* موسكو مازن عباس :
اخيرا وبعد حملات مكثفة كانت ومازالت تشنها الصحافة الروسية ضد العرب والفلسطينيين، تتهمهم فيها بالارهاب وترويع الجنود الإسرائيليين الأبرياء الذين اضطروا للسكن في الدبابات والمدرعات لا لضرب الفلسطينيين وإنما للاحتماء من اسلحتهم القاتلة!! أعلن سيرجي ميرونوف رئيس مجلس الاتحاد الروسي (مجلس الشيوخ) وهو إحدى مؤسستي السلطة التشريعية في روسيا عن الغاء لقائه المقرر مع ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، لأنه ادرك ان منشأ الارهاب في الشيشان وافغانستان وفلسطين واحد على حد تعبيره، وأنار صديق شارون وشارانسكي الجديد بصيرتنا بقوله انه لا يوجد إرهاب سيىء وإرهاب جيد، ملتزما في ذلك بتصريحات احد كبار السياسيين الروس الذي أعلن منذ شهور خلال لقاء مع شارون إدانته للإرهاب بصرف النظر عن دوافعه!؟
وقد يكون ما جاء في تصريحات عدد من القيادات الفلسطينية والخاصة بأن تصريحات رئيس مجلس الاتحاد الروسي لا تعبر عن مواقف روسيا السياسية صحيحا من وجهة النظر الرسمية، باعتبار ان ميرونوف هذا من قيادات السلطة التشريعية وليس له أي دور في السلطة التنفيذية. ومع ذلك يجب ان نتذكر جيدا ان سيرجي ميرونوف هو من خريجي مدرسة لينينجراد (سانت بطرسبورج) السياسية وأحد العاملين فيها، كما هو الحال بالنسبة ل (سيرجي ايفانونف) وزير الدفاع وآخرين من أبناء هذه المدينة، قدموا الى موسكو مع تولي فلاديمير بوتين مقاليد السلطة وتم الاستعانة بهم في العديد من المواقع المفصلية في السلطة بدلا من رجال العهد السابق او البائد أي عهد الرئيس يلتسين، بعبارة اخرى لا يمكن التعامل مع تصريحات سيرجي ميرونوف السياسية ومواقفه على أنها شخصية، ومن الصعب التصديق بأنها تتخذ ويعلن عنها دون معرفة ومساندة الرئيس بوتين، خاصة حول أزمة تقع في مركز اهتمام المجتمع الدولي وتمر بأعقد أوقاتها!!
ومن الطبيعي ان تتولى ردود الافعال من الشخصيات السياسية الروسية، حيث اعلن ايجور ايفانوف وزير الخارجية الروسي ان لقاء ميرونوف مع ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية كان ضمن برنامج زيارة رئيس مجلس الاتحاد الروسي الى المنطقة، وليس لديه معلومات عن اسباب الغائه، الا انه يعتقد ان سيرجي ميرونوف لا يعبر في موقفه هذا عن سياسة روسيا، وجدد ايفانوف دعم موسكو لحقوق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة، مؤكدا ان روسيا تعتبر ياسر عرفات هو الرئيس الشرعي للسلطة الفلسطينية، وداعيا الى ايقاف العنف في الاراضي المحتلة واستئناف المفاوضات السلمية بين الفلسطينيين وإسرائيل.
أما في اوساط السياسيين الروس فقد اعتبر جنادي زيوجانوف زعيم الحزب الشيوعي الروسي ان سيرجي ميرونوف قد ارتكب خطأ سياسيا لابد ان يحاسب عليه، داعيا الى مساندة الشعب الفلسطيني في كفاحه من اجل بناء دولته المستقلة على ترابه الوطني، وقد أيد يفجيني بريماكوف الشيوعيين في ادانتهم لسيرجي ميرونوف واعتبر ان الانحياز لأحد طرفي النزاع يتعارض مع سياسة روسيا مما سيؤدي لفشل الجهود الروسية في الوساطة لحل النزاع، بينما ساند فلاديمير جرينوفسكي نائب رئيس البرلمان قرار ميرونوف ودعا القيادة الروسية لاتخاد اجراءات حازمة في مواجهة الإرهاب معتبرا ان عرفات قد اصبح العوبة في يد مافيا الحرب الساعية لاستمرارالمعارك في المنطقة!
جنادي رايكوف زعيم كتلة نائب الشعب البرلمانية اعتبر انه طالما لا توجد تعليمات من الرئيس بوتين بهذا الصدد فمن حق سيرجي ميرونوف ان يتخذ الموقف الذي ينسجم مع قناعته!! ويبدو ان تصريحات وقرار سيرجي ميرونوف قد قسمت الاوساط السياسية الى موظفين يتلقون التعليمات من (فوق) وسياسيين من اصحاب المواقف الضبابية أمثال ديمتري راجوزين رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان والذي اكتفى بالقول ان موقف روسيا هو مطالبة الجانبين بإيقاف العنف، وتصريحات ميرونوف تعبر عن رأيه الشخصي.
وبات واضحاً ان الحياة السياسية والمبادىء الديمقراطية في روسيا تفسح المجال لأي مسؤول ان يتخذ ما يشاء من مواقف ويدلي بأية تصريحات، ثم يقوم بعد ذلك بتصنيفها إلى شخصية رسمية وفق ردود الافعال.
الا ان الحديث في هذا الموضوع عن القرار الشخصي لرئيس إحدى مؤسستي السلطة التشريعية في روسيا الاتحادية هو نوع من الاستهزاء بالآخرين بما فيهم الكرملين، خاصة ان قرار رئيس مجلس الاتحاد الروسي الغاء لقائه مع عرفات وإعرابه عن مساندة إسرائيل وتحديد شارون جاء في ظل الظروف التالية:
1 إدانة واسعة من كافة اطراف المجتمع الدولي لممارسات إسرائيل العدوانية بحق الشعب الفلسطيني.
2 أزمة سياسية داخلية في الحكومة الاسرائيلية بسبب فشل شارون وبرنامجه الدموي في حل الأزمة الراهنة.
3 قيام إسرائيل بعدوان مسلح على الاراضي الفلسينية واحتلالها رام الله وعددا من المدن الفلسطينية.
وتصريحات ميرونوف في ظل هذه الظروف ستقودنا الى تفسيرين:
الأول: يشير الى تورط ميرونوف او اوساط حكومية روسية في صفقة مع الحكومة الاسرائيلية لإنقاذها من أزمتها.
أما الثاني: فهو باختصار ان ميرونوف لم يلاحظ الإدانة الأوروبية للممارسات العدوانية الاسرائيلية وانتقادات الأمم المتحدة الحادة لها، ولم ينتبه الى المحاولات الامريكية للجم اسرائيل، بل لم يسمع عن المعارضة المتنامية في اسرائيل لحكومة شارون الفاشية والأزمة السياسية الداخلية!! وأدلى بتصريحاته ليثبت للمجتمع الغربي ولاءه، مما يدل على براعته السياسية.
وبعيدا عن الانتقادات الساخرة من السياسيين السذج تتجلى خطورة تصريحات ميرونوف في أنها تكشف عن مواقف قطاع اساسي داخل السلطة الروسية ان لم تكن مواقف كافة اطراف هذه السلطة، في نفس الوقت تكشف عن حقيقة الدعم الروسي الهش، مما يطرح امامنا مهمة محددة وهي إسقاط صفة الراعي الثاني لعملية السلام عن روسيا بالرغم من شكليتها والبحث عن راع آخر اكثر تأثيرا وجدية وإدراكا لمعطيات الساحة الدولية، ولكي يكون سندا لنا في مواجهة انحياز الراعي الأول.
|