Saturday 16th March,200210761العددالسبت 2 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

ضمن ورقته حول الموقف العربي من العولمةضمن ورقته حول الموقف العربي من العولمة
د. حسن: لا يوجد تقارب بين عالمية الإسلام والعولمة الغربية

يلقى د. محمد خليفة حسن ورقة بعنوان «الموقف العربي والإسلامي من العولمة والشرق أوسطية» ضمن جلسات الندوة، حيث يتعرض بالتفصيل والمقارنة بين نظرية العالمية في الإسلام والعولمة الغربية التي يرى ان بها بعض نقاط التشابه وكثيراً من وجوه الاختلاف، ولعل وجه التشابه هو وجود هذا التوجيه إلى العالم في كل من العالمية الإسلامية والعولمة الغربية فكلاهما دعوتان تستهدفان العالم ككل ولديهما مشروع موجه إلى العالم كله.
وفيما عدا هذا الهدف المشترك في اطاره الشكلي الخارجي لا يوجد تقارب بين عالمية الإسلامية والعولمة الغربية، بل يمكن وصفهما بأنهما يقفان على طرفي النقيض ولا يتقابلان.
ووجوه الاختلاف كثيرة بين عالمية الإسلام وعولمة الغرب، فعلى مستوى الطبيعة نجد انه في الوقت الذي يرى فيه الإسلام إمكانية تحقيق وحدة عالمية على مستوى الدين والثقافة والفكر لا تفرق فيها بين انسان وإنسان، أو بين جماعة وجماعة، أو بين شعب وشعب، تطالب العولمة الغربية بوحدة كونية أو عالمية تحت سيادة الغرب، ويطالب الامريكيون بها تحت سيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فالعولمة نظرية او نظام تسعى إلى احتواء العالم بالتخلص من عناصره القومية أو الأممية وتوحيد هذا العالم تحت السيادة الثقافية للغرب عموما أو لأمريكا على وجه الخصوص، والغريب في هذا الأمر انه ليس توحيدا للعالم على مستوى الإنسانية بما تقضيه من اخوة ومساواة وعدالة وحب، ولكنه توحيد القوة باستخدام الاقتصاد ونظام السوق كوسيلة اجبارية للتوحيد، ولذلك فهو توحيد يتصف بالاجبارية من ناحية وبالمادية من ناحية أخرى.
أما صفة الاجبارية فتتضح في ان شعوب العالم الثالث ليس أمامها أي اختيار في مسألة العولمة فهي عملية مفروضة فرضا عليها، وذلك لاتخاذ العولمة الشكل الاقتصادي وارتباطها بقوانين اقتصادية لها طابع العالمية ومرتبطة بالتقدم الصناعي والتكنولوجي والتقدم في وسائل الاتصال والإعلام، وارتباطها من الناحية الاقتصادية بقانون الجهات المنظم للتجارة العالمية، ولا تملك دول العالم الثالث حق الاختيار أو الرفض داخل دائرة هذه المنظومة الاقتصادية العالمية، وتتضح صفة الاجبارية أيضاً في ان على دول العالم الثالث ان تأخذ بهذا النظام وحده دون غيره ولا تستطيع ان تطور لنفسها قوانينها الاقتصادية أو نظامها الاقتصادي المستقل، بل هي مربوطة بالنظام الذي هو من صنع الغرب وتطور طبيعي لتقدم الغرب اقتصاديا، والغرب هو المسيطر على آليات السوق وأدواته وتكنولوجياته والشرق ما هو إلا سوق كبير للاقتصاد الغربي ولا يملك من الآليات والأدوات والتكنولوجيا ما يمكنه من التعامل مع الغرب معاملة الند للند.
وفي مثل هذا التوحيد الاجباري المفروض لا يمكن ان تتحقق أدنى الحقوق للطرف الثاني التابع فالفائدة الاقتصادية تذهب إلى الغرب ويتحول الشرق نفسه إلى سوق يتلقى المنتج الغربي ويستهلكه فقط دون ان يكون قادراً على تصنيعه بسبب الفقر التكنولوجي والتخلف العلمي.
وهذا التوحيد للعالم في ظل نظام السوق تختفي فيه كل عوامل التقريب بين بلاد العالم ويصبح التوحيد هو توحيد الهيمنة وليس التوحيد المحقق لمصالح الشعوب. وتنتج عن هذا التوحيد الاجباري لشعوب العالم نفسه النتائج التي حدثت مع حركة الاستعمار العالمي حيث أحكم الغرب هيمنته على الشرق وتحققت المصالح الغربية على حساب مصالح الشعوب الشرقية ونتج عن هذا التوحيد الاجباري التبعية المطلقة للغرب، هذا النوع من التوحيد الذي أتت به العولمة مولد للصراع بين الشعوب ولا يمكن ان يؤدي إلى الوفاق بينها، ولهذا السبب كثر الحديث في الغرب عن صدام الحضارات وصراع الأديان والثقافات بدلاً من الحديث عن إمكانية اتفاقها والحوار بينها، ومثل هذا التوحيد الاجباري الناتج عن العولمة يولد العداء بين الشعوب لأنه توحيد قهري يجعل من يملك القوة الاقتصادية والتكنولوجية يهيمن على من لا يملكها، وهذا وضع لن تقبله الشعوب الشرقية التي ستنظر إلى الغرب على أنه العدو التقليدي الذي لم يتغير إلا في أدواته ووسائله وأنه هو نفسه الاستعمار القديم مرتدياً رداء العولمة. هذا التوحيد الاجباري مولد للظلم ومضيع للعدالة على المستوى الدولي حيث تتحول دول العالم إلى دول مسيطرة ومهيمنة ودول ضعيفة وتابعة، وهو نفس الحال الذي كان عليه الوضع في الفترة الاستعمارية، فالعولمة أداة غربية جديدة لفرض السيادة الغربية على العالم.
الصفة الثانية التي يتصف بها توحيد العالم على يد نظام العولمة هي صفة المادية، وقد وصفنا الصفة الأولى بأنها صفة الاجبارية أو توحيد العالم بفعل القوة الاقتصادية للغرب والتي لا يملك العالم الثالث أمامها أي خيار.
إن مدخل العولمة لتوحيد العالم مدخل مادي لا يقوم على أسس انسانية أو روحية أو حضارية، لقد اعتمدت العولمة على المدخل المادي الاقتصادي كوسيلة للهيمنة على فرض العالم وفرض مقولة الوحدة عليه.. وهذا بخلاف فكرة توحيد العالم التي نادت بها العالمية الإسلامية حيث كانت ولا تزال نقطة انطلاقها توحيد الإنسان على مستوى الإنسانية وعلى مستوى الدين والحضارة. وفي القرآن الكريم نقرأ:{يّا أّيٍَهّا النَّاسٍ إنَّا خّلّقًنّاكٍم مٌَن ذّكّرُ وّأٍنثّى" وّجّعّلًنّاكٍمً شٍعٍوبْا وّقّبّائٌلّ لٌتّعّارّفٍوا إنَّ أّكًرّمّكٍمً عٌندّ اللَّهٌ أّتًقّاكٍمً *13*} [الحجرات: 13] .
وهناك عدة أخطاء أو مخاطر في هذا المدخل المادي الذي اعتمدت عليه العولمة في توحيد العالم، ويكمن الخطر الأول في اعتبار المادة الأساس الأول والمهم في اقامة العلاقات بين الشعوب وبالتالي في توحيد هذه الشعوب والتقريب بينها، والمدخل المادي مدخل لا يحقق العدالة للجميع لأنه مدخل مرتبط بمن يملك القدرة المادية والتكنولوجية وهو الغرب، وبالتالي فهو مدخل يحقق السيادة للغرب على الشرق ويحول الشرق إلى سوق للغرب، وبذلك فهو من الناحية الاقتصادية لا يحقق أدنى درجات العدالة الاقتصادية.. فهو تقسيم شعوب العالم إلى شعوب غنية وشعوب فقيرة ولا يضمن توازنا اقتصاديا بين دول العالم بل يحول العالم إلى دول تأخذ وتحتكر ودول يقع عليها الاستغلال والاحتكار الاقتصادي، وتتم ترجمة البعد الإنساني في هذا المدخل المادي إلى قيام الدول الغنية بإعطاء المنح والعطايا والتبرعات للدول الفقيرة وفي بعض الحالات منح القروض ذات الفوائد الميسرة، وبمعنى آخر تحول العالم إلى دول غنية دائنة ودول فقيرة مدينة.
أما الخطر الثاني فيتمثل في ان غياب البعد الإنساني عن العولمة والانطلاق في العلاقات بين الشعوب من نقطة انطلاق مادية اقتصادية تحول العالم إلى بؤرة للصراع الاقتصادي والحروب السياسية العسكرية، ومع اختفاء الاتحاد السوفيتي كقوة اقتصادية وانفراد الغرب بالمقدرات الاقتصادية للعالم وعدم وجود توازن اقتصادي حقيقي بين الغرب والشرق سيتحول العالم إلى حلبة صراع اقتصادي يسيطر فيها النظام الرأسمالي الغربي في أبشع صوره على الاقتصاد العالمي، وكل هذا يحدث في ظل غياب قوة الدولة وظهور الشركات المتعددة الجنسيات، وانحسار القوة الاقليمية الأمر الذي يؤدي إلى تكديس الثروة في يد الغرب وزيادة الفقر في البلاد الشرقية وبالتأكيد عودة الصراع الاقتصادي في كل أشكاله وفي حدة لم يبلغها هذا الصراع من قبل، فهناك صراع سينشأ من أجل تحقيق التوازن الاقتصادي بين الغرب والشرق، وصراع سينشأ لمقاومة هيمنة دول على دول اقتصادياً، وصراع آخر سينشأ بين الشركات المتعددة الجنسيات والدول غربية كانت أو شرقية، وسينجم عن هذا صراع سياسي تحاول فيه الدول ان تحافظ على كيانها في ظل هذا الاتساع لسيادة الشركات المتعددة الجنسيات التي تجاوزت قوتها قوة الدول صاحبة السيادة التي أدت وستؤدي إلى ضياع الصفة السياسية المستقلة للدولة وبخاصة دول العالم الثالث، وسينشأ صراع بين دول منتجة ودول مستهلكة وبين دول تملك التكنولوجيا، ودول محرومة من التكنولوجيا المتقدمة ولأسباب مقصودة حتى تظل هذه القسمة إلى دول منتجة وأخرى مستهلكة مستمرة.
أما الخطر الثالث لهذا المدخل المادي الاقتصادي للعولمة في توحيدها العام فيظهر في عودة نظام الاحتكار والاستغلال الاقتصادي وفي صورة أكثر بشاعة عما كان من قبل، وتبدأ المسألة باحتكار التكنولوجيا المتقدمة وحرمان الشعوب الشرقية منها وانطلاق الشركات الاستثمارية الكبرى للاستثمار في بلدان العالم الثالث، وإذا كان الاستعمار قديما قد أخذ شكل الشركة الاستثمارية مثل شركة الهند الشرقية فإن الاستعمار الجديد يعتمد اعتمادا كليا على الشركات الاستثمارية الكبرى والمتعددة الجنسيات، وإذا كانت الدول المستعمرة قديماً عرفت عدوها ممثلاً في بلد استعماري معين وقاومته بالوسائل المعروفة فإن المستعمر الجديد شركة عابرة للقارات متعددة الجنسيات تملك قوة اقتصادية ومادية تفوق ميزانية عشرات الدول، وتعمل من خلال قانون نظام السوق وفي ظل العولمة وقانون الجات، وكل هذه أمور ستجعل من الصعب في المستقبل التخلص من هيمنة هذه الشركات وستصبح الدول الصغرى والفقيرة من أملاك شركات الاستثمار المتعددة الجنسيات وتقع تحت سيادتها وذلك بدون معارك عسكرية أو أزمات سياسية.. انه الاستعمار الجديد القادم مع العولمة.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved