تحرك الصهيونية انواعاً شتى من الحروب تتعرض لها المملكة العربية السعودية بين وقت وآخر، لتشويه سمعتها، واجبارها على التخلي عن منهجها وثوابتها، ودورها المصيري في مواجهة الصهيونية العالية، وإنني لأشعر بالفرح والسرور كلما انطلقت حملة من حملات الحروب هذه، لأن ذلك دليل على ان السعودية ثابتة في مكانها الطبيعي من عالمنا العربي والاسلامي، تدافع عن ديننا ومقدساتنا وعروبتنا، لم توهن عزمها كل الحروب الشرسة الظالمة، وليس غريباً ان تصمد السعودية هذا الصمود، ففي ارضها نزلت رسالة الاسلام، ومنها انطلقت اعظم حضارة من اشرف بقعة وفي احلك ظرف مرت به البشرية منذ فجر التاريخ «العصور الوسطى المظلمة» وبأيدي ابناء الجزيرة العربية اخضعت امبراطوريات الكفر، ورفعت راية التوحيد على انقاض معابد النار والاوثان ومحاكم الظلم والطغيان، لتقوم حضارة ربانية على اسس من العدل والاخلاق والسلام والمساواة.. حضارة تعلمت منها كل الحضارات.
وعندما اقام الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه هذه المملكة كان يدرك تمام الادراك معنى كلمة «التوحيد» فقال: «لا جامعة لنا نجتمع عليها الا كتاب الله وسنة رسوله» وادرك ايضا ان ظهور معنى هذه الكلمة في سلوك المسلم، قولاً وعملاً، يعد شرطاً اساسياً لاعتباره باقياً عليها، فكان سلوكه، قولاً وعملاً، يجسد معنى كلمة التوحيد ويعبر عنها اصدق تعبير، وفارق الحياة وهو على منهج التوحيد لم يبدله او يتهاون فيه رغم الضغوط الهائلة.
وحين تسلم ابناؤه من بعده مقاليد الامور انبأت كل سلوكياتهم، من قول وعمل، بأن الموحد الكبير وصى ابناءه من بعده ان يستمروا على منهجه: تحكيم كتاب الله وسنة رسوله في كل شأن من شؤون الحياة، بما في ذلك طريقة التعامل مع الصهيونية واعداء الله قاطبة، الجهاد في سبيل الله بكل وسيلة ممكنة لنشر الاسلام في كل مكان، نصرة الامتين العربية والاسلامية، عدم التهاون في حراسة ثغور الامة الاسلامية، نصرة المظلوم على أهل البغي والعدوان، نشر العدل والسلام، احترام انسانية الانسان، وكذلك فعلوا. وكانت القضية الفلسطينية، بما فيها المسجد الاقصى، على رأس اولوياتهم، بالاضافة الى الاراضي العربية المحتلة الاخرى، فشاركت المملكة العربية السعودية بالمال والرجال في جميع الحروب الدفاعية لصد العدوان الصهيوني، وتبنت قضايا الامتين العربية والاسلامية العادلة، ودافعت عنها امام الجمعيات والهيئات والمؤتمرات والمنظمات الاقليمية والدولية، ولم تقبل مساومة على الحقوق العربية الاسلامية، او تهادن الصهيونية الغاصبة، واقترحت انشاء كثير من المنظمات والجمعيات لدعم الوحدة العربيةوالاسلامية، متحملة كثيراً من الاعباء المالية والسياسية لهذه المنظمات والجمعيات لدعم الوحدة العربية والاسلامية، محتملة كثيراً من الاعباء المالية والسياسية لهذه المنظمات والجمعيات، وأنشأت المساجد في اماكن كثيرة من العالم، وتكبدت المشاق في سبيل نصرة المظلوم على اهل البغي والعدوان لتحقيق الامن والسلم العالميين، وتحكيم العقل والمبادئ الاسلامية في المنازعات لحقن الدماء وصيانة كرامة وانسانية الانسان، وعدت البقاء على هذا النهج من الثوابت التي لايستقيم امر الامة بدونها، ولا يحافظ بغيرها على شرف الانتماء لهذا الدين وهذه الارض الطاهرة.
وبهذا المنهج، ومن هذه المنطلقات والثوابت: وبإدراك واع للحالة المؤلمة التي وصلت اليها امتنا: وبإخلاص القلب والعقل المحب لأمته، جاءت المبادرة السعودية عن السلام في الشرق الاوسط، لتحفظ لامتنا العربية والاسلامية مايمكن حفظه من الحقوق، وتقضي على فرص كثيرة امام العدو لمواصلة عدوانه والتوسع فيه وتحقيق مزيد من اطماعه، في زمن بانت فيه الغلبة للعدو، وتكالبت فيه الاعداء على الامة، وتفاقمت فيه حالة الضعف التي تعاني منها امتنا في جميع المجالات.. مبادرة تعني حقن الدماء، والمحافظة على أرواح الابرياء، بقبول ما لابد من قبوله، وربما اجبرت الامة العربية على القبول بأقل مما احتوته هذه المبادرة ان هي رفضتها، او حتى تجاهلتها، والسعودية بهذه المبادرة تمارس عقيدة السلام، وتسير على منهج رسول الهدى في مراعاة ظروف الحال، وفي المواءمة بين مهام ومسؤوليات القائد، الدينية، والسياسية، والعسكرية، والتكتيكية، والاستراتيجية، فليس في الاسلام مايمجد الحرب او يدعو الى الاستمرار فيها ان جنح العدو للسلم، او غلب الظن بانهزام المسلمين ان وقعت واستمرت.
وفي مواجهة عقيدة السلام هذه نجد ان الكذب، والغدر، والعدوان، والاجرام، والارهاب، والفساد بشتى انواعه ووسائله، عقيدة الصهيونية منذ نشأتها، وشيمة اليهود منذ حرفوا كتاب الله تعالى قبل آلاف السنين، ويخطئ بعض المسؤولين والاعلامين العرب عندما يصبون جام غضبهم ولومهم على شخص رئيس الحكومة الصهيونية بقدر ماتقترف اجهزة الصهيونية في عهده من مذابح ومجازر وعدوان، كما هو حاصل اليوم في عهد ارييل شارون، وكأن الأمر تصرف فردي او حالة شاذة او نادرة، في حين انها عقيدة تنتظم كافة افراد وشرائح المجتمع الصهيوني على جميع الاصعدة والمستويات، والصهيونية تستفيد من هذا الخطأ العربي الكبير في فهم العقيدة الصهيونية، فبسببه ظل العرب يجرون وراء السراب، وامضوا عقودا طويلة يمارسون لعبة العصا والجزرة.. تمضي السنون وهم ينتظرون انتهاء فترة رئاسة كل رئيس وزراء صهيوني، ويعلقون الامل على مغادرته، لعل الرحم الصهيونية تأتي بأفضل منه، حتى اذا جاء الخلف تمنينا لو ان السلف يعود، لكثرة وبشاعة مايقدم عليه هذا الخلف من مذابح ومجازر وابادة بحق العرب.
والعقيدة الاجرامية الصهيونية عقيدة معروفة عند المجتمعات في كل مكان، وفي مقدمتها المجتمعات الاوروبية، والمجتمع الروسي، والمجتمع الامريكي، فقد كان ابناء تلك المجتمعات يعتقدون ان اقدام الصهاينة لاتطأ مكاناً إلا ويحل به الخراب الاقتصادي والفساد الاخلاقي، لهذا كانوا مكروهين في تلك المجتمعات ومنبوذين لايطمئن احد الى التعامل معهم، واستمر الحال على هذا المنوال حتى جاءت الثورة الفرنسية بمبادئ المساواة بين البشر، مما أتاح فرصة لدمج الصهاينة في هذه المجتمعات، باستثناء بريطانيا الاكثر معرفة باخلاق اليهود الصهاينة، ولهذا فضلت تجميعهم في اي مكان يختاره المخططون السياسيون، بهدف التخلص منهم وتسخيرهم لخدمة مصالح الاستعمار، وقد استطاعت بريطانيا اقناع باقي الدول الاستعمارية بفائدة هذه الفكرة، فضلاً عن الضغوط والاغراءات الصهيونية بوسائل كثيرة، وبدأ السفاح السياسي الصهيوني يؤتي ثماره عندما مارست بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية مع الصهاينة ضغوطاً هائلة على الخلافة العثمانية لحملها على القول باختيارهم فلسطين ليكون وطناً قومياً لليهود الصهاينة.. نعم مجرد اختيار، فقد كانت اوغندا مرشحة كمكان تلقى فيه هذه اللقيطة الممسوخة، لولا ان المصالح الاستعمارية قضت باختيار فلسطين، وبسبب رفض الخلافة العثمانية لهذا الطلب، بالاضافة الى الاطماع الاستعمارية الاخرى، اصيب السياسيون البريطانيون والفرنسيون والروس بحالة هستيرية من الكره و العداء للخلافة العثمانية، فعملوا على تقويض دعائم هذه الخلافة حتى انهارت بمساعدة من العرب مقابل وعد باستقلالهم، ولعل العرب حينها لم يكونوا قد فهموا مؤامرة سايكس بيكو السرية، التي ابرمتها بريطانيا وروسيا وفرنسا عام 1916م والتي بموجبها اقتسمت تركة الرجل المريض «الخلافة العثمانية» قبل مماته.
وعندما اصبحت فلسطين تحت الاستعمار البريطاني حرصت بريطانيا على الترويج لمفهوم انها منتدبة للاشراف على فلسطين حتى يتم تسليمه لاهله، وفوجئ العرب ببريطانيا تعلن من خلال وعد بالفور عام 1917م ان اليهود هم اهل فلسطين وليس العرب، وبهذا تنصلت بريطانيا عن وعودها للعرب وغدرت بهم وهم اجرائها ضد الدولة العثمانية، وفتحت بريطانيا، بهذا الوعد، الباب على مصراعيه للصهاينة فتهافتوا على فلسطين يحملون توراة مزورة، تنص في واحد من اكثر تعاليمها كذب على الله وعلى نبيه موسى، عليه السلام، على الآتي، حرفيا «يقول الرب: ها أنا ذا جعلتك نورجاً، سكة حديدية ذات أسنان، تدوس الجبال فتسحقها، وتجعل التلال كالعُصافة، الذين للموت فإلى الموت، والذين للسيف فإلى السيف، والذين للجوع فإلى الجوع، والذين للجلاء فإلى الجلاء».
والتوراة المزورة بهذا النص وامثاله تشرع لهم ارتكاب ابشع انواع الجرائم، بشكل يضمن ألا ينجو أحد، فالكل عندهم بوجب هذا النص اللعين إما للموت، أو للسيف، او للجوع، او للجلاء، وقد طبقت العصابات الصهيونية هذا النص بحذافيره في العدوان على العرب منذ وعد بريطانيا، وكان العدو واحداً، فنظراً لتطابق سحنات الصهاينة مع سحنات البريطانيين لم يكن العرب في فلسطين يستطيعون تحديد ما اذا كانوا يقاتلون مستوطنين صهاينة ام جيشاً بريطانياً.
ومما يلاحظ على النص السابق انه اغرب وأكذب نص وضعه انسان على الاطلاق فمع ان التوراة محرفة من آلاف السنين الا ان الصهاينة واصلوا التحريف وتعديل التحريفات السابقة حسب احتياجاتكم، والنص السابق اصدق دليل على ذلك، فمن الواضح ان هذا النص وضع بعد اختراع القطار و سكة الحديد، وتم حبك كلماته في نسيج يضفي على النص طابع القدم، ليظهر كما لو كان من نصوص التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام، وقد سكت المؤرخون الغربيون عن هذه المفارقة الفاضحة وغيرها، اما المؤرخون العرب فاهتمام اغلبهم منصب على التاريخ للأنساب، واثارة النعرات والعصبيات بين العرب.
وعلى هذه العقيدة بني الكيان الصهيوني العنصري، وشرعت عصاباته تمارس عقيدتها كبرنامج عمل يومي، لتقترف من الجرئم مالم تعرف البشرية مثيلا له، وتحت سمع وبصر ومؤازرة القوات البريطانية.. كانوا يجتاحون القرى الفلسطينية في عصابات مدججة بالسلاح، ثم يجبرون السكان على الوقوف مصطفين ويقتلونهم رميا بالرصاص، او الذبح، او التقطيع حتى الموت، بهدف ابادتهم وترويع وارهاب باقي سكان القرى الاخرى ليتركوا منازلهم وارضهم، ومن هنا ظهرت مشكلة ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
بعد ان اكتمل تدريب العصابات الصهيونية على يد خبراء الاستعمار القديم، امدتهم بريطانيا بالمال، والسلاح، والمنشآت، والآليات، وقدمت، بالاشتراك مع باقي دول الاستعمار، كل مايلزم من خبرة لمساعدة المستوطنين الصهاينة في التغلب على الفوارق اللغوية لعدد ثماني وستين لغة ينتمون اليها، ومساعدتهم كذلك في التغلب على التباين الثقافي بين مجتمعات مائة وست عشرة دولة قدموا منها، ثم غادرت القوات البريطانية عندما اطمأنت بريطانيا انها ادت دورها الاستعماري كما هو مخطط له، وان الكيان الصهيوني العنصري اصبح واقفا على قدميه فوق تراب وجثث العرب في فلسطين، مسلمة كل عتادها الحربي في فلسطين للكيان الغاصب الجديد.
وبحكم ان الولايات المتحدة الامريكية هي وريثة الاستعمار البريطاني وسياسته، وحماية الانظمة العميلة التي اقامها في العالم، تسلمت امريكا الدور واعترفت بالكيان الصهيوني في غضون دقائق من اعلان قيامه، وتبنت هذا الكيان رسميا منذ عهد الرئيس ترومان حتى اليوم، وزودته باحتياجاته، وفي مقدمتها آلة الحرب والعدوان، والغطاء السياسي، فمنذ رفع الرئيس ترومان لواء التبني للصهيونية وكذلك فعل كل رئيس بعده توفر للصهيونية دعم مادي وسياسي وعسكري هائل من أكبر دولة في هذا العالم، مكنها من الممارسة الكاملة لعقيدتها الاجرامية ضد العرب، فاحتلت باقي الارض الفلسطينية، والجولان، وسيناء، واجتاحت لبنان، واحتلت جنوبه لأكثر من عشرين عاماً، وارتكبت افظع الجرائم بحق المواطنين واللاجئين في هذه المناطق، كجرائم الابادة الجماعية في صبرا، وشاتيلا، وقانا، ونكلت بالأسرى وقتلت منهم ومثلت بجثثهم وتاجرت بأعضائهم، وعذبت المعتقلين، وخطفت الآمنين كما حدث في عام 1955م عندما هاجمت احدى العصابات الصهيونية مجموعة من البدو العزل في وادي الغار بالأردن، واختطفتهم وأنزلت بهم أقسى أنواع التعذيب، وقتلتهم ومثلت بجثثهم، إلا واحدا تركته يعود بجراحه ليروي ما تعرض له وما شاهده، ودمرت وأحرقت قوات هذا الكيان العنصري المساجد، مثلما فعلت في المسجد الأقصى، وقتلت المصلين من المسلمين اثناء تأديتهم للصلاة مثلما حدث في مسجد الخليل، وقصفت المدارس والمستشفيات والأسواق، مثل المستشفى المدني في دمشق، ومدرسة بحر البقر في مصر، وسوق الاثنين بالنبطية، وقصفت كل مخيمات اللاجئين في فلسطين ولبنان.. وامتدت آلة الإجرام الصهيونية الى القاهرة، ودمشق، وعمان، وبغداد، وتونس، وإلى أماكن اخرى كثيرة من وطننا العربية ودول العالم الأخرى.
وهاهي الصهيونية اليوم، بالاعتماد على التبني الامريكي لها، وما توفر له به من دعم، مستمرة في ممارسة عقيدتها، تحتل ارضنا العربية، وتدنس ثالث مقدساتنا الاسلامية، وتسوم ابناء شعبنا الفلسطيني واللبناني ابشع انواع العذاب والاجرام، وتقترف بحقهم اكثر الافعال خسة وقبحاً ووحشية، لإرهابهم وإرهاب امتنا العربية وحتى شمعون بيريز الذي كنا نعتقد انه أكثر الصهاينة قرباً من عملية السلام، اقترف مذبحة قانا في عملية عناقيد الغضب قبل بضع سنوات، كي يفوز في الانتخابات، ويُعد هذا التصرف من أوضح وأكبر الأدلة على ان الإجرام عقيدة يعتنقها كل افراد المجتمع الصهيوني، وإلا لما كان بيريز استلب اصوات الناخبين الصهاينة بمذبحة كهذه ضد مدنيين عزل لجأوا الى احد مراكز الأمم المتحدة في جنوب لبنان هربا من وحشية القصف، كلهم من الاطفال والنساء والشيوخ والعجزة.
|