منصور الحازمي ود. عبدالقدوس ابو صالح والدكتور عبدالعزيز المقالح والدكتور عبدالعزيز السبيل.
* هل تميل الى القصة القصيرة حتى وان كانت على حساب الرواية؟
العكس هو الصحيح فلقد بدأت قصاصاً ولا زلت اكتب القصة القصيرة و اذا كنت قد بدأت اهتم بالرواية فهذا شيء طبيعي لأن كتابة القصة قد تؤدي بك الى كتابة الرواية واذا كنت قد وجدت نفسي اكتب القصة وكذلك لا ادري كيف وجدت نفسي اكتب الرواية واذا كانت القصة القصيرة تدور حول حدث او فكرة او لقطة والابحار فيها قد لايشفي غليل كاتبها وتميل الى الاختصار والتركيز والتكثيف والى الشعرية فكل هذا يضع الكاتب بدوران في فضاء اضيق ويجعله يلجأ الى الرمز والتورية والتلميح سيما وانها في السنوات الاخيرة اخذت تاخذ من الشعر الحديث ومن قصيدة النثر ومن الفن التشكيلي اما الرواية فتتسع فضاءاتها الى درجة انك تستطيع ان تفرغ كل ما بداخلك وعند الانتهاء تجدك وقد تخلصت من كل توتراتك فتشعر بالسعادة بعد انتهاء المخاض.
في الفضاء الروائي تجد متسعاً لمعالجة الهموم والذاتية والاجتماعية لن تجدها في فضاء القصة مع هذا تجد ان القصة تأخذك لخدمة دمها فيخالجك شعور ان القصة قد اتتك على حين غرة اما الرواية تخالها امرأة ناضجة تحثك على الاستعداد للابحار في عالمها المترامي.
* وانتم تعملون في فرع وزارة الثقافة ماهي ابرز ملامح التجربة الثقافية والفنية.. وكيف تتواصلون مع التجارب الاخرى في العالم العربي؟
تجربة اليمن في المجال الثقافي جديرة بالاهتمام فوزارة الثقافة منذ اعادة الوحدة اليمنية وقيام الجمهورية اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990 استطاعت ان تقدم رؤية ثقافية مستقبلية شاملة قوامها الاهتمام بالتراث والابداع والمسرح وبناء المراكز الثقافية والتنقيب عن الاثار وانشاء المتاحف واصدار المجلات والكتب ودعم الاندية الادبية والمنتديات.
ولقد شهدت الساحة الثقافية العديد من المنجزات على مستوى الفنون والاداب والاصدارات والدوريات وقيام المهرجانات والمؤتمرات ومعارض الفنون التشكيلية ومعرض الكتاب الذي يقام كل عام ويعتبر مكتب الثقافة بحضرموت من اهم مكاتب وزارة الثقافة ويحظى باهتمام بالغ من الوزير والمحافظ وفي سياق هذا الاهتمام تم انشاء مركز ثقافي كلف الدولة مئات الملايين من الريالات.
ويوجد بالمحافظة مؤسسات عديدة ثقافية واعلامية ودور نشر وصحف ومجلات وجمعيات ادبية وفنية وناد للقصة وجمعية للفنون والغناء.. الخ.
* الهجمة الروائية الجديدة هل ترى انها ملامسة للجوانب الذاتية لدى المبدع..؟
لماذا تسميها هجمة.. اذا كانت كذلك فلا بد لنا أن نستعد لها وان نواجهها فبدلاً ان نقول هجمة يمكن ان نتفاعل معها وستخلق لدينا حافزاً للمواجهة فاستيعابها وتمثلها ومن ثم تجاوزها.. انت تستطيع ذلك ولدينا المنظمات المتطورة التي نستخدمها كاتحادات الادباء والروابط والاندية والمنتديات العامة الخاصة المنتشرة في كل ارجاء الجزيرة فنجد مثلاً نادي جدةالادبي يصدر عدداً من الدوريات كالروائي وعبقر ونوافذ وعلامات وجذور السبت هذه المنظومة جديرة بالاهتمام وقد استضافتني بعض هذه المنتديات واخص بالذكر منتدى الشيخ الشاعر محمد عبود العمودي الذي التقيت فيه ببعض الشخصيات الثقافية والادبية.
|