تفشَّت ظاهرة «النشر» للكتب التي تتناول موضوعات النحو العربي، والتصريف، فلا تكاد تعبر بمكتبة تجارية إلاَّ تجد منها ما لا يستوعبه وقتك كي تحرص على اقتنائها، وهي في مجملها موجهة للطالب، المبتدئ، والمتقدم، والذي يحتاج إلى «إعادة» بناء لقدراته ومهاراته اللغوية،... كما إنَّها في مجملها تتفق ونظام العصر، فهي من الذي خفَّ وزنه، وثَقُل مضمونه، كذلك فهي زهيدة الثمن، في متناول قدرة «الطالب» على شرائها...، وهي عبارة عن قواميس، أو ملخصات، أو مؤلَّفات تتناسب مع الوقت الذي ضاق بما فيه، وعجز عن استيعاب كلِّ ما أوجده الإنسان كي يقضيه فيه...!!
فمن يقتني هذه الكتب فإنَّها تشجعه بسهولة حملها، ويُسْر مضمونها، ووضوح عباراتها، وجميل تعبيرها، ودلالات تراكيبها غير الحوشية في اللفظ، وغير المتقعِّرة في العبارة على حدِّ أسلوب القدماء، لأن يقرأها حاملها في أيِّ مكان، وفي أيِّ زمان، حتى في الطرقات الطويلة، أو القصيرة، في الازدحام أو الفراغ، ولعلَّ هذا السبب وحده ما يبرِّر شراءها للجميع، إذ فيها تنشيط للمعلومات، واسترجاع للحصيلة، وتدريب للمهارات الراكدة...، ذلك لأنَّ اللغة العربية قد اغتيلت كما ذكرت سابقاً على ألسنة المختصين في علومها فكيف بمن هو غير مختص؟... ولغات الأمم صمَّام أمانها، ومفاتيح معارفها، ورسوخ حضارتها...
ففي هذه الكتب إفادة... ولكن في أمر انتشارها ما يدعو إلى التَّمعُّن، حيث يطرأ السؤال: هل الحاجة إلى صحوة اللغة بين أبنائها هي الحافز لنشرها، بل وضعها على ما هي عليه في شكلها المبسط التجاري كي تكون في متناول الجميع بهدف خدمة الجميع؟...
أم هناك أهداف أخرى «لا بأس منها» تجارية على حد تعبير المستهلك الحديث؟
أم أنَّ ما أُشيع عن صعوبة اللُّغة العربية مما أثَّر في تحصيل واستيعاب الأغلب من بني يعرب على مدى الأزمان الطويلة هو الذي دفع وحدا بهؤلاء كي يضعوا هذه الكتب؟ إنهم من المختصين بلاريب فمنهم المؤلف، ومنهم المراجع، ومنهم المدقِّق... ولكن؟ من سوف يوظف هذه الكتب كي تكون بمثابة «المداخل» فقط، والأبواب، كي لا يقف عند حدودها ويحسب أنَّ دراسة وتعلُّم اللغة العربية لا يتطلب فقط عبور لحظات في عربة، أو عند تناول كوب من الكاباتشينو، أو في جلسة بين أصدقاء يهرب منهم بتصفُّح ما فيها؟...
إنَّ هذه الكتب على ما وراءها من التساؤل عن «سرِّ» انتشارها الكبير في الفترة الأخيرة إلاَّ أنَّ لها حسنات وهي مواكبتها للعصر، ولحاجة اللسان العربي إلى أسلوب ميسَّر كي يستقيم... فهل يتحقق هذا الهدف باستقامته!
أم أنَّ على العرب أن يظلوا غير مستقيمين في أمورهم كلِّها... أو بشكل أخف جلِّها؟...
|