Sunday 3rd March,200210748العددالأحد 19 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

قراءة في أفكار ولي العهدقراءة في أفكار ولي العهد
د. عبدالله بن عبدالرحمن الربيعي

ومضت في مخيلتي وأنا أقرأ تلك الأفكار التي تداولتها وكالات الأنباء العربية والعالمية لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس الحرس الوطني خاطرتان لموقفين أحدهما شخصي والآخر تاريخي:
أما الشخصي فحدث ليلة مناقشتي حول رسالتي للدكتوراه في جامعة السوربون في اكتوبر عام 1989م فقد دعوت الحضور أساتذة وزملاء إلى وجبة عشاء في مطعم الدار في حي سان ميشيل بباريس، وجلس معنا على منضدة الأساتذة رجل خلته أستاذاً وظنه أساتذتي مدعواً، ومايهم هنا هو ان «مجهول الهوية» هذا تطفل من أجل قراءة أفكار طالب سعودي حضر رسالة عن «العلاقات السلمية بين الصليبيين والمسلمين في فلسطين 1095 1291م) ولقد أدركت كنهه، وسر حضوره عندما وجه لي هذا السؤال: بصفتك متخصصاً في الحروب الصليبية، وأعددت موضوعاً عن العلاقات السلمية بين العرب وغزاة فلسطين من الصليبيين، هل تتصور قيام علاقات سلمية بين العرب واسرائيل، وهل تكون سعيداً وأنت ترى بيرق إسرائيل يرفرف على سفارتها في الرياض؟! أجبته بأن بحثي وان كان في ماض تولى إلا ان ثمة وجوه شبه بين غزاة مروا بفلسطين منذ ما قبل الميلاد وإلى قيام إسرائيل والمثل الأقرب لإسرائيل هو مملكة بيت المقدس التي عاشت من عام 1099م إلى 1291م وكانت عاصمتها القدس إلى عام 1187م وعكا إلى نهاية الوجود الصليبي، وخلال قرنين من الاحتلال الصليبي، كانت هناك حروب بين المسلمين والصليبيين، وهدن، وعلاقات سياسية واقتصادية وكانت هناك حدود واضحة بين الجانبين فهل حددت إسرائيل حدودها؟ وهل أعلنت نواياها؟ أم ان حلم «إسرائيل الكبرى» المرسوم على عملتها وفي مخيلة أطفالها وعيون شيوخها؟ مازال يرواد مفاوضيها؟ فكيف تتصور أنت والحالة هذه ان تنشئ هذه الدولة علاقات سياسية واقتصادية مع العرب؟ المشكلة يا هذا تكمن في فكر الإسرائيليين أنفسهم لا في عقلية العرب ليس لدينا ياهذا عقدة نفسية، ولا حساسية، فقد تعامل العرب مع شيوعيين وبوذيين. إذن على إسرائيل ان تصحح وضعها غير القانوني، قبل ان تتطلع إلى تعاون مع دول الجوار.
الأمر التاريخي، هو ماكان بين صلاح الدين وعقلاء الصليبيين من علاقات شخصية، وهدن، واتفاقيات، احترمها الجانبان، غير ان قيام مغامر صليبي يدعى «رونو دو شاتيون» بقطع الطريق على قوافل التجار والحجاج في شرق الأردن، وقرصنة في البحر الأحمر، وعجز ملك مملكة بيت المقدس عن كبح جماحه بغية احترام المعاهدة مع صلاح الدين كل ذلك جعل صلاح الدين بعد ان عيل صبره من تصرفات الصليبي الأرعن الذي سفك الدماء، وسلب الأموال ان يعلن عزمه على القضاء على هذا الفارس وأمثاله من أفراد المنظمات الإرهابية الهيكلية والاسبتارية، وتسنى له ذلك في حطين سنة 583ه/1187م ألا ترون ان منظمات الهاجناه وشاس يشبهان الهيكليين والاسبتارية وان رونو دو شاتيون هو ذاته شارون والآلة العسكرية الإسرائيلية.
كل ذلك طرأ في ذهني وأنا أراقب ردود الفعل على الطرح العربي الذي ألمح إليه ولي العهد المتمثل بعودة إسرائيل إلى حدود عام 1967م والاعتراف بدولة فلسطينية والنص المتداول له منطوق حسب مراد ا لسائل وإطار السؤال، ومفهوم حسب مبدأ المجيب وآفاق البدهيات والمسلمات والذي أفهمه من هذه المبادرة أنها لاتسعى إلى اتفاق ثنائي بين المملكة وإسرائيل لأن المملكة ليست من دول الطوق وليس لها شبر محتل وليست مضطرة إلى المصالحة، ولكنها من واقع شعورها بمسؤوليتها، تسعى إلى حقن دماء إخواننا في فلسطين وضمان حقوقهم ومستقبلهم، وذلك بإعلان دولة لهم ذات استقلال تام وحدود واضحة مسجلة في الأمم المتحدة، مرتبطة بطريق مملوك لها بين غزة والضفة، وحدود خارجية برية مع مصر والأردن، وبحرية على البحر الأبيض المتوسط، وعاصمتها القدس. وضمان حدود سورية في الجولان، ولبنان في الجنوب، مقابل تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.
وأود ان أبدي مرئيات خاصة حول ما أثير من أقوال:
1 ان الصمت العربي إزاء المجازر الإسرائيلية اليومية ضد أهلنا الفلسطينيين، ليس له مبرر، فإذا كان العرب قادرين على نصرة إخوانهم فليفعلوا، وإن كانوا عاجزين عن ذلك وهو الواقع فلا يتركوا الضحية بيد الجلاد ويطالبونها بالصبر والصمود.
2 آن الأوان للقضاء على الابتزاز باسم القضية الفلسطينية، وعلى الجميع ان يبحثوا عن حل يحفظ لأهلنا حقوقهم وانسانيتهم ويتيح لهم سبل العيش الكريم.
3 إسرائيل تتوارى تحت عباءة العولمة ومنظمة التجارة الدولية، وسوف تستفيد من خلال هذه التستر دون ان تتنازل عن شيء، لذلك فإن اعترافها بدولة فلسطينية مستقلة استقلالا كاملا، سيتيح لها ان تتعامل مع العرب وجها لوجه، بشروط تضمن للفلسطينيين كيانهم، ولعرب إسرائيل حقوقهم.
4 يظل الحديث عن السلام مع إسرائيل حبراً على ورق لأنها دولة ذات سوابق، وكل حكومة تأتي ألعن من أختها، وتجربة الفلسطينيين معهم في المفاوضات مريرة، حيث انتهت بعد سنين إلى نقطة الصفر وهذا أمر لايشجع أحداً على تكراره مع قوم لايفون بالعقود، ولايحترمون العهود من اليهود.
5 وقد يقال إن ولي أمر إسرائيل هي أمريكا، وهي راعية مفاوضات السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ومادام الميزان الأمريكي يميل نحو إسرائيل فلا أحد يثق بالراعي الأمريكي، ومن المؤسف لا بديل له.
6 الأفكار التي أثيرت هي مشروع اقتراح، قد يجمع عليه العرب وقد لا يجمعون، فهو بهذه الصفة «فكرة عربية مطروحة» والإجماع العربي ينتظر مصداقية أمريكا، ولن يحسم وضع معين للدولة الفلسطينية إلا بضغط أمريكا على ربيبتها إسرائيل إذا أرادت لها ان تهنأ بشيء من الأمن.
7 أحرجت هذه الأفكار مخططي الاستراتيجية الصهيونية في أمريكا الذين يستجدون الرأي العام الأمريكي بذريعة الخطر العربي المحدق بإسرائيل وأحرجت الساسة الإسرائيليين الذين كانوا يبررون فشل المفاوضات بالتعنت العربي، وفتحت المجال للناخب الإسرائيلي لكي يرسم مستقبل أمنه من خلال إطار الدولة العبرية قبل عام 1967م.
8 هذه الأفكار عرت الوجه الإسرائيلي من قناع التحضر وقمع الإرهاب، ومقاومة التخلف، وأصبح العالم ينتظر القبول من إسرائيل بعد ان أصبح الحل واضحاً جلياً، وهذا سيؤدي إلى عزلة إسرائيل فيما لو استمرت في سياسة الأرض المحروقة والشعب المباد.
9 هذه الرؤى أرادها الأمير عبدالله عربية الوجه واليد واللسان، يمكن تطبيقها على أرض الواقع تحت مظلة جامعة الدول العربية، ولعل العرب هذه المرة يجاوزون مرحلة الرفض والتصدي، إلى مرحلة الواقعية، وما لايدرك كله لايترك جله. وقصارى القول إن ما في الجعبة العربية قد بدا للعيان، وهي فرصة لمن أراد الأمن، ولا أمن على حساب أمن آخر، ولعل الشعب الإسرائيلي يدرك الآن ان عسكره هم الذين يوهمونه بالنصر، كما أوهم عسكر العرب شعوبهم من قبل، ولعله يدرك أيضا أن للعرب يدين، يمنى للسلام، ويسرى للسلاح لن تهنأ أسرة يهودية في مستعمرة فيها ما لذ وطاب، ما دام هناك أسر فلسطينية جرفت منازلها، وذبح أطفالها، وألقت كل ذات حمل حملها، لا أمن لاسرائيل إلا إذا أمن الفلسطيني على عرضه وأهله وماله وأرضه وللمخلصين من أمتنا تحاياي.

أستاذ العلاقات الحضارية المشارك في قسم التاريخ والحضارة بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved