مشكلة العرب تتمثل في أنه في الوقت الذي يزدحم فيه قاموسهم الحياتي الى حد الاختناق ب «كيف» فإن هذا القاموس يخلو إلى درجة الاملاق من «لماذا فشلت كيف؟!». فعلى سبيل المثال أنك لن تعدم الحلول الجاهزة المتمحورة حول كيفية تقديم الحلول:
كيفية إزالة معوقات الوحدة العربية..، كيفية لمّ الشمل...، كيفية القضاء على العدو.. كيفية استئصال الفقر..، كيفية حل مشكلة المرور..، كيفية زرع الوعي الحضاري..، كيفية وكيفية وكيفية.. في المقابل وبمجرد الفروغ من «كيف» فلن تجد بعد ذلك أي أثر ل «لماذا!».. أقصد «لماذا لم تُجْدِ وتنفع كيف؟»، حيث يطال «الكيف» النسيان والتجاهل حتى تقبرها تراكمية الأشياء، وتعزلها عن الاذهان طبيعة الزمن المتقادم.
حسناً، من منكم سمع عن «الخطة الشاملة للثقافة العربية في واقعها ومستقبلها»، والتي تم إقرارها في المؤتمر الخامس لوزراء الثقافة العرب الذي انعقد في تونس «نوفمبر، 1985؟»، وتم إقرارها كذلك من قبل المؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم؟ لقد كانت بالفعل خطة شاملة، محورها «كيف!» هي وسائل النهوض بالثقافة العربية، وما هي طرائق إقالة عثرتها المزمنة، حيث تطلبت «كيفية» التشخيص ما يقارب ال«27» ندوة، و «600» خبير، و «61» بحثاً في «40» مجالاً من ضمنها «كيفية» إصلاح الأوضاع الاجتماعية واللغوية والتراثية والادبية والفكرية والاعلامية وخلافها. هذا وقد كانت هذه الخطة الثقافية «الشاملة» عبارة عن اسهام عربي ضمن ما أُطلق عليه حينئذ «العقد العشري العالمي للتنمية الثقافية» والذي تبنَّته منظمة اليونسكو للفترة «1988 1998».
والسؤال هو: لماذا لم تنجح «كيف؟».. بل لماذا نطرح مثل هذا السؤال السخيف! في وقت لا تعوزنا فيه الاجابات «الكيفية! متمخضات في أروقة مؤتمرات القمة العربية؟! ومن ذا الذي قرر اختيار موضوع مصيري كغربلة الثقافة العربية ضمن موضوعات «احتفاء روتيني» لمنظمة دولية وأعني بها اليونسكو..؟!
إن المسألة ليست نقصاً في «كيف»..، وليس الأمر فقراً في الحلول بقدر ما هو هدر طوفاني في الكيفية إلى الدرجة التي تراكمت فيها «كيف» فحجبت الرؤية وكتمت أنفاس الرؤية، بل وقتلت الرؤى!.. فليس هناك من حلٍّ سوى التوقف لمنح «الميِّت» كرامة الدفن، واعطاء «الأزمة» فرصة الاشتداد لكي تنفرج، فاليسر لا يتأتى الا بعد عسر، فلعل وعسى ان يتسربل من تحت الانقاض ما هو كفيل بالانقاذ، اما «التبنيج!» والمضادات الحيوية فديدنها ضخ الحياة الاصطناعية في شرايين الواقع المهترئ، فلا خوف إذن من الظلام حين تضحي «سدوله» القاعدة لا الاستثناء..، ولا ضير ولا ضرار رغم أنف «الضرر!»، فلقد أتقن العرب فنون تخدير الذات، ولاسيما أن أمامهم مسافة «ألف ميل ثقافية» يتحتم عليهم قطعها قبل التفكير بالبدء بالتفكير..، إنها رحلة شاقة كما ترون..، عليه «فانسدحوا!» يرحمكم الله..ناموا رحمة بأجسادكم..وبسم الله.. وتصبحون على خير..!
|