* القاهرة مكتب الجزيرة محمد حسن:
رغم التداعيات المستمرة لأحداث الحادي عشرمن سبتمبر إلا أن ما كشفت عنه من تحيزات الإعلام الغربي تجاه قضايا أمتنا العربية والإسلامية ما يزال يتأكد يوماً بعد يوم الأمر الذي يتطلب أهمية وجود استراتيجية إعلامية عربية تتصدى للمفاهيم الخاطئة التي يروجها الإعلام الغربي وأن تسهم أجهزة الإعلام العربية في تكوين رأي عام قومي ينتهي لثوابت الأمة والتوجه بهذا الخطاب إلى الغرب وتتضح أهمية هذه المطالب في ظل بروز بعض الدعاوى التي تتهم وسائل الإعلام العربية بفقدها للرؤية الإعلامية الواضحة في تعاملها مع أحداث 11 سبتمبر وبعدها عن نبض الشعوب العربية.
حول طبيعة الرؤية الإعلامية العربية عقب أحداث سبتمبر وهل كانت مشوشة أم غائبة وأهم طرق وأساليب تحسين الرؤية الإعلامية العربية دارت فعاليات ندوة أحداث سبتمبر وآثارها على الرؤية الإعلامية العربية التي نظمتها جمعية مصر للثقافة والحوار بالقاهرة مؤخراً وحضرها نخبة من المحللين والمفكرين والإعلاميين.
الإعلام العربي قبل سبتمبر
أكد محمد فائق وزير الإعلام الأسبق وأمين عام المنظمة العربية لحقوق الإنسان على ضرورة تطوير الإعلام العربي وتطوير الأداء المهني للإعلاميين وأن يتسم الإعلام بالمصداقية وأن يتحول من مرحلة مجاراة الرأي العام إلى صنع الرأي العام.
وأضاف فائق ان العالم شهد خلال ربع القرن الماضي عدة تغيرات سياسية وإعلامية أثرت على طبيعة النظام الإعلامي العالمي، وتمثلت تلك التغيرات في ثورة المعلومات والاتصال التي أنتجت تكنولوجيا المعلومات، والبث المباشر عن بعد، وترافقت تلك التغيرات مع انهيار الثنائية القطبية العالمية، وترتب عليها ظهور نظام إعلامي دولي أحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة، التي استطاعت أن تدشن البداية الحقيقية لهذه الأحادية الإعلامية في حرب الخليج الثانية، حيث استطاعت أمريكا أن تجمع الرأي العام العالمي ولأول مرة في التاريخ حول قضية واحدة بفضل سيطرتها الإعلامية البارزة.
ويتابع محمد فائق انه مع انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت أمريكا صنع منظومة إعلامية عالمية وفقا لأهدافها ومصالها، وتحولت كافة النظم الإعلامية الغربية والشرقية تابعة للنظام الإعلامي الذي تفرضه واشنطن، وانتقد فائق هذا النظام واصفا إياه بالازدواجية والكيل بمكيالين، فأمريكا التي تقود هذا النظام تمارس الحرية وتؤكد على الحق في المعرفة داخل حدودها الجغرافية وضمن منظومتها الإعلامية الداخلية، في حين أنها تكبت هذا الحق خارج نطاقها الجغرافي، بما يخدم مصالحها في المقام الأول، وهي بذلك قد خلقت نوعا من الاستعمار الإعلامي والمعلوماتي حل محل الاستعمار العسكري القديم.
وحول أثر أحداث سبتمبر على الإعلام الدولي والعربي يرى فائق أن تلك الأحداث كشفت زيف دعاوى الحرية والديمقراطية التي يعلنها النظام الغربي وخاصة أمريكا، والتي تطالب دول العالم الثالث بتبنيها، فمنذ أن بدأت الحرب في أفغانستان، حاولت واشنطن السيطرة على كافة سبل المعلومات، وأن تقتصر التغطية الإعلامية لما تراه هي، وبالتالي القضاء على حق الجمهور في المعرفة، مؤكدا أن تلك التغييرات انعكست بتأثيرات سلبية على الرؤية الإعلامية العربية، فقد تراجعت نسبة الحرية في بعض النظم الإعلامية العربية، وظهر الرأي العام العربي بعيداً عما تطرحه تلك الرؤية الإعلامية، الأمر الذي يدل على ابتعاد الإعلام العربي عن القضايا المصيرية لدى الجماهير العربية.
قصور الرؤية الإعلامية
ومن جانبه تناول الدكتور أسامة الغزالي حرب رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية والخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام قصور الرؤية الإعلامية العربية في تقديم أحداث سبتمبر وما ترتب عليها من نتائج، وكذلك آثار الحرب في أفغانستان، مرجعاً هذا القصور إلى السيطرة الحكومية على القنوات والمحطات الإذاعية، وبالتالي عكست تلك الوسائل ما تراه الحكومات، وليس ما يراه المثقفون أو الرأي العام العربي، وضعفت فاعلية تلك الوسائل في الوصول إلى مراكز صناعة القرار السياسي في الدول الغربية، الأمر الذي ترتب عليه حدوث اضطرابات في العلاقة بين العرب والمسلمين من ناحية والدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة من ناحية أخرى، مما ترتب عليه بروز اتجاهات غربية عديدة رسمية أو شعبية تهاجم العرب والمسلمين، بدافع الانتقام أحيانا وبدافع المصالح السياسية أو الجهل بطبيعة الأمور أحيانا أخرى وكل ذلك والإعلام العربي بعيد عن الرؤية الإعلامية الصحيحة التي تستوجبها تلك المرحلة من اضطراب الأفكار وصدام الحوار بين الغرب والعالم الإسلامي.
وفي ضوء ضرورة تقديم رؤية إعلامية عربية واضحة، طالب الدكتور حرب بضرورة تطوير منظومة الإعلام العربي على عدة مستويات، المستوى الأول هو مستوى الرسالة الإعلامية، حيث شدد على ضرورة تدعيم الإعلام العربي المستقل من ناحية، وإتاحة المزيد من الحرية للإعلام الحكومي من ناحية أخرى والأمن الذي نتج رسالة إعلامية فعالة تعكس واقع الشارع العربي أما المستوى الثاني كما يرى الدكتور الغزالي فيتمثل في تطوير الأداء المهني والإعلامي بما يتفق مع متغيرات العصر، وهوما يستوجب التوصل إلى التكنولوجيا الإعلامية الحديثة، وتدريب الكوادر الإعلامية على استخدامها، وتطوير المنافسة الإعلامية بين وسائل الإعلام العربي والإعلام الغربي، خاصة بعدما بدأت بعض القنوات الدولية مثل C.N.N في بث قنوات ناطقة بالعربية تنافس قنواتنا العربية في المنطقة.
ويرى د. الغزالي ضرورة تطوير مضمون الرسالة الإعلامية كبعد ثالث من أبعاد تطوير الإعلام العربي، مشيرا إلى أن هذا المضمون عليه أن يجاري الرأي العام العربي ويشكله، وأن تخرج الرسالة الإعلامية من طور مخاطبة بعضنا البعض، لتتجه لمخاطبة الآخر بلغته وأسلوبه، مؤكدا على ضرورة تعلم الإعلام العربي لاستراتيجيات وسائل الإعلام الصهيوني والتي تضع الرأي العام العالمي على قائمة اهتمامها قبل الرأي العام الداخلي.
إعلام ما بعد سبتمبر
وأشار الكاتب والمحلل السياسي جميل مطر إلى التغيرات التي طرأت على الإعلام العربي منذ فترة الثمانينيات، وقال إنها تمثلت في دور إعلام المهجر الذي قاده مفكرون ومثقفون من الخارج.
وهو ما ربط إعلامنا العربي بالإعلام الغربي، خاصة مع وجود بوادر استعداد لدى بعض الأنظمة العربية في إتاحة درجة معينة من حرية التعبير، ثم فائض الإعلام العربي من الإعلاميين، الأمر الذي انعكس على حركة وسائل الإعلام نحو التبعية للنظام الإعلامي الغربي، وهو ما خلق رؤية إعلامية مختلفة عما يعانيه الجمهور العربي، وبعيده عن أولويات القضايا القومية العربية.
وتحدث جميل مطر عن بعض القضايا التي فرضتها أحداث سبتمبر على وسائل الإعلام العربية قائلاً: إن أول تلك القضايا هي قضية الإرهاب، والتي كانت في منأى عن تناول وسائل الإعلام لها قبل أحداث سبتمبر، ولكن بعد تلك الأحداث فرضت نفسها بقوة على كافة وسائل الإعلام العربية، حتى وصلت الدرجة ببعض وسائل الإعلام الى تناول موضوع الانتفاضة بين الإرهاب أو اللاإرهاب، الأمر الذي خلق فجوة كبيرة بين الرأي العام العربي والرؤية الإعلامية لتلك الوسائل، وثاني تلك القضايا كما يرى مطر هي قضية الحوار والصدام مع الغرب، فقد جاءت أحداث سبتمبر لتضع بداية للحوار والتخاطب بين وسائل الإعلام العربية والغربية، خاصة قضية صدام الحضارات، والتفاعل الثقافي بين الغرب والإسلام. ثالثا قضية العلاقة بين العرب وأمريكا، ومحاولة بحث الأمريكان عن جواب لسؤال طرحه الإعلام الغربي حول طبيعة الكراهية الموجهة من العرب للأمريكان واتهم فيها الإعلام العربي خاصة بالعنصرية والكراهية لواشنطن وحاولت وسائل الإعلام العربية نبذ مفهوم الكراهية لأمريكا، والتأكيد على مفهوم رفض السياسات الأمريكية الداعمة لإسرائيل، وليس كره الأمريكان أنفسهم.
وفي النهاية تحدثت الدكتوره منار الشوربجي أستاذ الإعلام بالجامعة الأمريكية حول قناة C.N.N كنموذج إعلامي غربي ورؤيتها الإعلامية لأحداث سبتمبر والحرب في أفغانستان، مشيرا إلى أن تلك القناة منذ بداية الأحداث وهي تتبنى وجهة النظر الأمريكية الخالصة، ولا تتحرك إلا بأمر من وزارة الدفاع الأمريكية، مؤكداً أنه من النادر أن تطرح تلك القناة رؤية مغايرة لما تراه الإدارة الأمريكية، وهو تماما الخطأ الذي وقعت فيه وسائل الإعلام العربية.
|