دأبت صحراء الصمَّان على اجتذاب الرحَّالة والمؤرِّخين لزيارتها وتحديد معالمها ومعرفة حدودها منذ فجر التاريخ، ورغم كونها متاهة يلفها الغموض وتكتنفها المخاطر ويعتورها المجهول ويسربلها الغموض، ورغم كونها منطقة طاردة لقيظها اللاهب وشتائها القارس إلا أنها رغم ذلك اجتذبت عدداً كبيراً من الرحّالة والمغامرين الذين هاموا بغموضها وأمعنوا في كشف طلاسمها وتفكيك ألغازها وهي إلى ذلك كله منطقة جاذبة إذا أربعت بفعل الأمطار..
وهنا نعرض كتاب الصمان لمؤلِّفه الأستاذ سعد الشبانات، في محاولة لإلقاء الضوء على حدودها وموجوداتها:
أحب العرب الصمان، وما ذاك إلا أن إبلهم ومواشيهم هامت بها فما تكاد تهطل الأمطار وترتوي أرض الصمان ويشيع الخبر حتى يتقاطرون عليها من كل حدب وصوب. وقد قيل: إذا أخصبت الصمان ربّعت العرب.
وعندما سئلت بنت الخسّ عن أي البلاد أمرأ، قالت: خياشيم الحزن وجواء الصمان. ورغم خشونة أرضها إلا أنها منبات لما تحويه قيعانها من فياض ورياض. والسائر فيها عندما يمر بروضة من رياضها يقول: هذه أحسن من تلك مع اختلاف بينها في النبات والأزاهير، ففيها للماشية بلغة وللنفس البشرية بهجة. ومن يتجول فيها عندما تلبس حلتها الخضراء ويغادرها إلا ويعاوده الحنين إليها. ومن بين من هاموا بها فعاوده الحنين لتكرار زيارتها والتجول فيها لمعرفة أسرارها مؤلف كتاب «الصمان» الأستاذ «سعد بن عبدالعزيز الشبانات» الذي خدعته بحسنها ودلالها، أو هو خدعها باستمالتها وكثرة التردد على زيارتها حتى أبدت له من مكنونها وكشفت له عن مستورها الشيء الذي لم تبده لغيره؛ حيث دلته على فياضها ورياضها وأجوائها وأدحالها فأحفى بذلك قدميه حتى أن عجلات سيارته حفيت هي الأخرى بسبب وعورة الأرض. ولن أنسى أنه أثناء تردده عليها اتصل بي هاتفياً راغباً مقابلتي، ولعله بذلك كان يريد بث بعض ما يعانيه من جراء هذا الحب الجارف؛ لعلمه أنني أعاني مثل ما يعاني مع اختلاف في التوجه والغرض، ولعل لسان حاله يقول:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة
يواسيك أو يسليك أو يتوجع
وقد أجبته بأنني لن أتمكن من مقابلته في نهاية الأسبوع وهو وقت فراغه بسبب اعتزامي القيام برحلة ميدانية لا استطيع تأجيلها، فقال: وأنا كذلك أنوي القيام برحلة أيضاً، وكانت مصادفة أن تكون بداية انطلاقة رحلة كل منا من مكان محدد؛ لذا اتفقنا على اللقاء والمبيت سوياً ليبدأ كل منا رحلته في الصباح الباكر، فكان لقاؤنا الأول في حضن «الدهناء» شقيقة الصمان وبالتحديد بجوار «حفر بني سعد» (المزيرع حاليا) بجوار مدينة «رماح» فقضينا هناك أمسية جميلة ومفيدة في جرعاء رمل «الحاضر» وهو أول حبل من حبال الدهناء مما يلي «حفر بني سعد». وفي الصباح الباكر ذهب كل منا إلى وجهته نحو أرض الصمان؛ نظراً لاختلاف الهدف والغاية. والناس فيما يعشقون مذاهب؛ فهو ينشد ادحال الصمان وفياضه ورياضه، وأنا أنشد مسالك طرق القوافل القديمة، والتعرف على أعلامها من صوى ومذيلات ودوائر حجرية.
وقد تمخضت جولاته عن ذاك الكتاب المفيد الذي أسماه «الصمان».
وفي صباح يوم الاثنين 28/11/1422ه زارني مؤلف كتاب الصمان في منزلي بمدينة الرياض وكان بمعيته رفيق الجميع الأخ «محمد بن عثمان الفارس» وهو ممن كان يرافقه في رحلاته وجولاته، كما أنه كثيراً ما صحبني وما زال عبر الطرق القديمة، وإن كان من عجب فهو من حب هذا الرجل وشغفه بالبرية، وبكل ما له علاقة بتاريخ وآثار هذا البلد؛ وقد لاحظت عليه رغم كبر سنه أثناء مصاحبته لي في الرحلات الميدانية حرصه الشديد على اشباع رغبته عن كل أثر نقف عليه، فهو لا يكتفي بالمشاهدة وإنما يتحسس الأحجار كأنه يرغب منها أن تبثه أخبارها وتكشف له عن أسرارها، وعندما نغادر أي أثر ذي بال يحاول معرفة كل دقيقة وجليلة عنه وهيهات؛ ولا شك أن مثل هذا الرجل خير رفيق في الرحلات البحثية، وفي جلستنا هذا الصباح انضم إلينا الأستاذ «سعد بن عبدالعزيز السالم» وهو أيضاً ممن يصحبونني في رحلاتي الميدانية ولا يقل ولعاً عن صاحبنا الآخر، وهذا مما أعطى لهذه الجلسة نكهة خاصة؛ حيث استعاد كل واحد بعض الذكريات في تلك الرحلات الجميلة والشاقة في آن واحد.
وفي هذه الزيارة التي أكرمني بها هؤلاء الإخوان أهدى إليّ الأستاذ سعد الشبانات الطبعة «الثانية» من كتابه «الصمان» وهي طبعة مزيدة ومنقحة عن سابقتها، كما توجت بتلك المقدمة الرائعة لشيخنا «حمد الجاسر» (رحمه الله) حيث أثنى على محتوى الكتاب وما قام به المؤلف من جهود يشكر عليها. تلك الجهود التي يلحظها كل من يقرأ هذا الكتاب.
ولا أدل على هذا إلا ما كتبه الشيخ حمد الجاسر (رحمه الله) في تقديمه حيث قال عن الكتاب وعن اقتناعه بمحتواه:
(ولا أكون مبالغاً حين أقول: بأنني تمنيت أنه وقع تحت يدي مثل هذا الكتاب حين بدأت في تأليف القسم المتعلق ب(المنطقة الشرقية) من «المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية» وفيه ما يتعلق بمنطقة الصمان؛ إذ لم أجد أمامي من المصادر عنها سوى ما هو مدون في بعض معجمات اللغة ودواوين الأشعار..) انتهى.
إن هذه التزكية من شيخنا حمد الجاسر تحول بيننا وبين تقريظ هذا الكتاب، وإن كان لي من كلمة أقولها فهي من تفاني المؤلف في خدمة هذا الكتاب وطبعه للمرة الثانية بعد تنقيحه، وإضفاء بعض الزيادات عليه، وكذا إعداد وطباعة دليل مستقل عن الكتاب كدليل مختصر يسهل على الرحالة والمتنزهين حمله، وقد ضمنه الإحداثيات والخرائط الواردة في الجزءين الأول والثاني.
لقد أعجبت كثيراً بدقة ملاحظة المؤلف بكل ما يمر به في طريقه؛ فهو يتوقف عند كل شيء يراه لافتاً للنظر وإن لم يكن له علاقة في الأمر الذي يحققه؛ حيث نقل بعض مشاهداته النادرة في أرض الصمان عن طريق الصورة الفوتوغرافية المعبرة مثل منظر ذاك السراج «أبو شباك» أو «الفنار» سمه ما شئت، هذا السراج الصدء الذي استهوى أحد الطيور أن يبني عشه في مكان زجاجة السراج ليضع بيضه ويفرخ فيه.(1)
أو ذاك الجمل الذي حمله الفضول إلى إدخال رأسه من خلال نافذة السيارة الموالية للسائق كأنه يستطلع عما بداخل السيارة(2)، وكان الغريب في الأمر أن يتجرأ هذا الجمل بإدخال رأسه في السيارة بينما كانت الأبل تهرب عندما تقبل السيارة من بعد. قد يكون للشعير دور في هذا الأمر!!
ومن المناظر البديعة التي لا يتنبه لها كل أحد هي تلك الصورتان لسيارتين قديمتين(3) منطرحتين في أرض الصمان (موديل) 66 ،68 وقد اصبحتا بالفعل أثراً من الآثار؛ لكونهما يشبهان عظام بعيرين ماتا في أرض الصمان منذ زمن طويل.
ومن الأمور التي تحسب للمؤلف توقفه عند كل أثر يراه وإن كان خارجاً عن نطاق ما يحققه؛ فقد حدد لنا عدداً من الركامات الحجرية التي مرّ في أرض الصمان وسماها «مواقع أثرية» ولم يدخل في مجال تعريفها لأنها خارجة عن نطاق بحثه وانما اكتفى بوصفها وتحديد اماكنها تاركا امرها للآثاريين.
واحب هنا ان اقول: إن تلك الركامات الحجرية والتي منها تلك الدوائر الحجرية التي شاهدها المؤلف ما هي إلا أعلام طرق القوافل القديمة ولا شيء غير هذا. وقد وقفت عليها وعلى الكثير من أمثالها أثناء تتبعي لمسار طريق «المنكدر» وغيره من الطرق التي تخترق أرض الصمان والدهناء.
ولعلمي أن الأستاذ الشبانات يواصل بحثه لإكمال ما بدأه عن أرض الصمان فإني آمل منه حصر جميع ما يشاهده في طريقه أثناء رحلاته الميدانية من أمثال هذه الصوى والمذيلات والدوائر الحجرية؛ لأن في ذلك تسهيلاً لمن يريد تتبع مسارات الطرق القديمة.
وأخيراً أرجو من الله أن يكلل مساعي هذا الباحث المتميز المثابر بالنجاح، كما آمل ألا يترك في الميدان وحده؛ إذ لا بد من مد يد العون والمؤازرة له ولأمثاله من الباحثين الجادين نظراً لما يتحملونه في رحلاتهم الميدانية من صعوبات في حر الصيف اللافح، أو برد الشتاء القارس.
وأحب أن أهمس في أذن مؤلف كتاب «الصمان» وأقول: إن من الحب ما قتل فلا تخدعك الصمان بجاذبيتها وجمالها، فأوغل فيها برفق.
وبالله التوفيق،،،
عبدالله بن محمد الشايع
هوامش:
(1) ص 1/196.
(2) ص 85 من الدليل.
(3) ص 57 و91 من الدليل.
|