أوضحنا في الجزء الثالث من هذا المقال ان السياسات التعليمية لليهود أفرزت أجيالاً استطاعت ان تعبر عن حالة من التعصب الديني لليهودية وازدراء الأديان الاخرى والتقليل من شأن شعوبها.. وجاءت المصارحة اليهودية على حساب الحق العربي الذي لم يستطع ان يدافع عن حقه.. كما كانت من نتائجها وجود شباب متطرف في السلوك، عنصري النزعة، ترسخت في عقولهم ويقينهم ان حياتهم ووجودهم مرتبط بالتخلص من الشعوب المحيطة بهم.
هكذا كانت السياسات التعليمية في الدولة العبرية، ولست هنا بصدد الحديث عن المعاملة في سياساتنا التعليمية بالمثل، ولكني أردت ان اطرح نماذج لأمم أخرى انتهجت سياسة تعليمية تفرز أفكاراً عنصرية، فكان الخطاب السياسي لقادتهم ثمرة من ثمرات هذه السياسة.. حتى ولو كان مضمون هذا الخطاب إبادة الشعوب الاخرى!!
وجاء في المقابل خطاب عربي خجول في المصارحة للتعبير عن إرادته وهو نتاج لحالة وهن تمر بها الأمة.. وكان محصلته ان الافراز الثقافي والتعليمي لامتنا لم يؤت ثماره بعد في التأثير أو يكون مرجعا ثقافيا وأيديولوجيا لخطابهم!!
وتزداد حسرتي على هذا الحال المقلوب الذي لم يحفز المعنيون بالسياسات التعليمية بمراجعة مناهجهم والتفتيش في تراثهم عن جوانب التقصير الذي عكس هذا الواقع.
ولم نكن الامة الوحيدة التي مرت بهذه المرحلة، اذ يحضرني أمثلة على نماذج كثيرة وجدت نفسها في وضع خطر فقامت بالمقارنة لدول اخرى اكثر نضوجاً وازدهاراً منها.
ففي الولايات المتحدة رأى قادة الرأي فيها ان مستوى التعليم فيها بدأ في الانحدار، وان مستوى الخريج بالمقارنة مع دول آسيوية اخرى مثل اليابان كان اكثر تفوقا.. ووجدوا ان الانتعاش الاقتصادي في اليابان يفوق بكثير اقتصاديات الولايات المتحدة.. فتم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، والاجابة عن التساؤل الهام: لماذا ننحدر نحو الهاوية، واليابان وأمم أخرى تتجه صوب القمة؟!
وكان من نتيجة البحث وتقصي الحقائق ان وجدت الولايات المتحدة بعد هذا التقدم الهائل في الصناعات المدنية والعسكرية وعلوم الفضاء.. أنها أمة في خطر اذا ما قورنت سياساتها التعليمية بالسياسات الاخرى لليابان.. وأن مستوى الخريج فيها متدنٍ مع مثيله الياباني.. ورفع التقرير الى مراكز اتخاذ القرار ووضعت في سبيل الخروج من هذا الخطر خطط مستقبلية وتعديل في مناهج التعليم.
هذا حدث في اكبر دولة في العالم قال تقريرها أنها أمة في خطر رغم هذا التقدم الهائل الذي تحظى به، فالخطر الذي ارتأوه لم يكن في تخلفهم الحاضر، ولكن في المستقبل سيكون التفوق من حليف أصحاب السياسات التعليمية الافضل الذي يحقق لهم الآن قفزات اقتصادية وتجارية اكبر.. ففتشوا عن الاسباب وعثروا على بيت الداء وهو مناهج التعليم.. وتداركوا الموقف لسد هذه الثغرة قبل ان يتسع الخرق على الراقع.
ولكم مثال آخر، فقد اجتمع القادة الاوربيون في دبلن عام 1984 ليناقشوا موضوعاً واحداً، وهماً واحداً بات جاثما على صدورهم، ويعملون معا للتخلص منه، وايجاد الحل المناسب.. وحتى يقفوا على أصل المشكلة طرحوا هذا التساؤل على انفسهم: هل بدأت اوروبا عصر الانحطاط؟!
وحتى يجيبوا عليه ناقشوا قضايا التربية والتعليم، كما وضعوا انفسهم في مقارنة مع دولتين.. امريكا واليابان، وكان جوهر تصورهم والشروط المانعة من السقوط والتدهور والانحطاط هو (تدارك الانظمة التعليمية).. وكانوا اكثر واقعية مع الذات حينما تساءلوا: هل لدى الانظمة التربوية والتعليمية الكفاءة التي تمكنهم من انتشال اوروبا من الركود وخمول التفكير اللذين باتا يهددان وضوح القدرة على التجديد في المجال التقني للأخذ بيد صناعات يرونها اصبحت عتيقة الطراز، الأمر الذي ادى بالتالي لتخلفهم عن امريكا واليابان او منافستهما؟!
هذان مثالان عن القوتين الاقتصاديتين الاكبر في العالم امريكا واوروبا يفتشون عن ذاتهم ويبحثون عن مخرج لانحطاط (تخيلوا انحطاطهم!!) والتخطيط المستقبلي للنهوض مرة اخرى مع المنافس العملاق الياباني.. ذلك المنافس الذي نجح في تجاوز ازمته اثر هزيمته العسكرية في الحرب العالمية الثانية على ايدي القوات الامريكية والآن امريكا تبحث في مناهجه التعليمية للاستفادة والاستنارة للخروج من الازمة التي بدأت تتضح معالمها في قصور مناهجهم وأسلوب التعليم في مدارسهم وجامعاتهم!!
انها دروس ونماذج من واقع الامم تبحث لنفسها عن موطىء قدم في هذا العالم، وإثبات كيان لها حتى لا تعيش على هامش الكون.. ولن يضيرنا، ولن نخسر شيئا، إذا اجتمع المعنيون بالعملية التعليمية على مستوى الدول العربية او الاسلامية وناقشوا تجارب الآخرين وسبل انتشال انفسهم من الانحطاط والتدهور.. ونبادر بالمواجهة ونسأل انفسنا ذلك السؤال: لماذا كان إعداد الطالب في دول مثل سنغافورة واليابان وكوريا وتايوان والهند أكثر كفاءة من غيره من الدول، وكان اعداده لمهام محددة في الحياة قد استثمر بشكل اكثر ايجابية
ادى في النهاية الى واقع اقتصادي وتقني وصناعي شديد التميز؟!
ويطرح هذا التساؤل: لماذا دولة كالهند، فقيرة اقتصاديا بدأت بنجاح في منافسة الولايات المتحدة في صناعة الالكترونيات ونظمها، وأنشأت القرية الذكية، التي بدأت تتبوأ مكانة دولية مرموقة لدرجة ان يتوافد عليها الامريكيون أنفسهم؟!.
ونضع أيدينا على (العلة) في المناهج والسياسات التعليمية التي أفرزت أشباه متعلمين، وأجيالاً تحمل تراجعا تقنيا وصناعيا واقتصاديا.. الى جانب انها لم تنجح في تأهيل أجيال تملك الشجاعة في التباهي بثقافتهم وهويتهم مثل غيرها من الأمم الاخرى، لكنها افرزت في محصلتها من هم مقتنعون بسلبية المقاومة والاذعان للاستسلام والركون إلى واقع لا يستطيع ان ينتشلهم من الواقع المرير وتجبر العدو الا بالتوسل واجراء حوار لا يرضاه الطرف الآخر.
إن أهم ما أختم به هذا المقال ان نعلن وبصراحة متناهية بأننا أمة في خطر ويجب ان تجتمع ارادتها للتنسيق والتشاور لمواجهة هذا الخطر قبل ان يستفحل الامر وتستحكم الازمة وتصعب معها الحلول، وتستعصي الاجراءات الوقائية.
فالامة مدعوة لمناقشة ماهية الاخطار المحدقة بها والسبل الممكنة للخروج منها.. وما هي الخطط المستقبلية للنهوض من وهدة الركود والتخلف؟! وما هي عناصر القوة (الشاملة) التي تعين في اعتمادنا عليها من أجل انتشالنا من هذه الأزمة؟!
لأننا ببساطة شديدة ما كنا نخشاه بالامس، حدث اليوم والتساؤل الذي كان مستبعدا في الماضي قفز وأطل برأسه اليوم، وأصبح الآن وجودنا وهويتنا وقيمنا وثقافتنا ووجهة نظرنا في الكون موضع تساؤل أمم اخرى، وقبل ان تتساءل هذه الامم، بدأنا نسأل انفسنا تلك الاسئلة المحرجة وللاسف لم نجد لها اجابة شافية لها.
لذلك فأنا ادعو كل الفعاليات الثقافية ورجال الفكر والمتخصصين ان يجيبوني على ذلك التساؤل الملح والضروري: ماذا يمكن ان نقدم نحن للبشرية الآن، فكرا وثقافة وصناعة وتقنية؟!
وأتمنى الا تكون الاجابة مستفيضة على ماضي الأمة المزدهر وتتناسى حاضراً يثير الشفقة ومستقبلاً ملبداً بالغيوم، الرؤية فيه ضبابية!!
فاللهم قونا ووفقنا على إصلاح أنفسنا أولاً حتى نحقق شرع الله في أرضه { إنَّ پلَّهّ لا يٍغّيٌَرٍ مّا بٌقّوًمُ حّتَّى" يٍغّيٌَرٍوا مّا بٌأّنفٍسٌهٌمً} [الرعد: 11] وذلك من خلال البحث عن جوانب علل الامة وأسباب تدهورها وتأخرها من أجل استحضار القوة المعطلة في إرادتها، للاستعانة بها في الخروج من النفق المظلم.. وكما يقول علماء النفس ان الإنسان لديه قوة هائلة جبارة لكنه للاسف لا يستخدمها الا في لحظات التعرض للموت.. وأزعم اننا نحيا الآن هذه اللحظات.. فهل تخرج هذه القوى المعطلة للذود عن هوان الامة وخروجها من حالة التوسل الى فرض تسوية عربية إسلامية عادلة؟ فيا معين!!
|