لقد بات مهما اليوم ان ندرك ان الحوار الجاد مطلب استراتيجي وخيار يمليه المنطق، لذا لا بد من ان نسعى إلى البحث في تاريخ الحضارة البشرية عن القيم الحضارية المشتركة، ثم إبرازها في سياق موضوعي تتجلى من خلاله إنجازات الحضارة البشرية والتقائها في رصيد مشترك يجمع بين الثقافات الإنسانية المتعددة.
وانطلاقاً من هذا المبدأ انبثقت فكرة اقامة معرض «حضارة الكتابة» على هامش ندوة الإسلام وحوار الحضارات ويتزامن معها.
واختيار موضوع «حضارة الكتابة» عنوانا للمعرض نابع من الإيمان العميق بأن القواسم المشتركة بين الحضارات البشرية هو ما يجب التركيز عليه في هذا الوقت بالذات، وجعله هدفا ثابتا لحوار الحضارات وأساساً لوضع البرامج المستقبلية لتواصلها والحوار البناء فيما بينها.
والمتتبع لتاريخ الكتابة منذ نشأتها قبل خمسة آلاف سنة خلت يسترعي انتباهه انها تجسد إرثاً حضاريا إنسانياً مشتركاً، فالأقلام العالمية التي يسجل اليوم من خلالها شعوب العالم ارثهم الحضاري ومعاملاتهم العامة والخاصة حين يتساءل أو يستعرض المرء نشأتها وتطور تاريخها يجد ان اغلبها انبثق من مصدر واحد كان موطنه الأول بلاد العرب بمعناها الواسع، فعلى ضفاف دجلة والفرات وفي ربوع الشام وواحات الجزيرة العربية اهتدى سكان هذه المناطق منذ زمن بعيد إلى اختراع نظام للكتابة، قد لا يبالغ المرء إذا ما اعتبره أهم اختراع عرفته البشرية، فمن خلاله تمكن الإنسان آنذاك من تحويل لغته الشفوية إلى لغة تحريرية، وتغير بذلك مجرى حياة أمته من الحضارة الشفوية إلى الحضارة المكتوبة، أو بعبارة أخرى من ما قبل التاريخ إلى التاريخ.
ومع مرور الوقت تطور هذا الاختراع الفذ، وانتشر في أرجاء متفرقة من العالم القديم، فتحقق له بذلك الانتشار ان يصبح ارثا انسانيا مشتركا نهلت منه الثقافات العالمية اسلوبا لرسم حروف لغاتها، وطريقة لكتابة وحفظ موروثها اللغوي والثقافي، فالخطوط العالمية المعاصرة «الخط العربي، واليوناني، والإنجليزي، والروسي، والألماني، والفرنسي.. إلخ» ذات جذور تضرب في أعماق التاريخ، وكلها مشتقة من مصدر واحد كان موطنه الأصلي شرقي المتوسط.
وهذا المعرض هو تجسيد حي لسيرة «حضارة الكتابة» من نشأتها، وتتبع موضوعي لتطوراتها وتفرعاتها المختلفة، ولعل أبرز ما يسترعي انتباه الزائر لهذا المعرض هو لوحاته الخطية التي روعي في اختيارها ان تكون شواهد واضحة تُذكّر من جانب بعبقرية بلاد العرب وسمو حضارتها الفكرية وإنجازاتها العالمية، وانها كانت وما تزال مصدرا للاشعاع والابداع الفكري عبر الأزمنة، كما تنبئ من جانب آخر عن التبادل الحضاري السلمي بين شعوب وثقافات عالمية متعددة، عاد بالنفع عليها جميعاً.
وجاء المعرض مقسماً إلى فترات تاريخية، تتيح للزائر، ان يتعرف على حقب حضارة الكتابة وتوزعها في مراكز حضارية متباعدة، تنتشر في أرجاء متفرقة من العالم.
وفور دخول الزائر قاعة المعرض يواجه شواهد خطية مختلفة، إذ تطل عليه من حائط ممتد لوحات تصويرية تجسد أمثلة مختارة من نشأة الكتابة وتطورها عبر تاريخها المديد، وكلها مشفوعة بلوحات توضيحية، ويسترعي الزائر في البداية لوحة تفصيلية لشجرة الكتابة ومسميات تفرعاتها منذ نشأتها حتى وقتنا المعاصر، ثم لوحتين أخريين توضحان للزائر هيئة رسم الكتابة المسمارية والهيروغليفية، وتجسدان مرحلة الكتابة التصويرية، ويتوالى بعدهما عرض لوحات مرحلة الابجدية وهي المرحلة الثانية من مراحل تاريخ الكتابة، حيث يتتبع الزائر عبر تسلسل تاريخي نماذج للأبجدية الأوجاريتية والسينائية، ثم أمثلة للخط الفينيقي وما تفرع عنه، بدءاً بالخط الآرامي والعبري والموآبي والإدومي واليوناني واللاتيني والتدمري والسرياني والنبطي والعربي، ويتوالى عرض نماذج مختارة من خطوط الجزيرة العربية القديمة، بدءاً بخط المسند والزبور والخط الثمودي والداداني واللحياني والصفوي.
وخصص الجزء الثاني من قاعة المعرض لعرض نماذج من الخط العربي، تشرح للزائر تطوره وتطبيقاته الزخرفية، وتعرف بمدارسه المختلفة من كوفي ونسخي ومغربي وديواني.. إلخ، كما تبرز جهود الخطاطين العرب والمسلمين وابداعاتهم وابتكاراتهم المتجددة في استغلال طواعية الخط العربي لمتطلبات التشكيل الفني والزخرفي، ولعل أهم ما يثير الانتباه في اللوحات المعروضة للخط العربي هو انها خرجت من قواعد فن الخط التقليدي الذي يقتصر على حسن الخط وحسب إلى آفاق أرحب تركز أساساً على الحرف العربي وتتجلى فيه موهبة الرسم وروعة المنظر، إضافة إلى ان الموضوعات التي نفذ فيها الخطاطون لوحاتهم كانت مستمدة من آيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والموروث العربي، مما أدى إلى دمج حيوي بين الشكل والمضمون، حيث شكلت قوة دلالة المعنى وجمال الخط وحدة فنية ترسخت فيها القيم والنسب الجمالية الأخاذة، وتجلت فيها وظيفتها التربوية والثقافية كما ينبغي.
|