** أوضحت في أعداد سابقة بعض المكونات والعناصر والأدوات اللازمة للعرضة.. وذكرت بأن إبداع الشعراء هو من أهم مقوماتها وأسسها، وذلك لعدة اعتبارات يأتي في مقدمتها أن قيمة وضرورة وأهمية هذا العنصر لا تنحصر أو تتوقف على لون بعينه.. فهو المغذي الحيوي الأول لكافة الألوان.. إذ يندر وجود أي لون تراثي، أو أي موروث شعبي لا يمثل الشعر عموده الفقري.. ولغته التي يخاطب من خلالها الألباب والآذان، وحتى الوجدان.
** فالشعر هو الذي يبقى متداولا بين الناس، تحفظه الذاكرة وتردده الألسن على مر الأيام والأعوام، في الوقت الذي تتوارى فيه بقية العناصر الأخرى المصاحبة، وتنمحي من الذاكرة لكونها عبارة عن قوالب ثابتة لا تتغير سواء كانت حركية أو كانت إيقاعية.. بينما نجد أن الشعر يتجدد، يرتفع وينخفض.. يواكب الأحداث ويدونها، يصور الوقائع ويرسمها في الأذهان لتتداولها الأجيال المتعاقبة.
** بمعنى أن بقية العناصر هي أكثر حاجة إليه كي يمنحها الفاعلية والتألق والبقاء على المدى البعيد.. بينما هو أقل حاجة إليها لكونه «عالماً قائماً بذاته».. فهو يؤثر أكثر مما يتأثر في أي زمان وأي مكان.
** وميدان شعر العرضة الجنوبية لا يختلف كثيراً عن بقية الميادين المماثلة الأخرى.. فيه الجيد وفيه الرديء.. فيه الغث وفيه السمين.. فيه الإبداع والجزل وفيه الإسفاف.. هذا التفاوت والتباين الواضح برز مؤخرا تبعا للمتغيرات الكبيرة والعديدة التي طالت معظم جوانب ومناحي حياتنا، فضلاً عن ذلك السيل العرم من هواة الشعر،كل يبحث له عن موطىء قدم على الساحة كحق مشاع.. علاوة على سهولة التنقل من منطقة إلى أخرى للمشاركة في هذه الحفلة أو تلك سواء للشاعر أو المتذوق.. وهو ما كانت تفتقده الأجيال السابقة.
** ومع ذلك يظل الجيد والسمين والإبداع هي سيدة الموقف وهي المسيطرة على الساحة بفضل تواجد نماذج مبدعة عديدة.
** ويمكن لشاعر واحد أن يقوم بإحياء سهرة عرضة بمفرده، ويمكن أن يصل العدد إلى أكثر من ستة أو نحو ذلك.. وكلما زاد العدد وتنوعت المدارس، وحضرت الأسماء البارزة والمشهود لها بالقوة والباع الطويل، ارتقى الأداء، وانداحت المعاني.. وانسابت القوافي بين بدع ورد.. وكلما اشتد التنافس والتباري في إبراز القدرات الشعرية، وحيازة أكبر قدر ممكن من أدوات التحكم والمد والجزر.. تفتقت القرائح واستحوذ النتاج على إعجاب وتجاوب الحضور.
** على أن أكثر ما يميز معظم شعراء العرضة الجنوبية تحديداً هو قدرتهم العالية على التعامل في نظمهم بفن « الشقر» ببراعة فائقة لا تضعف المعاني، ولا تخل بالتركيبة.
** ولأحقية وأهمية هذا النوع من الفنون الشعرية الإبداعية سأخصص له موضوعاً مستقلاً قادماً إن شاء الله.. أحاول من خلاله إيراد بعض الأمثلة والنماذج في محاولة لإيفائه بعض ما يستحق.
إيماءة
اليوم عيد الأضحى المبارك أعاده الله على الجميع باليمن والمسرات وكل عام وأنتم بخير.
|