Saturday 16th March,200210761العددالسبت 2 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

آفاق وأنفاقآفاق وأنفاق
بَغْلة أبي دُلامةَ
د. محمد العيد الخطراوي

البَغْل: ابن الفرس من الحمار، وهو بسكون الغين، والعامة تفتحها، ويُجمع جمع قلة على أبغال، وجمع كثرة على بغال والأنثى: بغْلة، جمعها بِغال، وبغَلات (يجب في الغين هنا: الفتح) وقال تعالى:{وّالًخّيًلّ وّالًبٌغّالّ وّالًحّمٌيرّ لٌتّرًكّبٍوهّا وّزٌينّةْ وّيّخًلٍقٍ مّا لا تّعًلّمٍونّ} [النحل: 8] أي أنه تعالى خلقها لنا للركوب والتزيّن بها، فهي نعمة تستحق منا الشكر والحمد، وكم تغنَّى الشعراء بهذه الحيوانات وتفاخروا، وبخاصة الخيل، ولكنها أيضا لم تسلم من هجومهم، إذا كبرت أو ظهر عليها بعض مظاهر العجز، أو عراها عيب من العيوب، وكأن الأشياء والأحياء تتساوى في الاحتفاء بها ما حافظت على جمالها وروائها، حتى إذا طالها شيء من القدم أو نالها قصور، تعرضت للإلغاء والاستغناء، وعابوها بالحق والباطل، ومما قيل في الإعابة: ما فلانٌ إلا كبغْلة أبي دُلامةَ، وطُيْلسان ابن حرب، وحمار طيّاب، وشاة معيد، أما الثلاثة الأواخر فقد سبق أن كتبت عنها في هذه الصحيفة، وأما بغلة أبي دلامة فهي محل حديثي إليكم اليوم. وسبب هجائه لها أشار إليه أبوالفرج الأصفهاني في أغانيه (17/53) نقلا عن المدائني، قال: كان سبب هجاء أبي دلامة بغْلته أن الشاعر عطاء السندي (هو أفلح بن يسار، الأسدي ولاءً، نشأ بالكوفة، وهو من مخضرمي الدولتين العباسية والأموية)، فخاف أبودلامة أن تشتهر بغلته بين الناس بما هجاها به عطاء، فيناله من ذلك، ما يناله فأسرع إلى بيعها، وهجاها بقصيدته المشهورة التي نتحدث عنها اليوم، وابيات عطاء هي:


ابَغْلَ أبي دُلامةَ، متِّ هَزْلا
عليه بالسخاء تُعوّلينا
دوابُ الناس تَقَضِمُ في المخَالي
وأنتِ مُهانةً لا تَقضمينا
سليه البيعَ، واستعدي عليه
فإنكِ إن تُباعي تسمنينا

وتبلغ قصيدة أبي دلامة ستّة وثلاثين بيتا، أوردها الجاحظ في (القول في البغال ص 100105) والثعالبي في (ثمار القلوب ص 361 363). ليس هو هجواً بالمعنى الكامل، لأنه ليس صادرا عن كره وبغض، ولم يقصد منه إلى تشهير أو تشنيع، ولكن المقصود اثارة الضحك وإفشاء روح الدعابة، عن طريق رسم صور مختلفة لهذه البغلة، شملت مجموعة من الصفات الحسنة والمعنوية، الساكنة منها والمتحركة، بشكل يعتمد في عامته على الإغراب والمبالغة، بادئاً من القصيدة بما يفيد تحسره وتألمه لتغير حاله من ركوب الخيل الكريمة، والبغال الأصيلة الحُضْر، أي ذات الجري الوثاب إلى ركوب بغلة وِكالٍ أبي كَسُول، والتي حوت من العيوب مايعيا به المقال، ويَحصْر (أي يعجز) المنطق:


أبعدَ الخيل أركبُها كراماً
وبعد الغُرِّ من حُضْر البغالِ
رُزئتُ ببغْلةٍ فيها وِكالٌ
وليتَ: ولم يكن غيرُ الوِكال
رأيتُ عيَوبها وعييتُ فيها
ولو أفنيت مجتهداً: مقالي
لَيَحصُرُ منطقي، وكلامُ غيري
فخيرُ خصالها شرُّ الخصالِ

ثم ذكر حالها حين يسوقها أمامه من نقزٍ ورفح وركل، وحرانها في حال ركوبه إياها، وعدم مبالاتها بضربها وركض بالرجلين دون نتيجة، قال:


فأهونُ عيبها أنّي إذا ما
نزلتُ فقلت: إمشي: لاتبالي
تقوم، فما تسير هناك سيراً
وترمحني وتأخذ في قتالي
وحين ركبتُها آذيتْ نفسي
بضربٍ باليمين وبالشمال
وبالرجلين أركُضُها جميعا
فيالك في الشّقاءِ وفي الكلالِ

ونلاحظ أن أبا دُلامة اختار لغة سهلة، مفهومة للقامة والخاصة من أهل عصره، ليضمن لدعاباته في بغلته الانتشار والذيوع، ولهذا نسي الناس ما قاله فيها عطاء السندي، ولم يبق في أذهانهم غير ما قاله أبودلامة. ولتستمع إليه يصف ذهابه بها إلى الكُناسة (العّمامة أو سوق الحمير والبغال) ليبيعها ويتخلص منها، وكيف اشتراها منه رجل أحمق جاهل بأحوال البغال:


أتيتُ بها الكُناسةَ مستبيعاً
أفكّر دائبا: كيف احتيالي!
فبينا فكرتي في السَّوم تسري
إذا ما سِْمتُ: أُرخِصُ أم أغالي؟
أتاني خائبٌ، حَمِق، شقيَّ،
قديم في الخسارة والضلال

ووثّق بيعها له بيعا لا يقبل الردّ ولا الإقالة، برئ أمامه من كل ما قد يلحظ عليها من عيب بعد إيقاع البيع، فمهما اكتشفت فيها من عيب فلا ردّ:


فلما ابتاعها مني له
في البيع غير المستقال
أخذتُ بثوبه وبرئت ممّاَ
أعُدُّ عليك من شَنِع الخصال

ثم أخذ يعدّد عيوبها الخلْقية والخُلُقية، ومنها الجرب والهزال، وضعف الأسافل والأعالي ومما يضحك من ذلك قوله:


وتفزع من صياح الديك قهرا
وتنفر للصفيرِ وللخيالِ
إذا استعجلتُها عثرت وبالت
وقامت ساعةً عند المبال
وتضرِط أربعينَ إذا وقفنا
على أهل المجالس للسؤال
فتقطع منطقي، وتحول بيني
وبين حديثهمِ مما تُوالي

ويصفها في آخر القصيدة بالهِرم وكبر السنّ، ليؤكد بذلك عدم صلاحيتها لركوبه أو حمل متاعه، ثم يطلب من الله ان يعوضه عنها بطِرفٍ. أي بجواد أصيل كريم، يُصلح به شأنه، ويتم به جماله، فيقول:


وكانت قارحاً أيام كسرى
وتذكر تبَّعاً عند الفِعَالِ
فقد مرّتْ بقرنٍ بعد قرنِ
وذخّر عهدُها لهلاك حالي
فأبدِلْني بها ياربّ طِرْفاً
تَزِين بحسن مَرْكبه جمالي

وبعد: فإن القدرة على الإبداع في أداء الرسوم الكاركتورية بوساطة الشعر، أمر ليس بالهيِّن، نجح فيه أمثال أبي دُلامة وابن الرومي في العصر العباسي، وبرع فيه أقوام من الشعراء في العصر الحديث، منهم شاعرنا السعودي حسن أبوعَلّة، وإنه لظاهرة جديرة بعناية الدارسين.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved