< نددْتُ أكثر من مرة بمحاولات مصادرة خصوصية الجمال في لغتنا العربية الجميلة، وأشرتُ إلى ما تواجهه هذه اللغة في عقر دارها من تجاهل عنيد من لدن بعض أبنائها الذين رضعوا موروثها المبدعَ، قراءةً واستماعاً وحديثاً، وتسَاءلتُ وقتئذٍ وأتساءلُ الآن: إذا كان هذا فعل أهل بيت «الضاد» إزاء لغتهم، فماذا عسانا أن نقول عمّنْ إعْوجّ لسانُه، جَهْلاً بهذه اللغة أو تجاهلاً لها من عرب آخرين وعجم!!
]]
< وتدليلاً على صحة هذه الرؤية، أقول:
انظروا إلى كثيرٍ من مراسلاتنا الحكومية التي لا تلتزم بقواعد اللغة، نحواً وصرفاً وأسلوباً!
تأملوا بعضَ ما ينشر من مقالات، بل وأبحاث في الصحف والمجلات، حيث «تُجلد» لغتُنا الجميلةُ عبر سطورها جلداً!
استمعوا إلى ما تبثه بعض القنوات الفضائية، مسموعة ومرئية، من أحاديث وخطب ومداخلات تئنّ بالمخالفات اللغوية!
وقبل أن أمضي في هذا الحديث.. أود أن أنفي عن نفسي ظن السوء مخافة أن يقذفني مجتهد بالتعصب الأحادي لمصلحة اللغة العربية.. أو التنكّر لما سواها من اللغات الحيّة الأخر. وأذهب إلى أكثر من ذلك فأقول إن تعددية اللسان باتت في عصرنا هذا ضرورة يُعرفُ بها ويُعرّفُ الإنسان الحديث، مثقفاً كان أو رجل أعمال أو محترفاً لمهنة من المهن المتطورة تأهيلاً وتقنيناً، وأن الاعتماد على اللغة الأم وحدها يحرم المرءَ الطموحَ فرصة الإلمام بالعلوم والمعارف والثقافات المنجزة بلغات أخرى، وقد يعاني المرء منا بسبب ذلك «أمية ثقافية» يتواضع معها أداؤه وعطاؤه، خدمة لنفسه وبلاده ومن حوله!
]]
إذن، فمعرفة لغة أخرى أو أكثر إلى جانب اللغة الأم، ضرورة لا ترف، وهذا لا يعني بأي حال ممارسة العقوق والهجر للغتنا الأم، أو تهميشها، كتابة أو حديثا أو نحوا أو صرفا، فهي صراط الاتصال والتواصل بيننا نحن أبناءها، وتبقى اللغة أو اللغات الأخرى «تأشيرة دخول» إلى عقول وعلوم وثقافات الأمم الأخرى!
]]
وأستأذن القارئ الكريم بذكر موقف استشهد به على عقوق بعض أفراد قبيلة «الضاد» للغتهم التي كرَّمها الله وكرَّم أهلها بالقرآن، ولولاه، لذابتْ أو توارتْ خلف أسوار التاريخ!
]]
فلقد قادتني ظروفُ عمل قبل فترة إلى أحد فنادق الدرجة الأولى في إحدى مدن المملكة.. وحين وصلت إلى غرفتي وجدت في انتظاري رسالةً باسمي من مدير الفندق، يرحب بي من خلالها ضيفاً ويعرض الخدمات العديدة المتاحة، ولأول وهلة، سررت بهذا الإجراء واعتبرته تقليداً حضارياً، لولا أن الرسالة المذكورة كانت مكتوبة باللغة الإنجليزية، وكان مرسلُها عربياً، وهذا ما أثار في نفسي نفوراً، وهي ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تُفْتن فيها اللغة العربية بجحود أبنائها لها، ولو كان المُخاطبُ أجنبياً، لما كان في تلك الرسالة عيب ولا عوج، فالأفضل أن يخاطب الضيفُ بلغته الأم، أو بلغة يُحسن فهمَها!
]]
وأختم هذا الحديث باقتراح متواضع أطرحه على كل من سمو الأمين العام للهيئة الوطنية للسياحة الصديق الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز ومعالي وزير التجارة الأستاذ أسامة فقيه، ومجلس الغرف التجارية والصناعية، ومَنْ يعنيه هذا الأمر من الآخرين، مؤسساتٍ وأفراداً، وهو أن تقوم إدارات الفنادق الكبيرة بصياغة رسائل ترحيب بضيوفها متعددة اللغات، وتُسلَّم كلّ ُرسالة مع المفتاح للضيف القادم، اعتماداً على لغته، فليس أجمل وقعاً على نفس الضيف الناطق بالإنجليزية أو الفرنسية أو سواهما من أن يجد رسالة ترحب به بلغته، فما بالكم إذا كان هذا الضيفُ عربياً، حتى وإنْ أتقن لغةً أخرى غير العربية، فالمسألة في نهاية المطاف تتعلّق بكرامة الهوية ولسانها، عربياً كان أو أعجمياً!
|