الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام الخمسة وقد تواترت النصوص الكثيرة على فضل الحج وأهميته للفرد المسلم وللمجتمع المسلم بل وللأمة المسلمة بأسرها، واستنبط العلماء فوائد إيمانية وتربوية متعددة تبين كثيراً من أسراره الخفية ودلالاته العميقة، وقد يكون هذا التواتر والاستنباط مبعث تساؤل عند البعض فيقول: لماذا كان الحج آخر أركان الإسلام، وهل ذلك عائد لتأخر رتبته في الفضل أو أنه راجع لمغزى أبعد من ذلك؟
اختلف العلماء والمحققون عند الإجابة على هذا السؤال وتعددت إجاباتهم وإن كانت كلها تجمع على فضل الحج وعلو رتبته، فمنهم من قال: إن الحج يؤدى فريضة مرة واحدة في العمر كله فجعله الله خاتمة لقواعد الإسلام الخمس ففرضه على الناس بعد أن شرع الفرائض كلها ولأمر «ما» وحكمة يعلمها الله حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة هي حجة الوداع وكان ذلك قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بقليل.
ومنهم من قال إن ترتيب الأركان إنما جاء بحسب استصحاب زمانها مع اشتراكها في الرفعة والفضل، فجاءت أولاً الفريضة الدائمة المتكررة التي لا يجوز الانفكاك عنها لحظة واحدة وهي شهادة التوحيد ان لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله، ثم جاءت الفريضة اليومية وهي الصلاة، ثم جاءت الفريضة الموسمية التي يمكن أداؤها في أي شهر من شهور العام وهي الزكاة، ثم جاءت الفريضة السنوية التي لا تكون إلا في شهر واحد كل سنة وهي فريضة الصوم، ثم ختمت الفرائض بالفريضة العُمُرية التي لا تكون فريضة في العمر إلا مرة واحدة وهي الحج.
ومنهم من قال إن ترتيب أركان الإسلام إنما جاءت رعاية لحاجات المسلمين فقد ربط الله عز وجل المسلمين أول ما ربطهم بآصرة العقيدة متمثلة في التوحيد واخلاص العبادة لله وحده، لأنها أول وأهم مطلوب لهم، ثم ربطهم بآصرة الشريعة لما ظهرت الحاجة لها متمثلة في الصلاة والزكاة والصيام مع ترتيب بين هذه المشروعات بحسب الحاجة إليها، ثم لما ظهرت الحاجة إلى آصرة اجتماع المسلمين بعد تمام الدين وكماله فرض عليهم سبحانه وتعالى الحج ليحقق هذه الآصرة التي هم بأمس الحاجة إليها فتكون ركناً من أركان الإسلام تحقق مع الآصرتين الأخريين كمال الدين وتمام النعمة وهو ما أعلنه عز وجل بقوله سبحانه وتعالى:{الًيّوًمّ أّكًمّلًتٍ لّكٍمً دٌينّكٍمً وّأّتًمّمًتٍ عّلّيًكٍمً نٌعًمّتٌي وّرّضٌيتٍ لّكٍمٍ الإسًلامّ دٌينْا} [المائدة: 3]
ومنهم من قال إن ترتيب الأركان إنما جاء وفقاً لما يقتضيه النظر المنطقي «العقلي» فالعقل يدرك ان اول ما يحقق إسلام المرء هو الشهادتان فكان المنطق ان تكونا أول الأركان، ثم ينتقل العقل بعد الإيمان والشهادة إلى وجوب عقد صلة بين الإله وبين العبد وهذه الصلة تتمثل في إقامة الصلاة التي لابد ان تكون تالية لعرفان العابد للمعبود بتحقيق الشهادتين، ولا يصح ان تسبق ذلك فلم يكن من المنطق ان تكون الصلاة سابقة للشهادتين.
ولما كان صلاح الإنسان في هذه الدنيا مشروطا بصلاح ما بينه وبين ربه وبصلاح ما بينه وبين الناس كان لابد لمن حقق الصلة بالله عن طريق الصلاة ان يحقق الصلة بين الناس عن طريق البذل مما أعطاه الله، فكانت الزكاة هي الخطوة التالية بعد الصلاة لبناء أركان إسلام العبد، ولم يكن من المنطق ان يطالب الإنسان بالزكاة التي هي طهرة للمال ونماء له إلا بعد ان يتحقق للعبد الإيمان بمن يطهره وينميه بتحقيق الشهادتين، وبعد ان تتحقق له صلته الروحية بالصلاة وهكذا فلم يكن من المنطق ان تكون الزكاة سابقة للشهادتين والصلاة.
ثم يأتي بعد ذلك الصيام الذي هو تضحية بشيء من شهوات النفس ورغائبها إلى حين، كما ان الزكاة تضحية جزئية بالمال بمقدار معين، ولأن الإنسان يهون عليه التضحية بجزء من ماله ويصعب عليه التضحية بمطلب من مطالب نفسه جاء ركن الصوم بعد ركن الزكاة، فإن الإنسان إذا مرن على التضحية بالمال وذاق لذاته كان مهيأ للتضحية ببعض مطالب نفسه ولا يكون ذلك إلا بعد معرفته بمن يضحي له عن طريق تحقيق الشهادتين وبعد ان تقوى صلته به عن طريق الصلاة، ومن هنا كان النظر العقلي يقتضي ان يكون الصوم بعد الزكاة وليس العكس، كما لا يمكن ان يكون سابقا للشهادتين وللصلاة.
أما الحج ففيه كل هذه الأركان الأربعة، ففيه توحيد الله تعالى والتصديق بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أبرز مشاعر الحج هي التهليل والتكبير والتحميد والتلبية باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وروح الصلاة وعميق معناها الذي توحي به كل ذلك يتهيأ في الحج أكثر مما يتهيأ في غيره، ففيه تتوطد الصلة بين العبد وربه على اكمل وجه فإن المصلي يعبد الله وهو بعيد عن حرمه وبيته فإذا حج وعاين هذا البيت لا شك يجد من الفرحة واللذة في الصلاة أضعاف ما كان يجده قبل ذلك.
والأمر كذلك حين ينفق النفقات الواجبة والتطوعية في الحج فإنه يحقق معنى الزكاة مقروناً بفضل الحج ورهبة مشاعره، وهكذا حين يصوم نفلاً أو واجباً فإنه يستشعر مع لذة الصوم لذة موقف الحج وأثره في نفسه وفي سلوكه.
وقيل: إن الحج مع الزكاة أساس النظام الاجتماعي في الإسلام فالزكاة تقيم نظام المجتمع على التعاطف والرحمة، والحج يقيمه على التعارف والألفة فيحقق الأول معنى الإخاء بنفي العقوق، ويحقق الآخر معنى المساواة بمحو الفروق، والإخاء والمساواة شعار الإسلام وقاعدة السلام.
وبذلك يتبين ان الحج ركن مهم من أركان الإسلام كغيره من الأركان، لأن البناء لا يقوم سليماً إلا بسلامة جميع أركانه فإسلام المرء لا يتم إلا بتحقيق هذه الأركان إذا توافرت شروطها، فلعل هذا يقودنا إلى تحبيب هذا الركن إلى نفوس الناس وتبيين اسراره وتقريب معانيه إلى افهامهم وقلوبهم.
إن من الدروس المستفادة من حديث العلماء عن كون الحج آخر أركان الإسلام: ان يعي المسلم أهمية ما فتح الله به عليه من قدرات ومواهب يمكن ان يستثمرها في الخير وفي فعل أنواع الطاعات دون إعنات نفسه بنوع معين مما لا يجب عليه وهو عليه ثقيل أو لا تنصرف نفسه نحو وإنما الأولى ان يبادر إلى ما تهفو إليه نفسه وتتشوق وتنشط من أعمال الخير والطاعات غير الواجبة فذلك أدعى للاتقان وأحرى بالمداومة.
عاتب رجل من الصالحين الإمام مالك رحمه الله لما رأى من انصرافه التام إلى العلم وترك ما سواه، فأجابه مالك رحمه الله بما معناه ان الله قسم بين الناس الأعمال كما قسم بينهم الأرزاق فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر في الصدقة، وآخر في الحج، وآخر في الجهاد، ثم قال الإمام مالك رحمه الله بعد ذلك: «فنشر العلم من أفضل اعمال البر ورضيت بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو ان يكون كلانا على خير».
والحج مع كونه ركنا من أركان الإسلام وانه لا يجب على الاطلاق، بل هو مقيد بشروط تضفي عليه صفة اليسر، وتزيل عنه صفة العنت وتحميه من خطر التكلف، وتتحد بواسطته المسؤوليات، برغم ذلك كله فهو مؤتمر إسلامي مهم جدا بالنسبة للمسلمين أفراداً ومجتمعات وأمة، ففي مؤتمر الحج دلائل قاطعة على المبادئ العامة للإسلام وتميزه في المجالات المختلفة، فالحج شاهد قوي على وحدة الأمة الإسلامية، حيث يجتمع المسلمون من كل جنس ولغة ولون ووطن في صعيد واحد، يتوجهون بعبادتهم إلى معبود واحد، لا فضل لذا على ذاك، إلا بمقدار تقواه وطاعته وتوحيده لربه عز وجل، وهو ميدان لتربية المسلمين على التأدب بآداب الجامعة الإنسانية الإسلامية الواحدة، وهذه الجامعة ليس لها سوى منهج واحد يدرس فيه كل مسلم حب كل مسلم والانتصار له والتعاطف معه ومشاركته فرحه وهمه، بعيداً عن مظاهر العنصرية الضيقة للتراب أو العرق أو الجنس ونحوها.
فيعطف المسلم على اخيه المسلم أياً كان موقعه، وأياً كان جنسه، ومهما كان لونه، فينتصر لمأساته، ويشاركه همومه ومشاعره، ويتفاعل مع تطلعاته، لأن الحج يبصر المسلم في معنى هام هو أن المسلم للمسلم كالبنيان.
كما أن في الحج شاهدا أكيداً على الأخوة الإسلامية، لأن تلاقي هذه الأجناس المختلفة دون أن يكون لأحدهم فضل لا يستطيع غيره الوصول إليه لا يمكن تفسيره إلا بدافع الأخوة الإسلامية الذي يعلو على العوامل الأخرى مهما كان وزنها في حساب البشر.
وفي الحج شاهد واضح على المساواة بين المسلمين، حيث إن أداء العبادة لا يعطي مزية لأحد على حساب آخر، فالعبادة أو الطاعة حق لمن سبق إليها واجتهد فيها ولا يملك أحد كائناً من كان أن يمنع مسلماً من هذا الحق ليعطيه غيره، زو أن يحرمه من جزء منه، وقد أكد الإسلام في أكثر من موضع على هذا المبدأ الهام ويكفينا في خصوص الحج قول الله سبحانه وتعالى: {إنَّ الّذٌينّ كّفّرٍوا وّيّصٍدٍَونّ عّن سّبٌيلٌ اللَّهٌ وّالًمّسًجٌدٌ الًحّرّامٌ الّذٌي جّعّلًنّاهٍ لٌلنَّاسٌ سّوّاءْ العّاكٌفٍ فٌيهٌ وّالًبّادٌ} [الحج: 25] قال ابن كثير رحمه الله: «قال قتادة: سواء لأهل مكة وغيرها».
ومؤتمر الحج ميزان دقيق لأحوال المسلمين لأنه يجمع المسلمين من كل بقاع العالم، فتقاس به حالهم، وما هم فيه من غنى وفقر، وعلم وجهل، وقوة وضعف.
ومن المقاصد العليا في الحج: كونه مجتمع المسلمين كل عام مهما نأت بهم الديار، ومهما باعدت بينهم المسافات، ومهما تقلبت بهم الأحداث، ومهما فرقهم اختلاف اللغات واللهجات، فالحج مركز دائم ومتجدد للهداية والإرشاد والإصلاح، في ميدان تتمرن النفوس المؤمنة وفي ساحاته تتعود على امتثال أمر الله والطاعة المطلقة له دون تأخير أو تردد.
هذا وبالله التوفيق.
|