Saturday 16th March,200210761العددالسبت 2 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

رؤية اقتصاديةرؤية اقتصادية
حتى لا نفقد المزيد من فلذات الأكباد
د. محمد بن عبدالعزيز الصالح

لكي يتم التوصل إلى عملية تعليمية وتربوية سليمة لطلبتنا وطالباتنا، فإنه لابد من توافر عدد من المعطيات والتي يأتي في مقدمتها المبنى المدرسي، ومن أجل توافر مبنى مدرسي صالح ومهيأ لممارسة العملية التعليمية، فإنه لابد من توافر عدد من العناصر التي يحتاجها ذلك المبنى المدرسي. وعلى امتداد الثلاث عقود الزمنية الماضية، حرصت كل من وزارة المعارف والرئاسة العامة لتعليم البنات على تأمين المباني المدرسية الملائمة والمواكبة للنهضة التعليمية المباركة، وذلك من خلال وضع خطط الإنشاءات الملائمة إضافة إلى اعتماد البنود المالية الضخمة في ميزانية الدولة لإنشاء المباني المدرسية خاصة خلال فترة الطفرة الاقتصادية التي عاشتها المملكة خلال فترة الخطتين الثالثة والرابعة «1980 1990».
إلا أنه وعلى الرغم من اعتماد البنود المالية الضخمة في ميزانية الدولة لإنشاء المباني المدرسية خلال فترة الطفرة الاقتصادية إلا أن عدم استخدام تلك البنود المالية الضخمة في ما خصصت له من بناء لمدارس نموذجية متكاملة، واللجوء إلى استئجار مبان سكنية لتكون مقار مؤقتة للمدارس التي يتم افتتاحها سنويا، كل تلك المعطيات مجتمعة ساعدت على أن يصل عدد المدارس المستأجرة وغير الصالحة لممارسة العملية التعليمية السليمة إلى نصف أعداد المدارس التابعة لكل من وزارة المعارف والرئاسة العامة لتعليم البنات.. إضافة إلى ذلك فإن الاستمرار في استئجار المدارس انما يمثل هدرا اقتصادياً من خلال إنفاق الأموال الطائلة سنويا كمبالغ إيجارية حيث يزيد ذلك من تكلفة التعليم، علماً بأن ظاهرة المباني المدرسية المستأجرة يندر أن توجد في أي من الدول الأخرى.
ومنذ منتصف التسعينات الميلادية، بدأ أصحاب القرار داخل أروقة كل من الرئاسة العامة لتعليم البنات ووزارة المعارف يدركون المخاطر التي تحف بالعملية التعليمية والتربوية وذلك كنتاج مباشر لعدم توفر المباني المدرسية الملائمة مما دفع بهم إلى إعداد خطط وطنية لمستقبل المباني المدرسية وقد ارتأت الخطة التي وضعتها وزارة المعارف عددا من السلبيات في تقويمها للأوضاع الراهنة للمباني المدرسية. كما تضمنت الخطة عدداً من الأهداف الأساسية ومنها التوسع في إنشاء المباني المدرسية الصالحة للعملية التربوية والتخلص من المباني المتسأجرة علما بأن المدة الزمنية المقترحة لإنجاز الخطة الوطنية للمباني المدرسية والتي وضعت عام 1417ه تبلغ عشر سنوات وتتضمن تلك الخطة ثلاثة برامج على النحو التالي:
البرنامج الأول: تأمين ألف مدرسة بمعدل مائة مدرسة كل عام تكلف سنوياً خمسمائة مليون ريال.
البرنامج الثاني: أعمال الصيانة والتشغيل وتتطلب توفير مائتي مليون ريال سنوياً.
البرنامج الثالث: إنشاء ثلاثة آلاف مبنى مدرسي خلال عشر سنوات بمعدل ثلاثمائة مدرسة سنوياً بتكلفة ألف وثمانمائة مليون ريال.
وقد كان واضحا أن الموافقة ومن ثم تطبيق تلك الخطة سيكون كفيلاً بالتغلب على ظاهرة المباني المستأجرة وتحقيق الاكتفاء النوعي والكمي من المباني المدرسية بما يتوافق مع النهضة التعليمية التي تشهدها المملكة. إلا أنه جميع تلك الحلول والمقترحات التي تضمنتها الخطة قد اصطدمت برفض من قبل وزارة المالية بحجة عدم إمكانية اعتماد أي بنود مالية إضافية لما هو معتمد في ميزانية الأجهزة المشرفة على التعليم.
إضافة إلى ذلك، فإنه وعلى الرغم من أن ندوة «اقتصاديات التعليم» التي عقدتها وزارة المعارف عام 1417ه قد ناقشت أوضاع المباني المستأجرة وما تمثله من صورة واضحة للهدر في أموال الدولة، إلا أن موقف وزارة المالية لم يطرأ عليه أي مرونة في سبيل علاج تلك المشكلة الوطنية، وبالتالي لم يكن أمام المؤسسات التعليمية سوى الاستمرار في استئجار تلك المباني غير الصالحة لأن تكون مقاراً مهيئة لممارسة العملية التعليمية.
ومما لا شك فيه أن الاعتماد على البنود المالية المخصصة حالياً للمشاريع في ميزانية المؤسسات التعليمية لن تعمل على حل المشكلة وذلك لمحدودية تلك البنود. فالمشكلة إذا كبيرة جدا، فهي ليست مشكلة الرئاسة العامة لتعليم البنات أو وزارة المعارف فحسب وإنما هي مشروع وطني ضخم اقترح أن يخصص له هيئة وطنية عليا للمباني المدرسية وذلك على غرار ماتم القيام به في جمهورية مصر العربية «مشروع مبارك للمباني المدرسية»، حيث نتج عن ذلك المشروع إنشاء سبعة آلاف وخمسمائة مدرسة خلال خمس سنوات بمعدل ألف وخمسمائة مدرسة في السنة الواحدة على الرغم من صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها جمهورية مصر.
وأقترح أن يتم ربط هذه الهيئة مباشرة بخادم الحرمين أو بسمو ولي العهد أو بسمو النائب الثاني دون أن يتم إخضاعها للقيود المالية التي تفرضها وزارة المالية، وأن يتم العمل على توفير التمويل اللازم لها والكفيل بإنشاء حاجتنا من المدارس النموذجية خلال فترة زمنية لا يجب أن تتجاوز الخمس أو السبع سنوات على أكثر تقدير.
خلاصة حديثي، أتمنى أن لا يكون تعاملنا مع هذه القضية تعاملاً وقتياً أو منطلقاً من ردود فعلنا من تلك المحرقة التي أودت بحياة أربع عشرة فتاة بريئة في المدرسة الواحدة والثلاثون بمكة المكرمة، أو من ذلك الانهيار الذي تعرضت له المدرسة الابتدائية الأولى بمنطقة جازان.
ولكنني أتمنى أن يتم التعامل مع مشكلة المباني المدرسية المستأجرة والمتهالكة والتي تمثل نسبة كبيرة من المدارس التابعة لكل من وزارة المعارف والرئاسة من خلال منظور اقتصادي شامل يمكن من خلاله إيجاد الحلول الفاعلة والكفيلة بعلاج المشكلة والقادرة على تلبية كافة احتياجاتنا من المدارس النموذجية.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved