* كتب شريف صالح:
رغم موجة الصقيع والبرودة الشديدة استمر الاحتفال ببلوغ نجيب محفوظ سن التسعين وبدء عامه الحادي والتسعين، فاتصل به الدكتور يوسف والي نائب رئيس الوزراء مهنئا وأعلن مسؤولو وزارة الثقافة عن كتابة لوحة تذكارية عنه أمام بيته بالعجوزة وإقامة تمثال له بميدان سفنكس. كما أعلن معرض القاهرة الدولي الذي سيقام خلال أيام عن تخصيص أسبوع كامل للاحتفال بهذه المناسبة، بالإضافة إلى احتفالات الأصدقاء والجلساء والمنتديات الصغيرة. وفي الإطار نفسه أعلنت الجامعة الأمريكية عن جائزتها السنوية لأفضل رواية عربية ومنحت للكاتبة سمية رمضان عن روايتها «أوراق النرجس».
من ناحية أخرى توازى مع هذا الحضور والصخب الإعلامي صدور أعمال جديدة تحمل اسم نجيب محفوظ أثارت زوبعة شديدة في الوسط الثقافي المصري. وبدلا من أن يحتفل أصدقاؤه ومريدوه بصدور أول طبعة كاملة لجميع أعماله باللغة الإنجليزية، حيث أصدرتها الجامعة الأمريكية مؤخراً في عشرين مجلداً، تحول الاحتفال إلى جدل وصخب من نوع آخر، وتبودلت الاتهامات بشأن أعماله الجديدة التي صدرت مؤخراً باللغة العربية.
كالعادة انقسم المثقفون إلى فريقين، كل منهم يؤكد أنه يدافع عن صاحب نوبل وتاريخه الطويل مع الإبداع. ونظرا لصمت الرجل وأدبه الشديد مع الآخرين لم تصدر عنه ردود حاسمة، لتستمر توابع المعركة تعكر صفو الاحتفال!
أصل الحكاية
كانت البداية عندما أصدر الروائي محمد جبريل بالاتفاق مع ناشر نجيب محفوظ «مكتبة مصر» مجموعة قصص قصيرة قديمة جدا، كتبها محفوظ من بواكير الشباب ولم يلتفت إليها بعد ذلك. حتى جاء جبريل والناشر فاستخرجا تلك النصوص القديمة ونشرت تحت عنوان «فتوة العطوف» بمقدمة للروائي محمد جبريل.
فوجئ الكثيرون بهذه المجموعة الجديدة لنجيب محفوظ، خاصة أنها تتسم بركاكة البدايات وتساءل البعض: ما الدافع لنشرها في هذا التوقيت. كما أبدى عدد كبير من المثقفين استياءهم الشديد من أن يقدم كاتب ما أيا كان أعمال نجيب محفوظ الذي لم يقدم أحد أعماله، لا في بدايات كفاح ولا بعد حصوله على نوبل.
وقبل استعراض ردود الفعل المتباينة والتي لا تخلو من أغراض شخصية أحيانا! كان السؤال الأهم عن مكانة هذه النصوص في المشوار الطويل لنجيب محفوظ؟ وبالرجوع إلى كتاب «نجيب محفوظ: الرؤية والأداة» للناقد الراحل عبدالمحسن طه بدر يتبين أن محفوظ كان يكتب القصة القصيرة في بداياته وينشرها في بعض الدوريات آنذاك، وخلال الفترة من عام 1932 وحتى 1946 نشر محفوظ وكتب حوالي ثمانين قصة قصيرة قبل أن يلقي بثقله في مجال الرواية.
ثم اتفق مع الناشر «سعيد السحار» على انتقاء حوالي ثلاثين قصة صدرت من مجموعته القصصية الأولى «همس الجنون» ويؤرخ لها بالعام 1938م. ويلاحظ المرحوم عبدالمحسن بدر أن بالمجموعة «همس الجنون» قصتين تدور الأحداث فيهما في أجواء الحرب العالمية الثانية، فكيف تصدر المجموعة عام 1938 قبل قيام هذه الحرب بعام؟
طرح الناقد هذا السؤال على الأديب الكبير الذي حكى له أنه انتقى نصوص المجموعة من بين ثمانين نصا يمتد تاريخ كتابتها على مدار خمسة عشر عاما تقريبا، واتفق مع الناشر أن يكون عام 1938 هو تاريخ النشر باعتبار أن أغلب النصوص تعود إلى ما قبل الأربعينيات مباشرة ولا يعبر مستواها الفني عن المرحلة التالية في إبداع محفوظ بدءا من روايته خان الخليلي. معنى هذا أن محفوظ اختار لمجموعته الأولى تاريخا فنيا هو 1938، وهو التاريخ المدوّن والمعروف لكل المهتمين بأدبه، على حين أن التاريخ الحقيقي لنشرها هو عام 1946. فإذا كان الأديب الكبير واعياً بأهمية التاريخ «الفني» للنصوص وليس «الواقعي» فحسب، وإذا كان قد قام بعملية «فرز» حاسمة واستغنى عن 60% من النصوص التي كتبها لشعوره أنها دون المستوى. فهل يحق لأحد أن يعيد جمع ونشر هذه النصوص خاصة بعد مرور ستين عاما على كتابتها؟! علاوة على سؤال شكلي آخر: هل يحق لأحد أن «يقدم» أدب نجيب محفوظ للقراء؟! الروائي محمد جبريل كان حريصا أن يوضح في «مقدمته» للمجموعة أنها ليست «تقديما» لنجيب محفوظ وإنما تعبير عن محبته للأستاذ تحت عنوان «عود على بدء» وفي نفس الوقت كان لا بد من التنويه خلال سطور التقديم أن هذه النصوص كتبت في نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، وأنها تمثل الإرهاصات الأولى التي نمت واستوت في أعماله الكبيرة اللاحقة. هكذا حاول محمد جبريل أن «يبرر» مقدمته وهو يكتبها لكن كثيراً من النقاد والروائيين لم يقبلوا هذا التبرير، ورأوا أن الأستاذ فوق أي تقديم مهما اختلقنا له المبررات، ويرى الروائي يوسف أبو رية أن الدافع لكتابة مقدمة كان الطمع في الانتساب إلى كاتب عالمي.
أما عن اختيار نصوص دون المستوى ومكتوبة منذ ستين عاما لتنشر عام «2001» ويوضع عليها اسم الروائي العربي الوحيد الحاصل على نوبل، فهذا يدخل في باب التدليس على القارئ كما يقول عبدالقادر الذي يضيف أنه لو كان الغرض إفادة الباحثين والمتخصصين فيكفي العودة إلى البيبلوجرافيا التي أعدها عبدالمحسن بدر عن هذه النصوص وتواريخ وأماكن نشرها.
هناك وجه آخر للمشكلة يتمثل فيما يتردد بقوة أن هذه النصوص نشرت بدون إذن صاحبها، ويستشهد على ذلك الروائي إبراهيم أصلان بحوار لنجيب محفوظ مع يوسف القعيد الذي سأله عن آخر أعماله فأشار محفوظ بسخرية ومرارة أنه أصبح يسمع عن صدور أعمال جديدة له من الصحف مثله مثل أي قارئ!! من جانبه ينفي محمد جبريل تماما أن تكون النصوص نشرت دون إذن الكاتب الكبير، ولو حدث هذا لاستطاع بسهولة أن يفسخ عقده مع الناشر أو أن يقاضيه.
نفس المشكلة تفجّرت مرة أخرى مع رواية جديدة لمحفوظ اسمها «ما وراء العشق» كتبها عام 1980م ولم يرض عنها تماما، ورفض أن يصدرها في كتاب يحمل اسمه، لكنه لم يرفض أن يستفاد بفكرتها في فيلم سينمائي، وعلى هذا الأساس أعطاها لصديقه المخرج علي بدرخان، وبعد ما يزيد عن عشرين عاما في طي النسيان ظهرت الرواية بقوة في دائرة الضوء، على أنها «اكتشاف» رواية «مجهولة» لنجيب محفوظ!
طرح الناقد حسين عيد مقارنة أو مقاربة نقدية بين رواية «ما وراء العشق» التي لم تنشر أصلا وبين قصة قصيرة منشورة لنجيب محفوظ اسمها أهل الهوى. وضمن دراسته النقدية أجزاء من الرواية التي لا يعرف عنها القارئ شيئا، وعلى الغلاف كانت هناك كلمة قصيرة لنجيب محفوظ نفسه. عندما صدرت هذه الدراسة الرواية اعتبر الكثيرون أن هذا نوع من الاسترزاق باسم الرجل ينطوي على مغالطات كثيرة، فكلمة نجيب محفوظ على الغلاف توحي بأنه يبارك صدور هذه الأجزاء من رواية «غير منشورة» على حين أن الكلمات هي جزء من خطاب مرسل إلى الناقد ولا علاقة له من بعيد أو قريب بالرواية.
ويتساءل الروائي سعيد الكفراوي: هل يعقل أن يقدم أحد النقاد دراسة عن رواية لم تنشر ولم يطلع عليها أحد من القراء؟! ويرى الكفراوي أن أدب محفوظ مع الآخرين هو عامل من العوامل التي فجرت هذه الأزمة وغيرها بينما يرى الروائي يوسف أبو رية أنها أزمة ضمير وأزمة أخلاق في المجتمع بأسره، أصابت نجيب محفوظ كما أصابت غيره من المبدعين.
هناك تحفظات كثيرة بشأن هذين العملين تحديداً مجموعة «فتوة العطوف» ورواية «ما وراء العشق» يضاف إليها ما يثار من وقت لآخر حول كتابات تنشر على أنها آراء محفوظ في السياسة والثقافة والأحداث المختلفة، وكتابات أخرى تنشر من وقت لآخر بمجلة نصف الدنيا تحت عنوان: «أحلام فترة النقاهة». البعض يرى أن هذه الكتابات في مجملها لن تضيف شيئا إلى نجيب محفوظ ولا إلى مشروعه الروائي، وكان الأجدر به أن يتوقف نهائيا عن الكتابة الإبداعية على الأقل، بعد صدور كتابه «أصداء السيرة الذاتية»!
لكن هناك رأي مغاير يرى أن محفوظ من حقه أن ينشر ما يشاء ويكتب ما يشاء بغض النظر عن القيمة الفنية ولأن الكاتب هو وحده صاحب القرار في أن يكتب أو يتوقف. والجدير بالاعتبار في المسألة برمتها هو عدم الافتراء أو التدليس على الرجل وعدم نشر أية ورقة دون إذن واضح وصريح منه أو استغلال سماحة نفسه أو صمته فهذا أمر مخجل وغير مقبل، واستغلال رخيص لمكانة واسم نجيب محفوظ!
وفي خاتمة المطاف رغم غبار الضجيج الذي أثير صدرت مجموعة من «فتوة العطوف» مؤخرا وعليها اسم نجيب محفوظ، و صدرت الدراسة وأجزاء من رواية غير منشورة اسمها «ما وراء العشق» عن الدار المصرية اللبنانية، والحكم الأخير لقارئ نجيب محفوظ فهو وحده لأنه ليس صاحب غرض الذي يستطيع أن يقرر إن كان نشر هذين العملين أمرا مطلوبا ولائقا أم لا!!
|