Saturday 16th March,200210761العددالسبت 2 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

العلاقة بين العقل والكتابة والكتاب والقلمالعلاقة بين العقل والكتابة والكتاب والقلم
د. عبدالرحمن بن سعود الهواوي

ورد في لسان العرب لابن منظور: العقل: الحِجْر، والنُّهى ضد الحمق. والعقل: التثبت بالأمور. وجمع العقل: عقول. والكتابة لمن تكون له صناعة مثل الصياغة والخياطة. والكتاب اسم لما كتب مجموعاً. والقلم الذي يكتب به.
إن ما يكتبه الإنسان ويخطه بقلمه من مقالة أو قصة أو رواية، أو مايقوله ويدونه من نثر أو شعر ما هو إلا خلاصة لما يدور في عقله وفكره وخاطره، ودليل صادق على مايهدف إليه من ذلك. وقد يكون ما يكتبه الإنسان مغايراً لما يجول في عقله وفكره ووجدانه، ولكن لظروف معينة عنده فعل ما فعل. وهنا فإن القارئ المطلع بإمكانه أن يتبين ويعرف ما خلف السطور المكتوبة وقد أقر شاعر العربية الفذ أبو الطيب بأن بعض أشعاره كانت لاتعبِّر عما كان يسعى إليه في داخل ذاته وإنما هي كانت وسيلة لتحقيق أهداف معينة عند ممدوحيه. يقول أبو الطيب في قصيدة قالها يذكر مسيره من مصر، وهي من أواخر قصائده:


مازِلتُ أُضْحِك إبلي كُلما نَظَرتْ
إلى من اخْتَضَبَتْ أخفافُها بدَمِ
أَسِيرُها بين أصْنامٍ أُشَاهِدُها
وَلا أُشَاهِدُ فيها عِفَّةَ الصَّنَمِ
حتى رَجَعْتُ وأقلامي قَوائلُ لي
المجدُ للسَّيْفِ ليس المجْدُ لِلْقَلَمِ
اكتُبْ بِنَا أَبَداً بعدَ الكِتَابِ بِهِ
فإنَّما نحنُ للأَسْيافِ كالخَدَمِ

ويقول أفلاطون: عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم، ويقول يحيى بن خالد: الناس يكتبون أحسن مايسمعون، ويحفظون أحسن مايكتبون، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون.
لو رجعنا إلى تاريخ الحضارة الإنسانية منذ قديم الزمان، لوجدنا أن بعض الكتب والكتابات قد خلدت أصحابها مدى الدهر.
مما سبق نتبين أن العقل هو المهيمن والمسيطر، والآمر والناهي لما يكتبه أولا يكتبه الكاتب، وهو المحدد لأهداف مايكتب. بحيث تنبعث الفكرة في رأس الكاتب أي في عقله، يوعز العقل إلى اليد بأن تلتقط القلم وتضعه بين أصابعها الإبهام، والسبابة والوسطى وتبدأ بخط وكتابة ما يمليه عليها.
يقول المتنبي في قصيدة يمدح بها أحمد بن عبدالله الأنطاكي:


ما دار في حَنَكِ اللِّسانُ وقَلَّبَتْ
قلماً بأحسن من نثاك أناملُ

النثا: الخبر، ونثوت الخبر: أظهرته.
ويقول الجاحظ في كتابه «الحيوان» في فضل الكتابة: ولولا الكتب المدونة، والحكم المخطوطة التي تُحَصِّن الحساب وغير الحساب، لَبَطَل أكثر العلم، ولغلب سُلطانُ النسيان سلطانَ الذِّكْر، ولما كان للناس مفزعٌ إلى موضع استذكار، ولو تم ذلك لحُرِمْنا أكَثْرَ النفع... ويقول الجاحظ في فضل القلم: فلذلك وضع الله عز وجل القلم في المكان الرفيع، ونوَّه بذكره في المصحف الشريف حين قال: {ن» وّالًقّلّمٌ وّمّا يّسًطٍرٍونّ} فأقسم بالقلم، كما أقسم بما يُخَطُّ بالقلم؛ إذ كان اللسان لايتعاطَى شَأْوَه، ولايَشُقُّ غبارَه ولايجري في حَلَبَتِه، ولايتكلف بعد غايته... ويقول الجاحظ في فضل اليد: فمن ذلك حظها وقسطها من منافع الإشارة، ثم نصيبها في تقويم القلم... ويقول الجاحظ في فضل الكتاب: والكتاب هو الذي يؤدِّي إلى الناس كتب الدين، وحساب الدواوين مع خفة نقله، وصغر حجمه؛ صامت ما أسكتَّه ، وبليغ ما استَنْطقْتَه. ومن لك بمسامر لايبتديك في حال شغلك، ويدعوك في أوقات نشاطك، ولايحوجك إلى التجمل له والتذمُّم منه. ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غِبَّاً، ووروده خِمْسا، وإن شئت لَزِمَكَ لُزَومَ ظِلِّك. وكان منك مكان بعضك.. والكتاب هو الجليس الذي لايُطريك، والصديق الذي لايغريك، والرفيق الذي لايملُّك، والمستميح الذي لايسترْثيك (المستميح: طالب العرف. واستراثه: استبطأه)، والجار الذي لايستبطيك، والصاحب الذي لايريد استخراج ماعندك بالملق، ولايعاملك بالمكر، ولايخدعك بالنفاق، ولايحتال لك بالكذب. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشَحَذَ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّدَ بنانك، وفَخَّمَ ألفاظك، وبَجَّحَ فرَّح نفسك، وعمّر صدرك، ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك، وعرفت به في شهر، مالا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغُرْم، ومن كَدِّ الطَّلَب، ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خُلُقَاً، وأكرمُ منه عِرْفا، ومع السلامة من مجالسة البُغَضَاء ومقارنة الأغبياء. والكتاب هو الذي يُطِيعُكَ بالليل كطاعته بالنهار ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولايعتلُّ بنوم، ولايَعْتَرِيه كَلاَلُ السَّهر. وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يخفرْك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عُزِلْتَ لم يدع طاعتك، وإن هبت ريحُ أعاديك لم ينقلب عليك، ومتى كنت منه متعلِّقاً بسبب أو معتصماً بأدنى حبْل، كان لك فيه غنىً من غيره، ولم تَضْطَّرك معه وحشةُ الوحدة إلى جليس السوء.
ويقول أبو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها كافوراً:


أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَا سرجُ سابحٍ
وَخَيْرُ جَلَيسٍ في الزَّمانِ كتابُ
ويقول أبو الحسن بن عبدالعزيز:
ما تَطَعَّمْتُ لَذَّةَ العَيْشِ حَتّى
صِرْتُ في وَحدتي لكُتْبي جَلِيسا

الرياض ص.ب 87416 رمز بريدي 11642

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved